English

 

الأحد. أكتوبر. 7, 2001

ثقافة وفن » مجاهيل ومشاهير » سياسية وعسكرية

 

الأفغان العرب.. محاولة للتعريف

ممارسات حركة الأفغان العرب وخريطة العنف السياسي

نشأت حامد عبد الماجد

ممارسة العنف السياسي في بلدانهم الأصلية من أهم مظاهر الأفغان العرب
  تعطي ممارسات فصائل الأفغان العرب مؤشرا على طبيعة بنيتهم الفكرية والتنظيمية، ويمكن أن نرصد منها ستة مسارات يجمع بينها سمة غالبة هي استخدام العنف والقتال لتحقيق أهداف وغايات سياسية معينة يرونها من أولويات حركتهم على النحو التالي:

أولا: محاولة الأفغان العرب إعلان إقامة خلافة إسلامية: في حين خرجت المجموعات الأساسية من الأفغان العرب المقاتلين خارج أفغانستان، فقد بقيت رموز منهم في أفغانستان في حين اتجهت مجموعات أخرى للاستقرار في منطقة الحدود الأفغانية الباكستانية بجوار بيشاور وهي مناطق تضعف قدرة الحكومة الباكستانية على التدخل والسيطرة، وفي عام 1992 قررت مجموعة منهم يطلق عليهم "جماعة الخلافة" التفكير في الأمر، وقد أدت المشاورات بينهم إلى خلاف كبير قاد إلى انقسامهم إلى فريقين: أحدهما يدعو إلى مبايعة حكمتيار أمير الحزب الإسلامي خليفة للمسلمين، والثاني يعارض ترشحيه لعدم شرعية تعامله مع إيران، وتحالفه مع حزب الوحدة الشيعي مما أدى إلى انقسامات وتوزع الأفغان العرب على الفصائل الأفغانية حسب ولاءهم، ولكن الجماعة سرعان ما أرادت الدخول في مشروع لإعلان "الخلافة الإسلامية" عمليا والبدء بتجربة ميدانية على الحدود الباكستانية-الأفغانية، وحمل لواء هذه الفكرة شاب فلسطيني، ولكنه تنازل عنها بعد جدل فقهي؛ نظراً لكونه غير قرشي، ومن شروط الخلافة – حسب الرؤية النصية للأفغان العرب- أن يكون الخليفة قرشياً؛ ولكن سرعان ما تجمعت المجموعة الساعية إلى إعلان الخلافة مرة أخرى حول أفغاني أردني ترجح توافر الشرط فيه، فوقع الاختيار عليه وأعلن نفسه خليفة للمسلمين، وبدأ بتعيين الولاة على العالم الإسلامي، وأخذ أنصاره يبحثون عن منطقة يعلنون فيها دولتهم، فأقنعوا رجال القبائل على الحدود الباكستانية-الأفغانية الذين وافقوا على تأييدهم طمعاً في المال، ونكاية في الحكومة الباكستانية، وقد استقرت المجموعة في منطاق "ثيرا" التابعة لـ "حزم أو بمتسي" على الحدود، والبعيدة عن سيطرة الحكومة الباكستانية، والتي تتيح إمكانية الحصول على دعم وتأييد قادة قبائل المنطقة المعارضين للحكومة الباكستانية، وعلى رأسهم زعماء قبيلة "أفريدي" مالك نادر خان زاكخيل وحاجي جل بات خان، ولكن سرعان ما دبت الخلافات والصراعات بين الطرفين، وخاصة بعد مقتل الزعيمين القبليين، ولعبت الاستخبارات الباكستانية دوراً رئيسياً في تفجير الصراع وتأليب رجال القبائل ضد الأفغان العرب، وأسفرت المعارك عن سقوط 11 قتيلاً من الأفغان العرب من بينهم الخليفتين المتنازل عنها والمعلن، و قد حاول حكمتيار التوسط بين الطرفين على الرغم من انشغاله بالحرب مع رباني، وتم وقف المعارك مقابل انسحاب الأفغان العرب من مناطق القبائل والاتجاه إلى داخل الأراضي الأفغانية.

ثانيا: اشتراك الأفغان العرب في الحرب الأهلية الأفغانية إلى جانب حكمتيار ثم التحالف مع الطالبان: على الرغم من أن معظم الأفغان العرب قرروا أن مهمتهم انتهت في أفغانستان بسقوط الحكومة الشيوعية، إلا أن عدداً منهم انخرط في الحرب الأهلية بين الفصائل الأفغانية، خاصة إلى جانب قلب الدين حكمتيار زعيم الحزب الإسلامي، وكما رأينا وصل عدد المقاتلين العرب إلى جانبه إلى حوالي 600 مقاتل. وكان حكمتيار قد دعا الأفغان العرب الذين استقروا في بيشاور إلى دخول أفغانستان بعد أن بدأت السلطات الباكستانية في ملاحقتهم؛ مما دفع حكومة رباني إلى عقد اتفاقات أمنية مع حكومات عربية خاصة مصر لرصد نشاطات الأفغان المصريين، وبعد ظهور حركة طالبان وتمكنها من فرض سيطرتها على معظم الأراضي الأفغانية حدثت عمليات نزوح جماعي للأفغان العرب من باكستان إلى المناطق التي تسيطر عليها "طالبان"؛ ليعيش معظمهم في منطقة قندهار، وشملت عمليات النزوح كل الأسماء البارزة في تنظيمي الجماعة والجهاد مثل العقيد محمد المكاوي، والظواهري، وأسامة بن لادن، والواقع أن ثمة علاقة وثيقة في الوقت الراهن بين حكومة طالبان والأفغان العرب لعل من أقوى مؤشراتها ما تسبغه حكومة طالبان من حماية على بن لادن ورفضها تسليمه لأمريكا التي تستميت في هذا الأمر، وإضافة إلى ذلك تقطن بعض فصائل الأفغان العرب في مناطق قبلية على الحدود الأفغانية الباكستانية التي لا يخضع سكانها لسيطرة الحكومة الباكستانية، وتمكنوا من الاندماج في مجتمعات هذه المنطقة.

ثالثا: بحث الأفغان العرب عن ساحات قتال جديدة: اتجه فريق – كما أسلفنا- من الأفغان العرب الذين غادروا أفغانستان أو باكستان إلى البحث عن ساحات قتال جديدة "إسلامية" في الخارج، فقد انتقل بعضهم إلى المناطق الإسلامية الساخنة في الاتحاد السوفيتي السابق وبخاصة طاجكستان والشيشان، وكشمير؛ إذ اتهمت الهند بعض عناصرهم بالقيام بسلسلة من التفجيرات في عام 1993والمشاركة في عمليات المقاومة ضد جيشها ومن أبرزها عمليات التسلل في شهر مايو 1999، والسيطرة لفترة طويلة على مرتفعات إستراتيجية في جبال الهملايا مما أدى إلى اندلاع الصراع مجددا.

وكانت البوسنة أبرز محطات وصول الأفغان العرب خلال الفترة من 92-1995؛ حيث دخلت مجموعات منهم إليها تحت غطاء لجان الإغاثة التي يديرها أمريكان وأوروبيون مسلمون، ومنذ عام 1992 بدأت حالات اللجوء السياسي لقيادات جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية إلى بلدان أوروبا الوسطى التي شهدت تشكيل مراكز لتجميع العناصر الجديدة والقديمة، وتسهيل دخولها إلى البوسنة، بل إن قيادات دخلت بالفعل فقد اعتقل طلعت فؤاد قاسم (أبو طلال القاسمي) في كرواتيا، ثم اختفى بعد ذلك في ظروف غامضة وهو من قيادات الجماعة الإسلامية المصرية، وكان أول مؤشر على تحولهم إلى مشكلة البوسنة عندما أعلن علي عزت بيجوفيتش أن بلاده لا تحتاج إلى رجال وإنما إلى أسلحة، أما وزير خارجيته فكان أكثر وضوحاً إذ طالب في عام 1993 الأفغان العرب بعدم التدخل في حرب البوسنة، وقد نص اتفاق دايتون للسلام في البوسنة على سحب كل القوات الأجنبية في البوسنة خلال عشرين يوماً خاصة بعد أن روج الصرب لادعاءات مبالغ فيها عن أعدادهم فجعلوها تصل إلى عشرين ألفا، في حين أنهم في الواقع لم يتجاوزوا خمسمائة فرد.

ويعتقد البعض أن بناء الوحدات الإسلامية والذي اكتمل في البوسنة في ربيع 1995، كان على علاقة وثيقة بالأفغان العرب، فتم نشر وحدات استشهادية “martyrdom" والتحق بها بوسنيون إلى جانب أفغان عرب، وإن كان البعض يشير إلي أن هذه الوحدات كانت أيضا على علاقة وثيقة بإيران، وقد لجأ بعض الأفغان العرب إلى الجبال والوديان البوسنية، الأمر الذي دفع القيادات العسكرية البريطانية إلى إثارة قضيتهم مع الرئيس البوسني بيجوفيتش، وطالبت بسحب "المجاهدين الأجانب من قوات البوسنة" لتخفيف الخطر، وأعلنت أنها حصلت على تأييد الرئيس البوسني، وقد تشددت السلطات الكرواتية والدول المجاورة فأوقفت منح تأشيرات الدخول عبر أراضيها إلى البوسنة حتى لأفراد هيئات الإغاثة الدولية، وتمركز كثير منهم في ألبانيا وهو ما كشف عن إلقاء السلطات المصرية القبض على تنظيم "العائدون من ألبانيا" في يناير 1999.

وباختصار فإن حركة الأفغان العرب في هذا المسار تابعة لمناطق النزاعات والصراعات على المستوى الدولي؛ حيث يصلون إليها لتقديم ما يعتقدون أنه واجب النصرة لإخوانهم المسلمين المضطهدين أو المعتدى عليهم في كل مكان يستطيعون الوصول إليه، وبذلك يشكلون قوة أو فاعلا ذا صفة دولية التأثير في الأزمات والصراعات التي يكون المسلمين أحد أطرافها علي المستوى العالمي.. وبحكم كونهم قوة غير حكومية أو شعبية يصعب التنبؤ بأفعالها وتصرفاتها وردود أفعالها وبالتالي يراها الكثيرون من أهم عوامل عدم الاستقرار على المستوى الدولي.

رابعاً: انتشار الأفغان العرب في أوروبا وأمريكا وإفريقيا: تحرك الكثير من الأفغان العرب في اتجاهات متعددة بعيداً عما سبق للمعيشة المستقرة والقيام بواجبات إسلامية دعوية وغير قتالية، فبعضهم انضم إلى منظمات الإغاثة الإسلامية، وبعضهم قرر السفر إلى بلدان أوروبية أو إفريقية، وحاول بعضهم دخول إيران التي رفضت وكذا رفضت فرنسا دخول أفغان عرب من الجزائر وتونس، وسافر بعضهم إلى الولايات المتحدة، والتفوا حول الدكتور عمر عبد الرحمن، وفجروا مركز التجارة العالمي في نيويورك في عام 1993 كما سنرى. وقد بدأت قيادات حركتي الجهاد والجماعة الإسلامية الانتشار في عدد من البلاد العربية والأجنبية.

خامساً: ممارسة الأفغان العرب العنف السياسي في بلدانهم الأصلية: يعد أخطر وأهم مسارات عناصر ظاهرة الأفغان العرب، وفيما يلي سنتناول أبرز عمليات العنف السياسي التي مارسوها في البلاد العربية:

1-الأفغان العرب والعنف السياسي في مصر: يقدر البعض عدد الأفغان المصريين بنحو من خمسمائة إلى ألف فرد، استفادوا من التدريبات العسكرية التي تلقوها خلال سنوات القتال والحرب الأفغانية، ومن حصيلة العلاقات التي توفر لهم الدعم المادي والمعنوي في صراعهم مع النظام السياسي في مصر.

وكانت مجموعاتهم بدأت تعود إلى مصر منذ عام 1992 إلا أن ذلك لا ينفي وجود ممارسات عنف سياسي لأفراد من الأفغان المصريين قبل ذلك فقد كشفت جهات التحقيق في قضيتي محاولة اغتيال زكي بدر وزير الداخلية السابق في 16 ديسمبر 1989 والثانية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب في 12 أكتوبر 1990 قيام بعض المتهمين في القضيتين بالسفر إلى أفغانستان واشتراكهم في القتال هناك، وقد ترافقت مع عودتهم موجة واسعة من الاعتقالات في صفوفهم؛ إذ تم اعتقال حوالي 100 عنصر منهم في الموانئ ونقاط الحدود، بينما تمكن عدد منهم من دخول البلاد، وقد قضت المحكمة العسكرية العليا في الإسكندرية في ديسمبر1992 بإعدام ثمانية من تنظيم "العائدون من أفغانستان" الذي يضم قيادات من "تنظيم الجهاد" و"حزب الله" و"الجماعة الإسلامية"، وفي نفس الوقت تصاعدت معدلات العنف بصورة غير مسبوقة بسبب عمليات الأفغان المصريين ونجاح بعضهم في دخول مصر، وكان أبرزها محاولة اغتيال وزير الإعلام المصري ووزير الداخلية حسن الألفي، وقد شهد عام 1995 وقوع أربع عمليات عنف كبرى خارج الأراضي المصرية، وهي: اغتيال الملحق التجاري المصري في سويسرا في يناير 1995، وإطلاق النار على موظفة دبلوماسية بمدريد في أغسطس 1995، ولم تصدر بيانات تنسب العمليتين إلي الأفغان العرب، وإن كان البعض يؤكد انتساب العمليتين إليهم، أما الثالثة فهي محاولة اغتيال الرئيس مبارك في أديس أبابا (26 يونيو 1995) وكانت نقطة التحول التي أظهرت أن المواجهة مع الأفغان العرب انتقلت بؤرتها إلى خارج مصر، مما يعطي لهم عنصر المفاجأة وخضوع العمليات لحسابات أطراف خارجية قد توفر لها دعماً معينا، وقد أحدثت محاولة الاغتيال حينئذ توترات بالغة في علاقة مصر بالسودان وأثيوبيا وباكستان وسرعان ما تم احتواؤه لصالح مزيد من التنسيق والتعاون المتبادل. وقد نفذ محاولة الاغتيال مجموعة من الأفغان العرب المصريين المنتمين إلى الجماعة الإسلامية يقودهم مصطفى حمزة، مما كشف عن تزايد فعالية ومستوى قدرات أعضاء هذه الجماعة الذين تلقوا تدريبات في أفغانستان.

أما الرابعة فقد كانت تفجير السفارة المصرية في إسلام آباد في نوفمبر 1995 والذي أشار إلى تحول في إستراتيجية الأفغان العرب العنيفة يتعلق مضمونه بكل من الأهداف والمكان الذي يتم فيه، ويبدو أن وطأة الضربات الأمنية في الداخل دفعتها إلى التحول للعمل في الخارج. وإذا كان ذلك يعكس انخفاضاً في قدرات الأفغان العرب المصريين في الداخل لكنه يعكس في نفس الوقت ارتفاعاً في ذات القدرات في الخارج مستفيدة من انتشار على المستوى الدولي، إلا أن قوة الأداء في الخارج قد عادت بنتائج سلبية عليهم؛ إذ ازداد التنسيق الأمني بين مصر وحكومات أجنبية عدة وبخاصة باكستان والولايات المتحدة. كما تلقى الأفغان العرب أعضاء الجماعات الإسلامية ضربتين قويتين في نفس العام (1995) حيث اختفى أبو طلال القاسمي في كرواتيا الناطق الإعلامي باسم الجماعة، فقامت بتفجير سيارة مفخخة في أحد مقار الشرطة في مدينة ريبكا الكرواتية في أكتوبر 1995 مما شكل تطوراً بارزاً في عمليات الأفغان العرب، أما الضربة الثانية فقد جاءت بعد إدانة الشيخ عمر عبد الرحمن والمحكوم عليه بالسجن مدى الحياة لتورطه في الدعوة والسعي لشن هجمات ضد منشآت عسكرية أمريكية ومبنى الأمم المتحدة.

وتشير الضربتان اللتان تلقتهما الجماعة إلى وجود عنصر مشترك بينهما هو دور الولايات المتحدة الأمريكية بينهما، التي اتجهت نحو التشدد في مواجهة الأفغان العرب؛ حيث تجاوز دورهم الخطوط الحمر فيما يتعلق بالأمن القومي الأمريكي، وهكذا أدى التنسيق الدولي ونجاح قوات الأمن المصرية في ضبط وكشف العديد من المجموعات إلى تراجع عملياتها داخل وخارج مصر فيما عدا بعض العمليات الخطيرة كان أبرزها حادث الأقصر في نوفمبر 1997، والذي راح ضحيته أكثر من 60 سائحاً..

وقد استمرت قوات الأمن المصرية في توجيه ضربات قوية للأفغان العرب، كان أبرزها في يناير 1999 حين ألقت القبض على تنظيم "العائدون من ألبانيا" الذين ينتمي غالبيتهم إلى جماعة الجهاد، وأقلية منهم إلى تنظيم "القاعدة" الذي يتزعمه أسامة بن لادن، وتتضمن القضية 107 متهمين، يُحاكم منهم فقط 44 حضورياً والباقون يحاكمون غيابياً، وأُطلق عليهم اسم "العائدون من ألبانيا"، وأخذت القضية اسمها من كون أربعة من قياداتها قد تسلمتهم مصر من الحكومة الألبانية في يونيو 1998، وعلى رأسهم مسؤول محطة التنظيم في تيرانا شوقي محمد سلامة عطية، والقيادي إبراهيم النجار الذي حكم عليه بالإعدام. وقد تراجعت عمليات الأفغان العرب في مصر في السنتين الأخيرتين تحت الضغوط الأمنية والإعلان عن وقف عمليات العنف السياسي من قبل التنظيمات المكونة للأفغان العرب المصريين بعدما تبين لهم عدم جدواه كأسلوب للعمل والتغيير...

2- الأفغان العرب والعنف السياسي في الجزائر: شكل الأفغان الجزائريون القوة الثانية من حيث الحجم بعد الأفغان المصريين، وقد بدأ هؤلاء ممارسة العنف السياسي قبل إلغاء نتائج الجولة الثانية في الانتخابات البرلمانية في يناير 1992 والتي كانت جبهة الإنقاذ الإسلامية على وشك الفوز بها، وقد ترافقت مع موجات العودة من أفغانستان مع هذه الأحداث؛ مما أعطي زخماً قوياً لحركة الأفغان العرب الذين انضموا إلى الجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا) الأكثر عنفاً في الجزائر، والتي تأسست في العام ذاته متأطرة حول جماعة محمد علال المعروف باسم محمد ليفيه( نسبة إلى حي ليفيه في العاصمة الجزائر)، والذي فرمن سجن البليدة في عام 1985وصعد الجبال مشكلا النواة الأولى للعمل المسلح في الجزائر كما تحولت لتأييدها جماعة التكفير والهجرة التي نشأت في أفغانستان في النصف الثاني من الثمانينيات.

وقد توالت قيادات عدة على الجماعة الإسلامية المسلحة بعد نشأتها، منهم عبد الحق العيايدة الذي اعتقلته السلطات المغربية في يونيو 1993، وخلفه جعفر الأفغاني الذي تلقى تدريبه في أفغانستان حيث أمضى عامين، وشارك في الحرب ضد السوفيت، وعرف عنه شراسته؛ حيث نسب إلى مجموعته غالبية العمليات التي أودت بحياة الصحفيين والمثقفين، كما كان المسؤول عن خطف أعضاء السفارة الفرنسية، وعن محاولة اغتيال وزير الدفاع السابق خالد نزار، كما اتهم بعملية تفجير مطار هواري بومدين عام 1993، وقد أعلنت الجماعة المسلحة مسؤوليتها عن مقتل 12 كرواتياً في الجزائر، كما أنها المسؤولة عن خطف وقتل محمد بو سليماني أحد كبار قيادات "الإخوان المسلمون" الجزائريين، كما أعلنت الحكم بالإعدام على قيادة جبهة الإنقاذ الموجودة في الخارج، وقد استفاد الأفغان الجزائريون من علاقاتهم الجيدة مع عدد من فصائل المجاهدين الأفغان للحصول على الأسلحة وتدريب العناصر الجزائرية، وقد امتد نشاطهم لجزائريين – وفقا لتقارير فرنسية- إلى داخل الأراضي الفرنسية، حيث افتتحوا معسكرات للتدريب؛ وتشير معلومات نشرتها جريدة "الفيجارو" الفرنسية (6 نوفمبر 1994) إلى تقرير أعده جهاز مكافحة التجسس في فرنسا جاء فيه أن مئة شاب فرنسي إسلامي تلقوا تدريبات عسكرية في أفغانستان وباكستان، وقد اتهموا بالقيام بعدة عمليات داخل فرنسا، وبعد الهدنة التي أعلنها الجيش الإسلامي للإنقاذ منذ عام 1997، وتراجع العمليات النوعية للجماعة الإسلامية المسلحة، حاولت قيادات "الأفغان الجزائريين" إعادة تفعيل جبهة العنف في الجزائر عبر قيادة قمر الدين خربان زعيم الأفغان الجزائريين ذي العلاقة الوثيقة بأسامة بن لادن، منذ أن كان خربان مسؤولاً عن مراكز لتدريب "الأفغان العرب" في بيشاور، وذلك بقصد سحب البساط من التيار الموالي لرابح كبير الذي يدعم الهدنة التي أعلنها "جيش الانقاذ"، والقيام بتجميع عناصر التيار السلفي، ولهذا الغرض تم تأسيس "المكتب التنسيقي للإنقاذ في أوروبا" بإيعاز من قمر الدين حزبان في عام 1999، وأسندت رئاسة هذا المكتب التنسيقي إلى أحمد الزاوي، وقد أصبح الأفغان الجزائريون عصب "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" من التنظيمات الأكثر قوة وممارسة للعنف في الجزائر، وتشير العديد من التقارير إلي عمق العلاقة بين الأفغان الجزائريين وحركة طالبان وأسامة بن لادن.

3- نشاط الأفغان العرب في السودان والقرن الإفريقي: كانت منطقة القرن الإفريقي مسرحاً لنشاط الأفغان العرب الذين تكثف وجودهم في السودان والصومال، فقد تدفق الأفغان العرب على السودان بعد سماح الحكومة السودانية بدخول العرب والمسلمين بدون تأشيرة، وقد وصل بن لادن إلى الخرطوم قبل سقوط كابول في 1992، حيث وصلها في أول أكتوبر 1990، والتقى الدكتور الترابي عدة مرات، وركز مشروعاته في إقامة بنية تحتية، وحصل على مشروع سد الروصيرص من أكبر السدود السودانية، وطريق التحدي وهو الطريق الرئيسي لربط الخرطوم – شندي – عطبرة، وقامت شركات بن لادن بشق ترعتي كنانة والرهد، واشترك ابن لادن في بناء مطار بور سودان الجديد، وقدر البعض استثماراته بحوالي 50 مليون دولارحينئذ، كما يذكرون أنه أسس في السودان معسكرين أحدهما للجهاد والآخر للجماعة الإسلامية وسرعان ما اكتشفت الحكومة السودانية الورطة التي دخلتها بسبب تدفق الأفغان العرب إلى أراضيها، واتخاذها منطلقاً لممارسة أعمال العنف في مصر والجزائر، وقد اعترف الكثير من عناصر تنظيم العائدون من أفغانستان بأن بن لادن كان يقوم بتمويل عملية عودتهم سراً إلى مصر عبر السودان، وقد استفاد مصطفى حمزة من وجوده في السودان في التخطيط والإشراف على عملية الاغتيال الفاشلة للرئيس مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995، فتوترت علاقات مصر بالسودان وفرض مجلس الأمن عقوبات على السودان، قرر على إثرها السودان ترحيل جميع الأفغان العرب من أراضيه، فعاد أسامة بن لادن ومصطفى حمزة إلى أفغانستان، وقد تعرض السودان لهجوم جوي أمريكي في أغسطس 1998 عقب تفجير سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام، وتم تدمير مصنع الشفاء بحجة أنه ينتج أسلحة كيماوية.

وتتهم فصائل صومالية في صراعاتها الداخلية الحكومة السودانية بتهجير أعداد من الأفغان العرب إلى الصومال؛ حيث ينشطون في حركة الاتحاد الإسلامي، إلى جانب أفغان القرن الإفريقي، والواقع أن منطقة القرن الإفريقي أصبحت محط اهتمام الأفغان العرب في ظل التضييق الشديد عليهم في دول العالم المختلفة، وكان الإعلان عن غرق أبو عبيدة البنشيري القائد العسكري لتنظيم القاعدة الذي يتزعمه بن لادن في مايو 1996 في بحيرة فكتوريا قد لفت الأنظار إلى توغل الأفغان العرب في إفريقيا، والذين نجحوا في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا في أغسطس 1998، وتشير بعض المصادر إلى اشتراك مجموعة من الأفغان العرب في تعقب القوات الأمريكية التي كانت موجودة في الصومال في إطار عملية إعادة الأمل في عام 1994، وذلك بالتنسيق مع جماعة محمد فارح عيديد "التحالف الوطني"، حيث شاركت في عمليات متعددة ضد القوات الأمريكية مما أدى إلى مقتل حوالي 20 جندياً أمريكياً، مما دفع القوات الأمريكية إلى الانسحاب من الصومال.

4-الأفغان العرب في بلاد الشام: كان أبرز ظهور لعناصر الأفغان العرب في الأردن مطلع عام 1993، عندما وقعت مجموعة من حوادث التفجير في عدد من دور السينما بالإضافة إلى محاولات اغتيال شخصيات سياسية من الوفدين الأردني والفلسطيني المشاركين في مفاوضات السلام، وقد كثف المتهمون نشاطهم في يناير 1993، ويبدو أن هناك تداخلا تنظيميا بين مجموعات الأفغان العرب وما يعرف تنظيم جيش محمد، وفي يوليو 1996 اعتقلت سلطات الأمن السورية مجموعة من الأفغان العرب الذين دخلوا سوريا بطرق غير شرعية، من بينهم مصريين وفلسطينيين، وقررت سوريا محاكمتهم داخلها.

5- الأفغان العرب والعنف السياسي في اليمن: كان للمتطوعين من أبناء اليمن الجنوبي السابق في أفغانستان وبيشاور معسكرات خاصة بهم، وظهرت فيما بينهم قيادات منها طارق الفضلي، وتردد الحديث فيما بينهم عن نقل الجهاد إلى اليمن المحكوم من قبل الشيوعيين بعد انتهاء الحرب الأفغانية، غير أن الشيخ عبد المجيد الزنداني - الذي أصبح في وقت لاحق من زعماء التجمع اليمني للإصلاح المعارض -كان يتردد كثيراً على بيشاور، وله تأثير كبير على المجاهدين العرب، طلب من "الأفغان اليمنيين" إلغاء أو على الأقل تأجيل مشروع الجهاد في اليمن بعد الانفتاح السياسي الذي شهدته البلاد، وقد اشترك بعض الأفغان اليمنيين في مقاتلة القوات الجنوبية أثناء الحرب الأهلية بين اليمن الشمالي والجنوبي في يونيو 1994، وأيضا مارست عناصر "الأفغان اليمنيين" بعض عمليات العنف السياسي، قامت بها منظمة الجهاد الإسلامي تحت زعامة الشيخ طارق الفضلي، وقد استهدفت بعض المنشآت السياحية، ومنها فندق أقام فيه عسكريون أمريكيون عاملون في الصومال في إطار عملية إعادة الأمل، واغتيال بعض قيادات الحزب الاشتراكي الذي كان "متحالفاً" مع موسكو، وأيد تدخلها في أفغانستان، وقد عقدت السلطات اليمنية صفقة مع الشيخ طارق الفضلي، وانضم في إثرها إلى حزب المؤتمر الحاكم، واستطاعت الحكومة اليمنية استيعاب مجموعته، وعلى الرغم من ذلك فإن بعض الأفغان اليمنيين عادوا إلى العمل ضد الحكومة اليمنية في عام 1998 في إطار تنظيم "جيش عدن الإسلامي"، وقد أعلن تأييده لأسامة بن لادن عقب الغارات الأمريكية على أفغانستان والسودان، وأشاد بتفجير السفارتين، وأبرز عملياته خطف رهائن لا نرى داع لتفصيلها حيث حوكم وأتباعه، كما كانت آخر العمليات التي قام بها الأفغان اليمنيين بالتعاون مع الأفغان المصريين ضرب المدمرة الأمريكية كول قرب سواحل عدن كما أسلفنا؛ وتعتبر اليمن أيضا محطة أساسية للأفغان العرب وبخاصة المصريون منهم، حيث استقر فيه لفترة بعض القيادات أثناء انتقالهم ما بين باكستان والسودان، وأفغانستان ومصر ويذكر أنه بداية من عام 1993 تمركزت في اليمن مجموعات من قيادات الأفغان المصريين كانوا على علاقة بتنفيذ عملية اغتيال رئيس الوزراء المصري حينئذ.

 نشاط الأفغان العرب في السعودية: لم يوجه الأفغان السعوديون نشاطهم ضد الحكومة السعودية التي نجحت في استيعاب معظمهم، إلا أن الأراضي السعودية كانت ساحة لنشاط الأفغان العرب في مواجهة القوات الأمريكية، وهذا ما سنعرض له بعد قليل.

سادسا: الأفغان العرب والولايات المتحدة: التحول من التحالف إلى الصراع

مرت السياسة الأمريكية تجاه الأفغان العرب بمرحلتين متعاقبتين ومتناقضتين، حيث تحولت العلاقة من النمط التحالفي إلى النمط الصراعي، النمط الأول (التحالف) كان مبرره وجود عدو مشترك (الاتحاد السوفيتي)، ومع زوال خطره بانهياره فقد التحالف مبرراته وتحول نحو العداء أي النمط الثاني.

(1) مرحلة النمط التحالفي والمساهمة غير المباشرة في نشأة حركة الأفغان العرب وتطورها: ففي المرحلة الأولى التي استمرت طوال عقد الثمانينيات تدخلت الولايات المتحدة بكل ثقلها لدعم المجاهدين الأفغان في مواجهة الاتحاد السوفيتي لاعتبارات إستراتيجية، فقد شهد هذا العقد (70-1980) تقدماً شيوعياً في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، كان لا بد من وقفه من وجهة نظر الإستراتيجية الأمريكية، ومن ثم دفع الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان في استمرارية منطق الحرب الباردة، وفرض سباق التسلح، وشرع يؤكد كسر التمدد السوفيتي ولو في منطقة واحدة؛ تمهيداً لدفعه نحو التراجع، وكانت أفغانستان الساحة الرئيسية للنزال، وعلى ذلك نشأ تحالف عسكري بين المجاهدين الأفغان والولايات المتحدة لاستنزاف الاتحاد السوفيتي، ولم يكن يدور بخلد صناع القرار في البيت الأبيض في حينه ماذا يمكن أن يفعل المجاهدون الأفغان ومؤيدوهم من الأفغان العرب بعد هزيمة السوفيت؛ إذ إنه طوال عقد الثمانينيات كانت واشنطن مزارا معتادا لزعماء الجهاد الأفغاني، وأطلقت عليهم وسائل الإعلام الأمريكية كما أسلفنا "مقاتلو الحرية" “TheAfghan Freedom Fighters"، بجانب ثوار الكونترا في نيكاراجوا، ومقاتلي حركة يونيتا في أنجولا. وساندت الولايات المتحدة باكستان ورئيسها ضياء الحق الذي دعا المسلمين من كل مكان أن يشاركوا في الجهاد ضد السوفيت، وبدأ جهاز استخباراتها (سي. أي. إيه) في تقديم الدعم المالي والتسليحي عبر الجيش والاستخبارات الباكستانية إلى المجاهدين والأفغان العرب، وأقامت المخابرات الأمريكية قواعد عسكرية متطورة ما زال بعضها يعمل بفاعلية في مجال تدريب وتسليح العرب، ويتركز بعضها في محيط مدينة خوست على بعد 12 كلم جنوب كابول، و 200 كلم من الحدود الباكستانية وبالقرب من جلال آباد الشرقية الواقعة على بعد 120 كلم شرق كابول، ويرى البعض أن الدعم المادي السعودي للمجاهدين الأفغان كان أربعة أضعاف الدعم الأمريكي، كما استفادت المخابرات الأمريكية من جهود الملياردير السعودي "أسامة بن لادن" من أجل تنظيم عملية التطوع وتطويرها، وهكذا فقد التقى الطرفان: الإسلامي بشقيه الرسمي، وغير الرسمي، والأمريكي على هدف واحد وهو إلحاق الهزيمة بالسوفيت، وقدم كل منهما وسائل الدعم اللازمة، لكن انتهاء الحرب الباردة أدى إلى تغيير الأولويات من الولايات المتحدة والقسم الأكبر من التيارات المسلحة التي ساهمت في الجهاد الأفغاني، والتي تحولت أفغانا عرب كما أسلفنا فيما بعد؛ فبالنسبة لواشنطن اختفى خطر الاتحاد السوفيتي عدوها الإستراتيجي، وشهدت مؤسسات التفكير وصناعة القرار الإستراتيجي إبان حرب الخليج الثانية وبعدها بحثا عمن يكون العدو الجديد، وفي حين تحدث البعض عن "نهاية التاريخ" متعجلاً إصدار الحكم حول انتصار الليبرالية الغربية، أكد صموئيل هنتجتون وجود "صدام الحضارات" وكان يقصد إثبات أن الديمقراطية الليبرالية على النمط الغربي تواجه تحدياً إسلامياً وكونفوشوسيا، وأن الحروب المقبلة ستدور في هذا الإطار.

لم تتبنَّ الإدارة الأمريكية رسمياً هذه الرؤية لكونها تدرك جيداً متانة علاقاتها بدول إسلامية عدة، غير أن ذلك لم يمنعها من أن تصنف الإرهاب في مقدمة الأعداء الجدد للولايات خاصة الإرهاب الأصولي الذي يقوده الأفغان العرب، والتقت إرادة الولايات المتحدة وكثير من حكومات الدول العربية والإسلامية، والتي بدأت منذ ذلك الوقت تعاني من أحداث العنف السياسي الداخلي التي يقف وراءها الأفغان العرب على اعتبار أن الإرهاب الخطر الذي يتعين التنسيق والتعاون بين الطرفين لمواجهته – بل إن "رابين" في رؤيته حول الشرق الأوسط الجديد طرح نفس الفكرة حول هذا التحدي، كما تجلى في عقد مؤتمر قمة "مكافحة الإرهاب" في شرم الشيخ في فبراير 1996 عقب عمليات حماس ضد إسرائيل، ولكن رؤية الطرفين لم تكن متطابقة تماما، ففي حين تركز الحكومات العربية جهدها في مقاومة خطر الإرهاب الداخلي الموجه ضدها، كان تركيز الولايات المتحدة على حماية أمن إسرائيل في وجه حركات المقاومة الإسلامية دون تمييز بين الإرهاب وحق المقاومة المشروع وفقا للمواثيق الدولية.

وهكذا تجلى التغير في الموقف الأمريكي من المجاهدين الأفغان سريعاً بعد خروج السوفيت من أفغانستان، ثم تدعم أثناء حرب الخليج الثانية في مواجهة العراق، فبعد الانسحاب السوفيتي في عام 1989 حدث نزاع بين أجهزة صنع السياسة الخارجية الأمريكية؛ في حين أيدت الخارجية التعاطي مع الملف الأفغاني بالتنسيق والتشاور مع القيادة السوفيتية – قبل سقوط الاتحاد السوفيتي – دعت الأجهزة العسكرية والاستخبارات إلى دعم الفصائل الأفغانية للقيام بعمل عسكري حاسم لإسقاط حكم نجيب الله، وبالنسبة للمعونات حدث تخفيض في قيمة الدعم المقرر للفصائل الأفغانية من 300 مليون دولار إلى 250 مليون دولار، ثم تقرر قطع هذه المعونات كلياً بالاتفاق مع المملكة العربية السعودية عن الأحزاب التي أيدت غزو العراق للكويت أو التي رفضت التدخل الأمريكي في الخليج، وتحديداً الحزب الإسلامي بزعامة حكمتيار والاتحاد الإسلامي بزعامة عبد رب الرسول سياف، وقد صاحب هذا التغير الأمريكي وتبعا له تغير سعودي وباكستاني انصب في اتجاه دعم أحزاب أفغانية ضد أخرى، بل والمساهمة في بروز فصائل جديدة كان أبرزها حركة طالبان، فقد فشلت المراهنة على الحزب الإسلامي بزعامة حكمتيار، ووجدت الولايات المتحدة في نظام الرئيس برهان الدين رباني – لا سيما بعد الصدام بين حكمتيار ورباني – النظام المؤهل للعب الأدوار الأساسية التي تخدم السياسة الأمريكية وأهدافها المتمثلة خصوصاً في إغلاق معسكرات الأفغان العرب، واعتقال قياداتها التي صارت متحالفة مع حكمتيار(53). وبعد ظهور حركة "طالبان" بدأت الولايات المتحدة وحكومتا السعودية والباكستانية في المراهنة عليها، خاصة بعد نجاحها في تقويض نفوذ وقوة حكمتيار. فمنذ ظهور حركة طالبان كان الدعم الأمريكي والباكستاني واضحاً، وذلك عبر تفاهم بين الطرفين منذ عام 1994وهوتاريخ ظهور الحركة، ونموها بصورة سريعة (54)، وامتلكت منذ البداية قوة عسكرية تقدر بحوالي 25 ألف فرد، و200 دبابة قتال رئيسية، بالإضافة إلى حوالي 200 طائرة، وكان هدف الدعم الأمريكي يتركز في ضبط الأوضاع في أفغانستان وتحقيق الاستقرار، ومطاردة الأفغان العرب، ووقف تجارة المخدرات وتحقيق الاستقرار في أفغانستان تحت حكم قريب أو موالٍ لواشنطن، يساهم في تقوية السيطرة الأمريكية على الثروة النفطية البازغة في آسيا الوسطى، وإبعاد إيران عن مشروع أنابيب النفط والغاز الطبيعي من خلال تهيئة ظروف تتيح تمرير هذه الخطوط من تركمانستان إلى باكستان عبر أفغانستان، وذلك كبديل عن مد خط الأنابيب عبر إيران، التي كانت واشنطن تركز جهودها حينئذ في حصارها.

وفي بداية ظهور الطالبان قوضت نفوذ حكمتيار، وأغلقت معسكرات تدريب الأفغان العرب، وأحرقت حقول المخدرات. وعلى الرغم من ذلك أصرت الحركة على إيواء أسامة بن لادن وأنصاره بعد عودته من السودان، كما قاومت بشدة محاولة أمريكية في ديسمبر 1997 لاعتقاله، حين أرسلت مجموعة من القوات الخاصة إلى باكستان؛ تمهيداً لدخول أفغانستان من مناطق الحدود، إلا أن قوات طالبان منعت القوة الأمريكية من دخول أراضيها. والأكثر من ذلك أن الحركة سمحت لأسامة بن لادن بممارسة نشاط سياسي واسع لمناهضة السياسة الأمريكية، سواء فيما يتعلق بتكوين "الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين" أو تنظيم مؤتمرات عدة للتنديد بالسياسة الأمريكية. ولكن تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا في 8 أغسطس 1998 جعل قضية إيواء طالبان للأفغان العرب مصدر خطورة بالغ، لاسيما بعد أن قامت واشنطن بتنفيذ عملية قصف صاروخي منفرد ضد معسكرات تابعة لأسامة بن لادن في أفغانستان في 20 أغسطس 1998.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية كانت تعاني ارتباكاً واضحاً في الرؤية الإستراتيجية في أفغانستان منذ البداية،ويتجلى ذلك فيما يلي:

(أ) لم يكن الدعم الأمريكي للفصائل الأمريكية الأفغانية مبنياً على أساس إستراتيجية واضحة من أجل تأسيس نظام سياسي مستقر في أفغانستان، فالولايات المتحدة يبدو أنها لم تكن تهتم بالقدر الكافي بخريطة الأوضاع العرقية والقومية وانقسامات الفصائل وتعددها ومشاكلها المختلفة، ولكنها ركزت جهودها فقط في مواجهة الخطر الشيوعي، كما أن صانعي القرار في واشنطن لم يعطوا قضية المتطوعين العرب حقها من الاهتمام خاصة بعد خروج السوفيت؛ ولذلك كان الطبيعي أن يتحول "المجاهدون العرب" إلى "أفغان عرب"، فالولايات المتحدة في رأي الكثيرين لم تكن معنية بالأبعاد الداخلية للصراع، وإنما انحصر اهتمامها في الأبعاد الدولية والإقليمية.

(ب) تردد الإدارة الأمريكية بين خيار: الأول مواصلة الرهان على طالبان باعتبارها الحركة الوحيدة القادرة على بسط سيطرتها وتحقيق الاستقرار، أو إسقاط هذا الرهان والتعامل معها باعتبارها تؤوي الإرهاب وتحميه. وإذا كان الرهان على طالبان من وجهة النظر الأمريكية – مفيدا في حصار إيران وتنفيذ مشروعات نقل البترول عبر أفغانستان دون المرور بإيران، إلا أن استقرار الأمور لطالبان قد يؤدي إلى زيادة المد الديني والإسلامي في آسيا الوسطى، مما يهز ويقلق الأنظمة الحاكمة في تلك المناطق. والخلاصة أن الولايات المتحدة قامت بتوظيف قضية الجهاد الأفغاني في مواجهة السوفيت خلال الثمانينيات، ولكن انتهاء القضية بخروج السوفيت، وانهيار الاتحاد السوفيتي، أدى إلى تغير الرؤية الإستراتيجية، فيبدو أنه بدلاً من الخطر الأحمر برز الخطر الأخضر الذي تمثله من وجهة نظرها الأفغان العرب.

(2) التحول للصراع بين الأفغان العرب والولايات المتحدة :

بتبلور النشأة الحقيقية للأفغان العرب صارت الولايات المتحدة هدفاً لهجماتهم في عالم غاب عنه الاتحاد السوفيتي، وتفرد فيه - القطب الواحد- بالنظام الدولي؛ بالطبع فإن عمليات الأفغان العرب ضد الأهداف الأمريكية لا تعدو عمليا سوي تعبير عن نوع معين من الاحتجاج على السياسات الأمريكية تجاه العرب والمسلمين ووجود إرادات يمكن أن تتجمع لممارسة ذلك، ولا تمثل تهديدا حقيقيا للمصالح الأمريكية؛ ولنتناول بعض الأمثلة من الممارسات التي قام بها الأفغان العرب ضد المصالح الأمريكية:

(أ) تنفيذ سلسلة من الهجمات المسلحة على القوات الأمريكية في الصومال في عام 1993 والتي أدت إلى مقتل 18 أمريكياً بالتعاون مع الاتحاد الإسلامي الصومالي، والتي أدت إلي انسحاب القوات الأمريكية في نهاية الأمر..

(ب) تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك فبراير1995 الذي أدى إلى مقتل ستة وجرح حوالي ألف شخص، وخسائر جملتها حوالي بليون دولار، واعتقلت السلطات الأمريكية أربعة فلسطينيين ومصريين وحكمت عليهم السجن لفترات طويلة (جملتها أكثر من ألف عام) وكان المنفذان الرئيسيان رمزي يوسف وأحمد عجاج قد تقابلا في أفغانستان خلال الحرب ضد السوفييت.

(ج) انفجار الرياض ضد مكاتب بعثة عسكرية أمريكية ترتبط بعقود لتدريب الحرس الوطني السعودي منذ السبعينيات في نوفمبر 1995أدى إلى مقتل خمسة أمريكيين وهنديين، وإصابة 60 آخرين بجروح، وعمد المنفذون إلى استخدام جهاز تفجير متطور مربوط بجهاز توقيت، مما يشير إلى خبرة عالية وتنظيم جيد، وقد شارك في التحقيقات 19 خبيراً من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (أف. بي. آي) واثنان من الخارجية الأمريكية أشاروا إلى ترجيح اتهام الأفغان العرب.

(د ) انفجار الخبر في الظهران فقد وقع في 25 يونيو 1996، وأدى إلى مقتل 19 أمريكياً، وإصابة 386 شخصاً بجروح بينهم 17 سعودياً و 118 بنغالياً، و 109 أمريكياً و 4 مصريين وأردنيين، ويعتبر الهجوم الأعنف الذي تتعرض له القوات الأمريكية في الشرق الأوسط منذ انفجار بيروت عام 1983 وقتل فيه أكثر من 241 جنديا أمريكيا.

(ل) عاد الأفغان العرب بعد انقطاع لمدة عامين تقريباً متمثلين في "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" التي أسلفنا الحديث عنها إلى توجيه أقوى الضربات ضد الأهداف الأمريكية، ففي 7 أغسطس تم تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، والذي أدى إلى مقتل 263 شخصاً من بينهم 12 أمريكياً وجرح أربعة آلاف آخرين، وقد أعلن "الجيش الإسلامي لتحرير المقدسات الإسلامية" مسؤوليته عن تنفيذ الانفجار، ويعتقد أنه الجناح العسكري لتنظيم القاعدة الذي يرأسه بن لادن، ويقدم البعض مؤشرات تؤكد قيام عناصر تابعة "للجبهة الإسلامية العالمية" بتفجير السفارتين منها البيان الذي أعلنه تنظيم الجهاد قبل وقوع التفجيرات بيومين، وهدد فيه الولايات بالانتقام بعد تسليم الاستخبارات الأمريكية أربعة من ناشطي تنظيم الجهاد إلى السلطات المصرية، وكما سبق القول فإن تنظيم الجهاد يعتبر جزءا من "الجبهة الإسلامية لقتال اليهود والصليبيين" التي تعتبر الولايات المتحدة "العدو الأول"، ويتحرك من منطلق فتوى توجب قتال الأمريكيين وضرب مصالحهم، إضافة إلى ذلك فإنه من الملاحظ تصاعد الوجود الجهادي في إفريقيا، فالرجل الثاني في التنظيم (نائب الظواهري) على الرشيدي كان مقيماً في مومباسا بكينيا ذاتها قبل أن تغرق به سفينة ركاب في بحيرة فكتوريا في مايو 1996، كان قد حارب في أفغانستان وقاتل القوات الأمريكية في الصومال، وقاد عناصر جهادية كثيرة في حربها ضد الأمريكان في أفريقيا وله العديد من الأتباع، الأمر الذي يمكن أن يكون قرينة على توافر الكوادر التي قامت بعملية التفجير؛ وقد ردت الولايات المتحدة بعنف على العملية لتستعيد هيبتها أمام الأفغان العرب، وعندما لم ينجح القصف الصاروخي، قررت وضع أسامة بن لادن على قائمة العشرة الفارين والمطلوبين للعدالة الأمريكية، وذلك بعد أن رفضت طالبان تسليمه، وأعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي لويس مزي أن بن لادن ونائبه محمد عودة أبو حفص المصري لم يغادرا أفغانستان، وأكد أن منظمة القاعدة التي يديرها بن لادن واسعة ولديها القدرة والرغبة على ارتكاب عنف عشوائي واسع، وقد اتهمت الولايات المتحدة الأفغان العرب بالقيام بأعمال إرهابية تشمل قتل عسكريين أمريكيين في السعودية والصومال ورعايا أمريكيين في كينيا وتنزانيا.

ويمكن الخروج مما سبق بثلاث دلالات بالغة الأهمية:  الأولى: حدوث تحول في نمط عمليات الأفغان العرب عبر التركيز على تلك العمليات الموجهة للولايات المتحدة الأمريكية، فقد توصلت قياداتهم خاصة الظواهري وابن لادن إلى عدم جدوى العمليات ضد الحكومات داخل البلاد العربية الأخرى، وجدوى توجيهها ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية؛ حيث تكتسب دعما وتأييدا واسعا من الشعوب الإسلامية التي يعاني بعضها من الحصار الأمريكي، كما أن توسيع العمليات ضد الأمريكيين والإسرائيليين يعني توسيع الرقعة التي يمكن للأفغان العرب أن يتحركوا فيها علي المستوى الدولي، الثانية: أصبحت الولايات المتحدة تعتبر الأفغان العرب العدو الأول لها وجسدتهم في قيادة أسامة بن لادن، وفي نفس الوقت فإن الأفغان العرب بدورهم يعتبرونها عدوهم الأكبر الذي يقود الغرب الصليبي والاستعماري ضد العرب والمسلمين.

ويمكن القول: إن خطر الأفغان العرب رمزي ضخمته الدعاية الإعلامية الأمريكية في سعيها للبحث عن عدو جديد، فالدعاية حولت الأفغان العرب إلى قطب دولي ينازع الولايات المتحدة الأمريكية على الرغم من عدم منطقية المقارنة بين قوة الطرفين، ولكنه من وجهة نظرنا يمثل ولو في أحد جوانبه وجود إرادة شعبية إسلامية رافضة للهيمنة الغربية والأمريكية تمارس تأثيرا على المستوى الدولي.

 الثالثة: تزايد توتر العلاقات مع الأمريكية-الطالبانية، حتى قررت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على طالبان في 6 يوليو 1999، معتبرة أن سياسة طالبان تشكل تهديداً غير عادي لأمن الولايات المتحدة؛ لأنها تسمح لابن لادن ومنظمة القاعدة باستعمال أراضٍ تحت سيطرتها، ومازالت العلاقات بين الطرفين تواصل تدهورها.

تابع محاور الموضوع:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم