|
"إنني أعرف كل من أطلق رصاصة.. أعرف قصص الاغتيالات والصفقات.. الأدوار المحلية والأدوار الخارجية.. تدفق السلاح وتمويل الحرب. أنا أتحمل قول كل شيء، بينما أنت لا تستطيع نشر كل ما أقول".
هكذا قال "إيلي حبيقة" لـ"غسان شرنك" الكاتب اللبناني الذي أجرى معه حوارًا أعادت نشره جريدة "الحياة" اللندنية في عددها المنشور 26-1-2002. لقد أجرى "حبيقة" هذا الحوار في مطلع التسعينيات، ولم يكن يعرف أنه بعد ما يقرب من عشر سنوات سيكون ضحية قصة أخرى من قصص الاغتيالات التي تحدث عنها.
ففي يوم الخميس 24-1-2002 قُتل "إيلي حبيقة" في حادث انفجار سيارة مفخخة بالقرب من مقر إقامته، في إحدى ضواحي العاصمة اللبنانية بيروت.
صبرا وشاتيلا قتلت "حبيقة"
ارتفعت الأصوات تتهم إسرائيل بالمسئولية عن اغتياله؛ فهي الوحيدة المستفيدة من قتله، الذي يمثل ضربة قوية للدعوى المرفوعة ضد "إريل شارون" رئيس الوزراء الإسرائيلي، بعد أن دُفنت مع "حبيقة" الأسرار التي كان يلوح بكشفها.
وكان إيلي قد تطوع بالمثول أمام المحكمة قائلاً: "أنا بريء من هذه المجزرة، وأستطيع أن أثبت ذلك". وأضاف أن لديه من الأدلة ما يدين "شارون" أكثر مما هو معروف.
وقد ارتبط اسم كل من "حبيقة" و"إريل شارون" بما حدث في "صابرا وشاتيلا" يومي 16،17 سبتمبر 1982، عندما قتل ما يقرب من 500 فلسطيني أعزل، واستُخدمت البُلَط والسكاكين إلى جانب الرصاص لقتلهم والتمثيل بجثثهم.
اتُّهم "إيلي حبيقة" بأنه المسئول الرئيس عن المذبحة؛ حيث أدانته لجنة تقصي الحقائق الإسرائيلية "لجنة كاهان"، التي كانت مسئولة عن التحقيق في المذبحة، وقالت اللجنة: "إن حبيقة –رئيس الميليشيات اللبنانية في ذلك الوقت- قد أعطى أوامره للقوات التابعة له بدخول مخيم صابرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين بجنوب لبنان، والقضاء على كل الموجودين في المخيم".
أما إريل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، فقد اعتبرته اللجنة مسئولا مسئولية "غير مباشرة" عن المذبحة، وعزلته من منصبه كوزير للدفاع في ذلك الوقت.
ومنذ بضعة شهور عادت "صابرا وشاتيلا" مرة أخرى إلى الذاكرة، عندما قام 23 فلسطينيًا من الناجين من المذبحة برفع دعوى قضائية ضد شارون في القضاء البلجيكي، في يونيو 2001.
تستند الدعوى إلى قانون بلجيكي صادر عام 1993 بمنح صلاحية عالمية للمحاكم البلجيكية للنظر في جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية، مهما كان المكان الذي ارتُكبت فيه وجنسيات الضحايا والمتهمين ومقار إقامتهم.
ولم يشكك أحد تقريبا في تورط "حبيقة" في مذابح صابرا وشاتيلا، ولم يصدق كثيرون زعمه أنه بريء، خاصة أن شهود العيان على المذبحة أكدوا أن منفذيها كانوا من عناصر الميليشيات المسيحية اليمينية اللبنانية، التي كانت تقيم علاقات وثيقة مع إسرائيل في تلك الفترة.
"بذور الكراهية"
ولد "إيلي" في القلعيات بالكسروان بلبنان في 21-9-1956، ودرس الابتدائية في إحدى المدارس الكاثوليكية.. وفي عام 1970 -كان في الرابعة عشرة من عمره- التقطه حزب الكتائب، وهو لم يزل أصغر من أن يصنع قراراته بنفسه، كما كان يفعل مع غيره من الصغار؛ فقد دربهم على استخدام السلاح، وبث فيهم الأفكار الطائفية المتطرفة وكراهية الآخر.
بعد ثلاث سنوات من التحاقه بالحزب أصبح حبيقة ذو الـ 17 عاما يُعرف بـ “H.K”، نسبة إلى سلاح رشاش ألماني اسمه "هولكر آند كوت" كان يحمله معه دائمًا.
وقد نشأ حزب الكتائب اللبناني اليميني المسيحي نتيجة الخوف على مصير لبنان وخاصة من جانب المسيحيين؛ بسبب تمدد المنظمات الفلسطينية والمقاومة المسلحة في لبنان، وخاصة أن لبنان بدأ يدفع ثمن العمليات المنطلقة من أراضيه.
وعلى الجانب الآخر كان لبنان من داخله يعاني من إحساس طائفي عالٍ؛ فهذا البلد الصغير جدا الذي يبلغ طوله 250 كم ويتراوح عرضه بين 90 كم و20 كم يضم في داخله طوائف كثيرة منها: المسيحيون الموارنة والأرثوذكس والأرمن والدروز والمسلمون السُّنة والشيعة.
ورغم أن "الميثاق الوطني" -أو الدستور اللبناني الصادر بعد حصول لبنان على استقلاله عام 1943- قد حاول احتواء الطوائف اللبنانية المختلفة، فإنه كرّس لهذه الطائفية، فلم تكن هناك مساعٍ لتحقيق مواطن قادر على تجاوز البُعد الطائفي، بل كان العكس؛ فلم يكن باستطاعة المواطن اللبناني الدخول إلى جنة الوطن إلا من خلال طائفة ينتمي إليها.
هذا بالضبط ما فعله “H.K”؛ فمن خلال الكتائب المسيحية اليمينية دخل حبيقة إلى جنة الوطن.. وأي جنة!!
حرب لبنان.. الوحش يبرز أنيابه!!
حين اندلعت حرب لبنان عام 1975 كان "إيلي" في ذلك الوقت في التاسعة عشرة من عمره، خرج وسط مئات الشباب اللبنانيين يحملون السلاح ويقتلون بلا هوادة.
القصة بدأت عندما قُتل أربعة من إحدى الطوائف، فقررت طائفتهم الانتقام، وقتلت 200 من الطائفة الأخرى، ودارت طاحونة الدم، واشتعلت حرب لبنان التي استمرت قرابة العشرين عامًا، ولم تكن مجازر صابرا وشاتيلا سوى حلقة واحدة من مسلسل طويل ومؤلم.
ورغم أنه ظاهريا يبدو أن الأطراف في لبنان قد انقسمت إلى مسلمين ومسيحيين، لكن الواقع أن الحرب لم تكن حربا دينية؛ فالدين كان مجرد غطاء لتنميط الجماعات المتناحرة، ولكنه كان غطاء غير حقيقي؛ فالحرب الحقيقية لم تكن بسبب الدين، وإنما كانت بسبب خلافات حول من يحكم ولصالح أي من القوى الداخلية والخارجية.
وعلى مدى حرب لبنان، كانت لـ"إيلي حبيقة" بصمات واضحة في أغلبيتها، وتميز بنجاحه في العمل المخابراتي بعد مشاركته في دورات كثيرة متخصصة داخل لبنان وخارجه؛ وهو ما مكنه من الإمساك شيئا فشيئا بكل مفاصل ميليشيا "القوات اللبنانية" وهي الجناح العسكري لحزب "الكتائب اللبناني".
التغير المفاجئ.. الرقص على كل الحبال
في 14 سبتمبر 1982 اغتيل "بشير الجميل" مؤسس حزب "الكتائب اللبنانية"، عندما فجر مقر الحزب في منطقة (محلة الأشرفية) بلبنان، وكان اغتياله نقطة تحول في الخيارات السياسية لإيلي حبيقة.
قرر "حبيقة" الاستغناء عن الـ (HK) والجلوس على مائدة التفاوض مع الطرف الآخر، المتمثل في الأحزاب اليسارية اللبنانية وسوريا التي كانت تدعمها، كما قرر أيضا الاستغناء عن حليفه الودود (إسرائيل).
في البداية أبقى "حبيقة" على نواياه سرا، وأخفى اتصالاته مع دمشق عن زملائه في الحزب، إلا أنه في 9 مايو عام 1985 تمكن من تحويل القيادة الجماعية لميليشيا القوات اللبنانية إلى هيئة تنفيذية تولى هو رئاستها، وفي ضوء ذلك أعلن عن خياراته الجديدة، وفتح قنوات الاتصال مع سوريا والأحزاب اليسارية اللبنانية.
تحقق الحوار ببعض ممثلين من الطوائف اللبنانية المتناحرة، وبدأ الحوار الذي رعته دمشق على اتفاق بإنهاء الحرب، وُقِّع في 28 ديسمبر 1985، وسُمي "الاتفاق الثلاثي".
كان الاتفاق الثلاثي يجمع بين ثلاثة أطراف حزبية هي: القوات اللبنانية يمثلها حبيقة، وحركة "أمل" التي كان يرأسها -ولا يزال- رئيس مجلس النواب الحالي "نبيه بري"، والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه النائب "وليد جنبلاط".
كان تحوّل حبيقة مفاجئا وخاصة لزملائه في الحزب، ويتضح ذلك من تعليق "سلمان سميحة" رئيس جناح الطلبة بالقوات اللبنانية المحظورة حاليا، الذي يقول: "كنت أعرفه كمحارب لا يخاف شيئا وكواحد منا، وأعرفه أيضا كشخص تخلى عنا وصار مع السوريين وخذلنا جميعًا".
غيّر حبيقة من توجهاته السياسية، وبرر ذلك بأن الطلبات التي تقدم بها رئيس وزراء إسرائيل آنذاك "مناحم بيجن" غير مقبولة، ولا تريد الاستقرار للبنان، وقد تمثلت طلبات "بيجن" في توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، والاعتراف المتبادل.
كما أصبح "حبيقة" مقتنعا بأن إسرائيل لن توفر له الحماية، وأنها تقوم بتنفيذ مخطط يهدف إلى ضرب الطوائف اللبنانية بعضها ببعض، وإثارة كل فريق ضد الآخر.
على أي حال كانت هذه هي الأسباب المعلنة لتغيير "حبيقة" لسياساته، وربما كانت لديه أسباب خفية لا نعرف عنها شيئا، لكن أيا كانت الأسباب فلا بد أنها كانت مقنعة جدا بالنسبة له أو مفيدة؛ لأنه لم يبدل من خياره هذا مرة أخرى أبدًا.
القتال على الجانب الآخر
لم ينجح "الاتفاق الثلاثي" في إنهاء الحرب؛ لأنه لم يكن يعبر عن الجميع، كما استبعد بعض القيادات الهامة مثل: أمين الجميل رئيس الجمهورية، وبيار الجميل رئيس حزب الكتائب، وسمير جعجع رئيس الأركان في القوات اللبنانية.
وفي 15 يناير 1986 قام "أمين الجميل" و"سمير جعجع" بانقلاب دموي على حبيقة، سقط فيه 430 قتيلا و600 جريح في المنطقة الشرقية من بيروت التي كان يسيطر عليها اليمين المسيحي.
تمكنت قوات "جعجع" من محاصرة "إيلي حبيقة" في مقر قيادته، الذي كان يسمى "المجلس الحربي الكتائبي" في منطقة "الكرنتينا" في بيروت الشرقية.
واستطاع "حبيقة" الخروج من المنطقة نهائيا بمبادرة من قائد الجيش اللبناني السابق العماد "ميشال عون"، الذي أرسل طوافة عسكرية نقلت حبيقة ومن معه إلى وزارة الدفاع اللبنانية ثم إلى باريس.
عاد حبيقة بعد أشهر قليلة مرة أخرى إلى لبنان، لكنه ظل خارج بيروت الشرقية، واستمر في قيادة شريحة من الميليشيا، وكان يتبادل المناوشات مع قوات "جعجع" الذي دبر له محاولة اغتيال لكنه نجى منها.
أدرك حبيقة أن العودة العسكرية إلى بيروت الشرقية عصية عليه، ولذلك راح ينمي قدرات حزبه الذي سماه لاحقا "حزب الوعد"، الذي أنشأ له مكتبًا في عاصمة البقاع اللبنانية الواقعة بشكل مباشر في منطقة نفوذ سوري.
الوزارة والبرلمان.. موسم توزيع المناصب
بعد انتهاء سيطرة الميليشيات على بيروت الشرقية عاد حبيقة إليها مرة أخرى، وكان قد قرر ترك حياة المخابرات والدخول إلى عالم السياسة، وقد استطاع على مدى عشر سنوات التنقل في كثير من المناصب الحكومية.
عُين "إيلي حبيقة" عام 1990 وزيرا للدولة في حكومة الرئيس "عمر كرامي"، وفي 25 مايو عام 1991 عُين نائبا عن دائرة بيروت الأولى، وفي 12 أكتوبر من العام نفسه أُسندت له وزارة شئون المهجرين، ثم عُين وزيرا للموارد المائية والكهربائية، وعين في حكومة الرئيس "رفيق الحريري" الأولى التي شُكلت في 1992، وأعيد تعيينه وزيرا للشئون الاجتماعية والمعاقين في حكومة الحريري الثانية عام 1993، كما أعيد انتخابه نائبا في البرلمان في انتخابات عام 1996، وترشح مرة أخرى في انتخابات عام 2000 إلا أنه لم يوفق.
ولا بد أن "إيلي حبيقة" الوزير ونائب البرلمان الأسبق عندما كان جالسا في سيارته الفاخرة في الساعة التاسعة والنصف من صباح الخميس 24-1-2002 لا بد أنه في تلك الأثناء كان يفكر في أن اختياراته التي أوصلته لمقعد الوزارة والبرلمان كانت صحيحة، وخاصة أن "سمير جعجع" صديقه القديم كان يقضي عقوبة السجن المؤبد في السجون اللبنانية من عام 1990.
وربما كان حبيقة يفكر أيضا في: كيف سيخرج من مأزق الدعوى الفلسطينية المرفوعة في القضاء البلجيكي؟ ويتعجب كيف عاد شبح صابرا وشاتيلا بعد كل هذه السنوات!
وربما أيضا كان الوزير السابق يفكر في خططه المستقبلية التي ترددت في الآونة الأخيرة بشأن رئاسته لحزب "القوات اللبنانية" في حالة حصول الحزب على ترخيص.
أيًّا ما كان يدور في ذهن حبيقة في تلك الأثناء، فإنه لم يستطع استكماله بعد ما مرت سيارته إلى جوار سيارة أخرى من نوع "مرسيدس" كانت واقفة أمام أحد المباني في شارع "كامل الأسعد" القريب من منزله في إحدى ضواحي بيروت، فدوَّى انفجار في السيارة المرسيدس أدى إلى قذف سيارة حبيقة نحو عشرة أمتار إلى يمين الطريق.
أدى الانفجار إلى مقتل حبيقة ومرافقيه على الفور؛ حيث تبين أنه أصيب إصابات مميتة في الرأس، وكان لا يزال بيت المسدس الذي يحمله مربوطا في خصره.
مقتل حبيقة.. نفرح له أم نحزن؟
وهكذا مات حبيقة، ودُفنت معه أسراره، ولم يذرف أحد الدمع عليه، ربما باستثناء زوجته وابنه. أما البعض فربما أرادوا نسيانه ونسيان بقية ما حدث في لبنان، بل وفرح البعض الآخر كما ذكر "جمال خليل" ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات بجنوب لبنان أنه تم منع عدد من الأطفال اندفعوا إلى الشوارع لتوزيع الحلوى ابتهاجا باغتيال حبيقة؛ نظراً لوضوح الدور الإسرائيلي وراء حادث الاغتيال.
وكما قال أحد المعلقين: "إن موت إيلي حبيقة هو من وجهة نظر الفلسطينيين والعرب عموما سبب للفرح والأسف في آن معا: الفرح لأن سفاحا لقي ما يستحق.. والأسف لأن غياب هذا السفاح يساعد الوضع القانوني لسفاح آخر أشد شرا".
|