|
"لا أخاف الموت فإن كانت هناك حياة بعد الموت فسأجد ما أقوله وأتأقلم وأتغلب على الأمر.. تماما كما علمتني العسكرية، وإن ذهبت إلى الجحيم فسيكون برفقتي الكثيرون".. "تيموثي جيمس مكفاي".
في 19 إبريل 1995، وصباح يوم مشمس في مدينة أوكلاهوما بالولايات المتحدة الأمريكية، دخلت شاحنة صفراء إلى جراج المبنى الفيدرالي "ألفريد بي موراه". وفي تمام الساعة التاسعة غادر السائق الشاحنة، وفي التاسعة ودقيقتين انفجرت الشاحنة مفجّرة المبنى الفيدرالي معها.
بعد الحادث توجهت الاتهامات المعلّبة للإرهابيين من المسلمين والعرب، واتجهت جهات البحث والتحقيق كلها في هذا الاتجاه، حيث كانت الهتافات من قبل السياسيين والمحللين والإعلام تعلو مطالبة بإخراج "السرطان" الإسلامي من أمريكا.
وبينما كل ذلك يحدث كان هناك خط آخر من الحقيقة يتكون دون أن يدركه أحد، فبعد مضي حوالي ساعة ونصف من الانفجار كان تيموثي مكفاي البالغ من العمر 27 عاما يقود سيارته على بعد 75 ميلاً من الحادث حين أوقفه شرطي لاحظ أن السيارة التي يستقلها ليس عليها لوحة أرقام معدنية، وعند سؤاله عن ذلك قال مكفاي: إن السيارة جديدة ولم ترخص وسلّم رخصته الشخصية. عندها لاحظ الشرطي انتفاخا بسترة مكفاي ففتشه ليجد معه مسدسا، فاقتاده إلى قسم الشرطة، وبعد التحري وجد أن ملف مكفاي نظيف تماما، إلا أنهم أعلموه أن رخصة السلاح في نيويورك لا يعتد بها في أوكلاهوما.
كان من المفترض أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، إلا أن القاضي الذي كان من شأنه النظر في القضية كان مشغولا في قضية طلاق شائكة لن ينتهي منها قبل 21 مايو، وهكذا دخل مكفاي السجن لأول مرة في حياته.
كانت الأحداث تتوالى خارج سجن مكفاي؛ حيث عُثر على رخصة تأجير الشاحنة الملغمة والتي طارت من أثر الانفجار لتستقر على سيارة أخرى!! وهكذا توجه المسئولون من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى شركة تأجير السيارات المذكورة، وبعد أخذ المواصفات وتمريرها على الفنادق الصغيرة تمكنوا من الوصول لمرتكب الحادث، وحين وصلت صورته وبياناته إلى قسم الشرطة، تعرف عليه المسئولون، مفيدين أنه مسجون عندهم بالفعل لكن في تهم مختلفة!!
من هو مكفاي
ولد مكفاي في 23 إبريل 1968، وكان الابن الأوسط بين ابنتين لأسرة مسيحية في بلدة بندلتون الريفية في ولاية نيويورك.
عمل والده "بيل" في معمل لأجهزة تبريد المحركات تابع لشركة "جنرال موتورز"، إلا أن "إيدي" الجد كان صاحب التأثير الأقوى على الطفل "تيموثي"، فهو من علّمه الصيد وعرّفه على البنادق، واشترى له أول بندقية عيار 0.22 عندما كان تيموثي في الثالثة عشرة من عمره.
أما والدته "ميكي" فبعد تمزق بين العائلة ومتعتها الشخصية تركت البيت وهو في أوائل سن المراهقة، آخذة معها ابنتيها، بينما فضّل تيموثي البقاء مع أبيه وجده.
وفي عام 1986، تم الطلاق رسميا بين أمه وأبيه، وكان هذا هو نفس عام تخرجه في المدرسة الثانوية بمرتبة الشرف؛ حيث أثبت مكفاي جدارة كبيرة في الدراسة، كما اكتسب تقدير المحيطين في الحي والمدرسة حتى إن مُدرسة اللغة الأسبانية بمدرسته تقول: "لن تجد أحدا قط يذكره بسوء".
بعد تخرجه في المدرسة عمل مكفاي بـ "برجر كينج" وزاد اهتمامه بالبنادق والرشاشات والقوانين الخاصة بالتجارة فيها، إلا أنه تحت ضغط والده التحق بالجامعة، وما لبث أن تركها وعاد لعمله بعد أن أجبروه على دراسة الفنون الليبرالية (سينما- مسرح…)، وهو يدرس علوم الكمبيوتر.
استمر مكفاي في التدريب على أسلحته الخاصة، واشترى قطعة أرض ليسكن بها ليتمكن من التدريب بحرية، وكان قد بدأ في قراءة المجلات التي تصدرها الميليشيات اليمينية حين انضم إلى الجيش الأمريكي لتحسين قدراته على استخدام السلاح، ويقول زملاؤه في الجيش: إنه كان جنديا مثاليا، فبالإضافة إلى التهذيب العالي والفعالية تميز مكفاي بالاهتمام بتنظيف مسدساته وبنادقه كما تميز بالطاعة والشجاعة.
|
|
مكفاي أثناء اشتراكه في حرب الخليج
|
وجاءت حرب الخليج عام 1991 وشارك فيها مكفاي، وكانت نقطة فاصلة بالنسبة له.. حيث تبادر إلى ذهنه العديد من التساؤلات، ففكر مكفاي في القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة مقارنة بعامة الناس في بغداد وقتلها لهم بلا مبالاة، وجاءه الرد بأن حكومة بغداد – رغم أن الولايات المتحدة هي التي دعمتها في حربها ضد إيران – تمثل الآن "تهديدا للأمن"، وأن الضحايا من البشر هم "خسائر لا بد منها".
وتحول حب مكفاي للرصاص إلى رغبة عارمة في القتال حتى جاءت عاصفة الصحراء عام 1992، ونال مكفاي ميدالية المشاة والنجمة البرونزية لقتله قائد دبابة عراقية على بعد أكثر من 1.6 كيلومتر، ولبراعته في القتال.
بعد رجوعه إلى أمريكا حاول مكفاي أن يلتحق بما يعرف في الجيش الأمريكي بـ"القبعات الخضر"، وهي قوات خاصة داخل الجيش، إلا أنه لم يتمكن من اجتياز الاختبار الخاص بها بعدما أرهقته حرب الخليج.
على أثر ذلك ترك مكفاي الجيش وداخله سخط ما عليه، وعمل بتجارة السلاح، وزاد اهتمامه بالميليشيات وكتبها. كان كتابه المفضل رواية "يوميات تورنر" للكاتب النازي "ويليام بيرسن"، وهي تتحدث عن رجل أشعل ثورة في الولايات المتحدة وفجّر مبنى الـ"إف بي آي" في واشنطن، أما فيلمه المفضل فكان "الفجر الأحمر" الذي لعب بطولته "باتريك سوايزي" في عام 1984، ويدور حول مجموعة شباب تحولوا إلى محاربين عندما غزا جيش أجنبي أمريكا.
وفي عام 1993 حاصرت الشرطة الفيدرالية مركزًا لأتباع المذهب الداودي المسيحي الأصولي المتعاطف مع الميليشيات في بلدة "واكو" في تكساس، واشتعلت النار بعدما حاولت الشرطة تفريق المجتمعين من خلال إلقاء عدد كبير من قنابل الغاز المسيل للدموع، وهو ما أدى إلى موت 82 شخصا، بينهم 21 ولدا، وكان مكفاي بين الناس الذين شاهدوا العملية من خارج الطوق الذي نصبته الشرطة، وشعر فيها بأنه يجب إشعار الحكومة بأن هناك حدودا لاستغلال السلطة، وفي الذكرى الثانية للحادث في تكساس نفذ مكفاي عملية التفجير في أوكلاهوما.
التفجيرات
تفجرت شاحنة مكفاي داخل المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما، وكانت تحتوي على 2.2 طن من المتفجرات المصنوعة يدويا.
أما ماذا فجرت الشاحنة فالكثير.. ونذكر منه:
المبنى الفيدرالي، وهو ما أسفر عن مقتل 168 شخصا، بينهم 19 طفلا كانوا في روضة أطفال داخل المبنى، إضافة إلى ما يزيد عن 500 جريح، هذا إلى جانب تفجير أحلام المئات من الأقارب والأصدقاء وآمالهم وتوليد حزن داخل قلوب الملايين.
براءة أمريكا، كما أشار الكاتب الأمريكي "تيد آوتلي"، موضحا أن الجميع كان يبحث عن مجرم من خارج الحي ليكتشف أن المسئول عن الحادث ابن الجيران الذي يسكن في الجوار، وأنه بينما كان ينظر الجميع بريبه لذوي البشرة الملونة والشعر الداكن.. ظهر مكفاي ليجدوا أنه ليس سوى شخص يحمل ملامحهم، وهكذا فقدت أمريكا براءتها مع تفجيرات الشاحنة الصفراء.
قضية العرب والمسلمين داخل أمريكا.. أرض الحريات والمساواة، ونذكر هنا ما كتبته "راي حنانيا" في إبريل 2001 وهي أمريكية عربية – من أن الجميع بإعدام مكفاي نالوا حظهم من العدالة كل بطريقته الخاصة: الأمة التي صُدمت بأسوأ حادث إرهابي في تاريخها، شعب أوكلاهما، أقارب وأصدقاء الضحايا، الحكومة الأمريكية التي كانت هدف مكفاي، وحتى مكفاي الذي تمكن من توضيح دوافعه لارتكاب الحادث على الصفحات الأولى من كل وسائل الإعلام الأمريكي.. أما الفئة الوحيدة التي تُركت بعيدا عن عملية تضميد الجروح هذه فهم الأمريكان العرب الذين كانوا الأهداف الأولى للغضب الأمريكي بعد الحادث. وأضافت أن المصادفة وحدها هي التي قادتهم إلى مكفاي، بل إنه وحتى بعد القبض عليه استمروا في البحث عن تورطه مع ما سموه الجهات العربية المتطرفة.. وختمت حنانيا كلامها بأنه يتعين على أحد الاعتذار للعرب الأمريكان كذلك!
قضية الميليشيات الأمريكية، أظهر الحادث خطر الميليشيات المعادية للحكومة المركزية، والذي بلغ عددها قبل الحادث 858 ميليشيا علنية، أما جذورها فتوجد في الكنائس المسيحية الأصولية واليمينية المتطرفة التي بدأت بالظهور في الولايات المتحدة في أربعينيات القرن العشرين. إلا أن الحكومة الأمريكية لما لم يلحق حادث أوكلاهوما حوادث أخرى مماثلة، أعلنت في إبريل 2001 أن الميليشيات -بإعدام مكفاي - لفظت أنفاسها الأخيرة.
وأعرب "بروس هوفمان" - الخبير في قضايا الإرهاب - في الشهر ذاته أن انفجار أوكلاهوما كان من المفترض له أن يكون شرارة للثورة المرتقبة، لكن شيئا من هذا القبيل لم يحدث، لذلك يعمد المعادون للحكومة المركزية اليوم إلى الاكتفاء بعدم دفع الضرائب أو تسجيل المركبات... بدل اللجوء إلى حمل السلاح.
اللحظات الأخيرة
|
|
مكفاي قبل لحظات من الإعدام
|
كان من المقرر أن يُعدم مكفاي في مايو 2001، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالية اعترف أن هناك وثائق تخص القضية لم يطلع عليها محامو مكفاي وقت المحكمة عام 1997، وهكذا، تقرر تأجيل حكم الإعدام شهرًا آخر ليطّلع المحامون على 4000 وثيقة خاصة بالقضية، وإن أكد وزير الدفاع الأمريكي "أشكورفت" أن الوثائق المكتشفة ليس بها ما يفيد مكفاي الذي اعترف بمسئوليته عن الحادث. وبالفعل لم يتغير الحكم بعد انقضاء الشهر، وتم إعداد العدة لإعدام مكفاي.
وتواجد حوالي 300، منهم 232 من الناجين وأسر الضحايا، لمشاهدة مكفاي عبر شاشات الفيديو وهو مقيد في كرسي الإعدام، وتمّ حقنه إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وعن اللحظات الأخيرة نذكر أقوال من رأى ومن سمع:
الرئيس الأمريكي جورج بوش:
"ضحايا التفجير لم يأخذوا الثأر فقط بل العدل. لقد قابل هذا الشاب اليوم المصير الذي اختاره لنفسه منذ ست سنوات".
"على مكفاي أن يكون شاكرا؛ لأنه في بلد نزيه مثل هذا. لقد تأجل إعدامه شهرا لظهور وثائق جديدة رغم أنها لن تغير من الأمر شيئا.. لكنه العدل".
شاهدو الإعدام من أقارب الضحايا:
"لقد تُوفي مفتوح العينين".
"لقد رفع رقبته للنظر إلى الشهود واحدا تلو الآخر".
"لقد حدق إلينا بنفس الطريقة التي تجعلني أشعر بأنه حصل على ما يريد. كنت أعتقد أنه خائف فعلا وأنه شرير حقا".
"أعتقد أنني رأيت وجه الشر اليوم".
تيموثي مكفاي:
"كنت أتمنى لو أنني قمت بسلسلة من الاغتيالات لعدد من رجال الشرطة ومسئولين في الحكومة الأمريكية بدلا من قيامي بعملية التفجير".
"عندما تُدمي أنف زميلك ويعلم أنه سيُلْكم مرة أخرى فلن يعاود مضايقتك".
"إنني أشعر بالأسف الشديد لموت هؤلاء الأشخاص، إلا أنه كان على الحكومة الأمريكية أن تعرف تماما مغبة العبث بالأرواح البشرية".
"ما فعلته كان أمراً ضرورياً للدفاع عن حرية المواطن الأمريكي، وفي نفس الوقت انتقاماً للكارثة التي تسببت بها السلطات الفيدرالية".
"أنا لا أخشى الموت وآمل أن يتم تذكري كمقاتل للحرية مثل جون براون".
"أريد إخفاء بقايا جثتي في مكان سري؛ وذلك بعد إحراقها في مراسم مقصورة على عدد من أفراد عائلتي".
"موت الأطفال كان خسارة لا بد منها"، "كنت أدرك قبل تنفيذ العملية حجم الخسائر البشرية".
"لو لم يكن ما حدث في واكو قد حدث لكنت قد استقررت في مكان، أو لما كنت قد تزعزعت بهذه الصورة؛ بسبب حقيقة أن حكومتي.. هي تهديد لي".
وصية مكفاي
لم تكن سوى قصيدة للشاعر النازي "ويليام أرنست هنلي" كُتبت عام 1875 بعنوان: "الذي لا يُقهر" تقول أبياتها:
"من الظلام الذي يغطيني أسود كالحفر العميقة بين عمودين.. أشكر أية آلهة كانت لروحي التي لا تُقهر.
تحت وطأة الواقع القابضة لم أجفل أو أصرخ.. تحت مطرقة الأقدار رأسي ينزف، لكن غير محني.
بعد عالم الغضب والأحزان هذا.. هناك أطياف ليس بينها طيف الخوف، وتهديد السنوات يجدني وسيجدني غير خائف.
لا يهم مدى ضيق الباب.. مدى حفّة الدرج بالعقوبات..
أنا سيد مصيري.. أنا مالك روحي"
|