|
تعد "عبير صنصور" امتدادا حقيقيا وجليا لكلمات "الشيخ إمام".. "الغناء الفلسطيني هو التزام حاد في الحفاظ على تراث الشعب من التهويد والصهينة، مع تأصيل للتراث الفني والتعامل معه بجدية والتزام"؛ فهي تحاول أن تتمسك بها كوصية لتصوغ جهود إبداعها لابتكار أغنية تناسب حالتنا، فلسطينيا وعربيا.
"صنصور" مطربة الأوبرا الفلسطينية التي تقيم حاليا في القاهرة، تعرف "بالفنانة الملتزمة"؛ وذلك لأن رسالتها تقوم على ثنائية الاحتلال والمقاومة؛ وهو ما جعلها توصف دوما بأنها "تعويذة الخير" لحضورها الطاغي بتحبب، ولتمثيلها للأرض المحتلة ولقيم سكانها الإنسانية بجمالية عالية نفتقدها على شاشات فضائياتنا وفي غالبية مهرجاناتنا.
فالغناء على لسانها يتعدى كونه فنا عاطفيا وشاعريا؛ فهو متحول ومتكيف إيجابا، يصل ليكون فعلا عقلانيا يُشعر مستمعيها الذين يتضاعفون دوما بأنفسهم التي يبحثون عنها كنتيجة منطقية لما تقدمه.
البدايات..
طلبنا أن تبدأ معنا حديثها العفوي من المربع الأول، حيث حكايتها الأولى مع الغناء من مدينتها الأم بيت لحم ومع بداية الانتفاضة الأولى؛ حيث غنت للوطن وللطفولة، ولم تنته تجربتها برحيلها للقاهرة بل تعتبرها بدايتها الثانية.
فتقول: "بدأت بعفوية تامة من المدرسة وكنت غير مدركة لما يمكن أن يقدمه صوتي لفلسطين، وعبر مشاركاتي الغنائية التي لاقت إعجابا كبيرا صيغ وعيي لما يمكن أن يخدم قضيتي، فأمام احتلال يحاول طمس تاريخك عبر مصادرة أرضك ولا يتوانى عن قتلك يحاول جاهدا خنق صوتك، كنت أشعر أن دوري قادم وبدأت أستعد له".
"كنت حاضرة دوما لتقديم أغاني الثورة والتراث والتغزل بالوطن أمام أبنائه، فانطلقت إلى جامعة بيت لحم (في الضفة الغربية) للدراسة وأسست فرقتي الأولى وأطلقت عليها اسم "صرخة"، أعلنت عبرها حالة رفض للاحتلال ومقارعته، فانطلقت إلى الجامعات الفلسطينية وكنا نتدرب في كثير من الأحيان عبر التليفون، وقبل الحفل كان يتم اعتقال قسم من أعضاء فرقتنا للتضييق علينا".
وبعد "صرخة" التي انفرط عقدها بفعل تخرجها في الجامعة، أسست فرقة اسمها "عبير" استمرت حتى قدوم السلطة الفلسطينية (1993) ليكبر دورها في الحفاظ على اللون الفلسطيني الشعبي، ضاعفت عليه عملا مسرحيا وغناء لأطفال الحجارة الذين تعتبرهم سر حياتها.
وكانت تلف مدن فلسطين المقطعة في محاولة إعلانها حالة من التوحد مع أرض مفتتة قسرا، عبر أغنيات تراثية ووطنية لا تعرف حدودا أبدا.
ومن ثم ما لبثت وأسست فرقة "أوتار شرقية"، تجولت عبرها بالأغنية الفلسطينية في كل المحافل المحلية والعربية والدولية.
وعن سر تواجدها في القاهرة تؤكد أن وجودها هو جزء من رسالتها الفنية الفلسطينية؛ "فأنا أقدم فلسطين هنا في كل حفلاتي المختلفة؛ فلا يمكن لشخص غير فلسطيني أن يقدمها بنفس الروح كاملة وحقيقية ما لم يكن من تلك الأرض التي تسكن فينا".
حول سؤال فخ الشعارات والتحريض المباشر المكشوف والخوف من تحول غنائها إلى بوق للدعاية الأيدلوجية تؤكد أنها تقاوم كي لا تقع في هذا الفخ؛ فالخوف أساسا من أن يأتي هذا على حساب القيمة والحس الفني في الأغنية.
غناء يعاني كالوطن
ترى صنصور أن الجمهور هنا كما هو حال دول مختلفة يرى الدمار والقتل والخراب على شاشات التلفاز وهم فعلا يريدون وجها آخر لفلسطين يقربها منهم أكثر، وهذا يجعلهم يتقبلونها ويتعاطفون معها أكثر، هذه معادلتي التي ينحاز فني لها أكثر.
وتضيف: "لذا ما زلت أقدم فلسطين بأشكال عدة، فلأرضنا أكثر من وجه جميل، وأحاول أن أقدمها لمن يحبها ولا يعرفها؛ فأقدم العرس الفلسطيني، والحياة بتقاليدها وعلاقاتها وتشابكاتها وترابطها وبفكاهتها أيضا، إضافة إلى الجمال والأرض والتغزل بها والحب وهذا برفقة المقاومة والألم والعذاب".
تعترف صنصور أن الغناء يعاني كما الوطن، والدليل على ذلك اتكاء الفنانين في مجمل أعمالهم وحفلاتهم على القديم الذي يحفظه الناس باستثناء حالات معينة.
وتؤكد أنه أمام حب المواطن للغناء القديم وتعلقه به نجده يشتاق لكل أغنية جديدة تتكلم باسمه، وتعكس ألمه، أو تحرك بواعث شجونه، وهذا ما تحاول تقديمه بتعاونها مع نخبة من الشعراء المصريين والفلسطينيين.
وعن السبب في هذا الفقر الغنائي تجزم أنه لا يتعدى غياب المؤسسة الداعمة للفرق المختلفة التي تظهر وتقدم عملا أو عملين وما تلبث أن تختفي عن المسرح.
"فالعمل الفني الملتزم والجاد يحتاج إلى جهود مضاعفة أضعاف ما يحتاجه الفن الذي يفرض نفسه بقوة على شاشاتنا، وذلك كي ينافس ويفرض نفسه".
وتشير صنصور إلى أن ما يميز الغناء الفلسطيني هو محبته من فئات الشعب كافة، فنجد أن المواطن البسيط والمثقف يشتركان في سماعه وعشقه له، وربما هذا هو سبب تجذر الفن ولعبه أدوارا مهمة في الحفاظ على الهوية؛ فهناك انتماء أصيل له.
البحث عن العمق
أخبرناها أنها غنت من أشعار سعود الأسدي، وغسان ووضاح زقطان، ومحمود درويش كشعراء من فلسطين، واليوم نلحظ تعاونا كبيرا مع شعراء مصريين مميزين كجمال بخيت، وحمدي زيدان، وجمال يوسف فما الجديد في هذا التعاون؟.
قالت: "بداية ومن باب حرصي على هويتي فإن الأغنية تنسب لمؤديها وهذا الأهم"، ووصفته كما تلمسته من الجمهور بأنه "تعاون خلاق يثري الأغنية عبر شعر يعتز به وصوت فلسطيني نحن بحاجة إليه؛ فالشعراء المصريون يحتفون بصوتي وأنا أفعل العكس بشعرهم، والأهم القيمة التي يقدمها هذا الثنائي المميز".
وتضعنا صنصور عبر حديثها في صورة موقفها من الاتجاه الفني السائد على الساحة الفلسطينية، وهو في جزء منه (باستثناء ما تقدمه الفصائل والتنظيمات الفلسطينية التي لها فرقها الخاصة وخطاباتها الحماسية والثورية) يهدف إلى العمق، ويبحث عن القيمة الفنية "الجديدة"، عبر التعمق في الحديث عن الإنسان ومعاناته الخاصة، أكثر من الحديث عن الحالات العامة بما يكتنزها من شعارات جماهيرية، مؤكدة أن هذا في مجمله يخدم الفن وجماهيريته.
ففي واقع فلسطين تصبح الحالة الفردية منسلخة على المجتمع، وبالتالي الغوص في تفاصيل الفرد .. يعني البحث عن المجتمع والكل؛ فهذا خطاب جماهيري أيضا.
لكنها تصر على أن واقع فلسطين وما تمر من حالة تتفرد بها يجعلها بحاجة إلى خطاب فني جماهيري عام في حال انصراف "الخطاب الفردي الجديد" عن الهم والألم وتقديم ما يلهم المجتمع ويضاعف الأمل والنور في عيونهم.
وتؤكد أن قضية "الفن للفن" التي كانت دوما مثار نقاش تلاشت، لتتمثل المصيبة على الساحة الفنية العربية في أننا تجاوزناها تماما؛ فاليوم لا يوجد فن أصلا فيما يعرض في قسم كبير على الساحة الفنية، بل تسطيح لكل المفاهيم ومحاولة تخريب لسوية الأذواق.
بحثنا معها عن تفسير ظاهر أن 'لكل مواطن عربي مغنيا وهي وأمثالها من المطربين يعانون النسيان فتقول: "في هذه الأجواء لا يعرف أحد خلاف فئة المثقفين عبير صنصور أو كاميليا جبران أو ريم البنا مثلا؛ فهناك غناء يتوارى عن الساحة لصالح جنون فني يخرج بنا بعيدا عن الفن وأدواره".
وهي كفنانة يبدو عليها شعور الحزن والقلق، لتعيب تقبل الجمهور لكل ما يعرض عليه، وكأنه إسفنجة تمتص كل ما يقدم له.
"فقيم الغناء اليوم هي قيم اقتصادية بحتة تبتعد عن أي قيم حقيقية مؤثرة ومفيدة في شخصية الإنسان؛ فقيمة الكسب هي التي تحرك شركات الإنتاج، والغناء يشبه بعضه البعض بصورة لا يمكن تخيلها، وعمليا لا يوجد فنانون بل مؤدون، أشكال بلاستيكية، وهذا يكون بمعزل تام عن الجمال والروح والأخلاق".
لكنها ما لبثت تقول: علينا أن نكون واعين أن هذا لن يطول، فمن يفرض نفسه هو الجيد حتما عبر تقنية "الانتخاب الطبيعي".
البحث عن إجابات
تبحث صنصور بقلقها الإيجابي عن لغة عصرية تخاطب بها الناس، "المنافسة ستبدأ من هنا، في مقدار بحثنا عن لغة ليست مصطنعة أو مبرمجة، بل من صميم فعلنا وروحنا وواقعنا كشرق حضاري".
وتبقى هناك أسئلة "تعويذة الخير" المحيرة لها، ولأي فنان ملتزم، على غرار: "ماذا يجب أن أغني؟ وأي أسلوب يمكن أن أغني به؟ وأي رسالة يجب أن يحملها صوتي؟ وماذا تستحق فلسطين مني؟ وما هوية الأغنية الفلسطينية الجديدة؟".
تلك التساؤلات المهمة ستبقى حية كجزء من جدوى وجود "عبير صنصور"، غير معزولة أو بعيدة عن تلك القلوب التي تتجه صوبها بلهفة.
طرحتها علينا دفعة واحدة، ككتلة على صدرها، ليبدو جليا أن حنينها يتضاعف، وشوقها يصبح لتفاصيل المكان كله الذي تطمح أن تعود إليه قوية، ولكنها تتكئ على عصا شجنها الذي يترجم عبر حفلاتها التي تؤكد أن صوتها ما زال يحمل الكثير لأرض "البرتقال الحزين".
ناقد فني ومحرر في النطاق الثقافي والفني في شبكة إسلام اون لاين.
|