|
هو المثل الذي يضرب منذ عشرين عامًا تقريبًا، يلماظ جوني المخرج التركي المعروف الذي اعتبر السينما رسالة نضال، وكان فيلمه "الطريق" رسالة تحمل رهافة الفن والتزام الرسالة، وقوة الموقف النبيل، ومات يلماظ جوني في السجن الذي دخله بسبب أفلامه، ورغم حصول "الطريق" على جائزة مهرجان كان 1982م..
لم يكن هو وحده الذي أعاد للسينما التركية وجهها الاجتماعي المناضل الملتزم، بعد أن انحدرت إلى سافل في الابتذال والسُّخْف، بل كان معه مجموعة من الفنانين بدأوا في السبعينات من القرن العشرين؛ منهم مخرجون مثل: شريف أوكتان وشريف جورين وجودت أقطاي، ومنهم ممثلون ومخرجون في جيل لاحق مثل: طارق أركان وخليل أرجون وشريف سيزير، والكاتب يشار كمال، والممثلان زبيدة اجتولكا وحكمت شيلك، وغيرهم كثير ممن تأثروا بالواقعية الإيطالية والسينما البديلة في أمريكا الجنوبية، وتبنَّوا منهجًا لنقد المجتمع وتغييره وتحدُّوا السلطة حتى الموت.
قبلها كانت بدايات السينما التركية المبكرة في مطلع القرن العشرين، مثل كل بدايات السينما في العالم، تحمل رسالة واضحة وبعدًا اجتماعيًّا عميقًا ومؤثرًا، تبنتها بعض الجمعيات الخيرية وتبناها الجيش بعدها للتأثير في المجتمع، ومع سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924، أخذت السينما هناك نفس المنحنى لكن ببطء، حيث ظل الإنتاج الجاد المحافظ موازيًا لموجة جديدة من الإنتاج المتبني لقيم الدولة العلمانية، إلا إنه في الأربعينيات والخمسينيات، ونتيجة التغيرات الاجتماعية والسياسية في تركيا، غلب على الإنتاج السينمائي نوع من إلغاء الهوية وتغيير سلوك المجتمع ودفعه لتبني سلوك أوروبي، بعيدًا عن التزامه الإسلامي المعروف.
وتركيا لأنها رأس حربة لمجتمع مسلم في قلب أوروبا، تعتبر السينما مرآة للتغيرات الاجتماعية والثقافية في المجتمع، وكلما ظهرت موجة جديدة من الفلسفات أو السلوك انعكست على السينما التركية التي تشهد ارتفاعًا وهبوطًا متواترين، لكنهما في كل حال يعكسان توتر المجتمع الذي ما زال يحاول الحفاظ على هويته الإسلامية رغم كل محاولات تغييرها، مما يجعل رصد تجارب السينما التركية وتاريخها مسألة في غاية الأهمية للحفاظ على ذاكرة المجتمع وهويته.
|