English

 

السبت. مايو. 4, 2002

ثقافة وفن » مجاهيل ومشاهير » سياسية وعسكرية

 

شافيز.. مشاغب يلعب مع الأسد

حمزة زوبع

شافيز
  اعتاد "هوجو شافيز" ارتداء الزي العسكري أو الكاكي، ووضع الكاب الأحمر اللون فوق رأسه كما كان يفعل "تشي جيفارا" الثائر الأرجنتيني، وكما يفعل الآن "فيدل كاسترو".. واعتاد أن يستخدم نفس اللغة الثورية التي كان يستخدمها المحرر الأمريكي اللاتيني "سيمون بوليفار" قائد الاستقلال الأمريكي.

ورغم أن البعض يراهن أن العصر قد تغير، وأن اللغة الثورية أصبحت جزءاً من التاريخ، فإن شافيز الذي يحكم فنزويلا - رابع أكبر منتج للنفط في العالم وثالث أكبر مصدّر للنفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية - ما زال يُصِرُّ على أن النفط والثروة لا يمكن أن يحلا مكان الثورة التي جاءت من أجل الفقراء.

شافيز ثوريٌّ جاء إلى الحكم على غير ما جاء الثوار السابقون، فقد جاء على ظهر صناديق الاقتراع التي منحته نصرًا كاسحًا رغم أنه سجن واعتقل، وحاول مرات أن يصل للحكم عبر الانقلاب، لكنه فشل ووصل إلى الحكم عبر الانتخابات، ووضع خصومه في الخارج - وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية - أمام معضلة سياسية.

شافيز وأمريكا.. توم وجيري!!

من ناحية التقاليد السياسية الأمريكية يعد شافيز منتخبا من قبل شعبه، ويجب عدم إزاحته إلا عبر وسيلة ديمقراطية، وإلا فستعرّض أمريكا سمعتها وقيمها للخطر. ومن ناحية أخرى فشافيز يجلس على برميل نفط قريب من أمريكا، لكنه ليس في متناول يدها، تسعى إلى استغلاله وليس مجرد استثماره، وتريد أن يتحول إلى أداة مساعدة فإذا به يتحول إلى نمر شرس يقف عائقًا أمام خطط واشنطن لخفض أسعار النفط، فكلما حاولت احتواء بعض رجال الأعمال أو الإعلام وقف لهم شافيز والشعب بالمرصاد، وكلما تحدته أمريكا زاد في عناده.

ببساطة إنه مشاغب.. يزور العراق، ويصادق كوبا، ويتودد إلى القذافي، ويدعم الثورة في كولومبيا وفي الصحراء المغربية، ويعلن بقوة كلمته الأثيرة: "نحن الدول الصغيرة الفقيرة والمتخلفة.. لا نملك من الخيارات سوى خيار الاتحاد".

ثم لا يكتفي بالكلام وإنما يحاول جاهدًا مناهضة الهيمنة الأمريكية، فاستطاع شافيز أن يدشن علاقات قوية مع من تعتبرهم الولايات المتحدة أعداء لها، فقد وقَّع مع الصين اتفاق تعزيز علاقات في عام 2001م أثناء زيارة الرئيس "جيانج زيمين" لفنزويلا، كما وقَّع اتفاقًا آخر مع إيران يقضي بتعزيز التعاون في المجالات الصناعية والزراعية.

وقد اجتمع شافيز أثناء زيارته لطهران عام 2001م مع مرشد الثورة الإيرانية "خامنئي"، ولم يخف أن ينعت الولايات المتحدة بأنها الشيطان الأكبر على عادة السياسة الإيرانية.. كما أثنى على كفاح البلدين ضد هيمنتها.

فضلاً عن أن الإعلام الفنزويلي قد ألمح بعد زيارة شافيز لروسيا بأن هناك تحالفًا في مجال الأسلحة بين البلدين، وفي نفس الإطار وسَّع شافيز علاقة بلاده بكل من ماليزيا والهند وإندونيسيا.

ولم يكتف بذلك، بل أنكر على أمريكا إرهابها في مواجهة الإرهاب، لم يدارِ ولم يوارِ.. كلماته طلقات مدافع ثقيلة لم تتعود الإدارة الأمريكية أن تسمعها ولو عن بُعْد؛ ولذا فأمريكا لا ترعوي أن تعلن مناصبته العداء، على لسان "كولن باول" وزير الخارجية و"جورج تينت" مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي.آي.إيه)، خاصة بعد أن أقدم رئيس فنزويلا السابق على إدانة الحملة الأمريكية في أفغانستان ووصفها بالمجزرة. وقد ظهر شافيز وقتها في التلفزيون وهو يحمل صورًا لضحايا مدنيين أفغان، الأمر الذي دعا واشنطن إلى سحب سفيرتها من "كاراكاس" للتشاور حول تلك التصريحات.

بدايات ثورية ونهايات سياسية

مظليٌّ سابقا، وثوري سابقا ولاحقا.. يحكم شعبًا منقسما بين فقراء لا يجدون ما يقيمون به أودهم، وأغنياء تكتظ بنوك واشنطن ونيويورك بأرصدتهم.

ففي عام 1982م وهو في سن الثامنة والعشرين شكَّل تنظيمًا ثوريًّا أطلق عليه اسم الثائر والمحرر الأمريكي "سيمون بوليفار"، وعرف طريقه إلى الشهرة في عام 1992م حين حاول وفشل في الإطاحة بحكومة الرئيس السابق "كارلوس أندرياس بيرس".

قضى عامين في السجن، ثم عُفي عنه ليخرج ويشكِّل حزبه السياسي "حركة الجمهورية الخامسة"، ويبدأ مرحلة التحول من العسكرة إلى السياسة.

ارتفع نجم بلاده وزادت أسهمها في عالم ما يعرف بـ "ضد العولمة"، فهو ينسق الجهود مع "أوبك" ويرفض زيادة ضخ النفط وتجاوز حصة بلاده المقررة، رغم أن من سبقه كان يغرق السوق بنسبة تصل إلى 44% عن الحصة المقررة لبلاده، وهو ما أدى إلى انخفاض سعر النفط.

دفعت أمريكا بالكنيسة لكي تقف عائقًا ضد ثوريته، فوقف لها بالمرصاد معلنًا "أنا أكثر مسيحية من هؤلاء"، فالاهتمام بالفقراء هو من لب تعاليم المسيحية.. وقال عن قادة الكنيسة: "لقد ابتعدوا عن طريق الرب".

ثورية الإصلاح الاقتصادي

ما زال شعبه يعاني اقتصاديًّا، لكنه يرى أنه يواجه بحملة تمرد من رجال الأعمال والتيار الليبرالي الاقتصادي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية.. قرَّر التخلص من رموز الاقتصاد الحر ودعاة الليبرالية الاقتصادية بأرصدتهم في مؤسسة النفط الوطنية التي تشكِّل عائداتها نصف الدخل القومي الفنزويلي، وبالفعل نجح شافيز في ذلك إلا أن خصومه اتهموه بالـ (عوءلة)، أي توظيف أقاربه ومعارفه بأرصدتهم المؤسسة الحساسة والغنية.

قدَّم خططًا للإصلاح الاقتصادي، لكن يبدو أن حجم الإنجاز أقل من حجم التوقعات، وهذا ما يأخذه عليه خصومه والإعلام الغربي الذي لا يراه سوى ثوري لا يحمل برنامجًا إصلاحيًّا.

يتعامل بحذر وقلق مع وسائل الإعلام الخاصة - أو ما تعرف بالمستقلة - رغم انتشارها في بلاده، وقد وقف منها موقفًا حازمًا، وتجاوز حدود العرف السياسي - حين قامت هذه الوسائل بعرض صور للقتلى والجرحى في أحداث الخميس 11-4-2002م - فصادر بعضًا منها وعامل البوليس بعضها بوحشية.

تحالف مع الجيش فهو ابن المؤسسة العسكرية، وشكَّل تحالفًا قويًّا مع قادة المؤسسة العسكرية الذين يحترمون وطنيته، وكما صرح أحدهم بأنه "احترم الشعب أكثر". إلا أن ثقة بعض الجنرالات به قد اهتزت بعد أن ترك الشرطة تقتل المتظاهرين على غير اتفاق بينهم.. واستقال قائد الجيش وبعض الوزراء اعتراضًا على الإجراءات القمعية.

انقلابات هوليوودية وإرادة فنزويلية!!

اعتُقل في 12-4-2002م في أعقاب محاولة سلمية لإزاحته تورطت فيها المخابرات الأمريكية، وفي اليوم التالي خرجت وسائل الإعلام الخاصة تقول: "انتهى عصر شافيز". لكنه لم يلبث أن عاد بعد 48 ساعة فقط بفعل ضغط الشعب وإخلاص المؤسسة العسكرية التي لم تشأ أن تكون جسرًا لأنصار الولايات المتحدة للوصول إلى السلطة، في أسلوب دراماتيكي لم يتوقعه أحد ولا حتى شافيز نفسه، فقد تصور أن نجمه السياسي قد أفل إلى الأبد، وصرَّح بعد عودته "أنه لم يكن يتوقع أن يعود بمثل هذه السرعة، مضيفًا أنه بدأ يكتب قصائد شعر، لكن الفرصة لم تتح له حتى لإكمال القصيدة الأولى" في إشارة إلى بحثه عن وظائف أخرى تمهيدًا لتقاعده.

أحرج الولايات المتحدة حتى في أسوأ لحظات تاريخه السياسي؛ فقد أخطأت الولايات المتحدة خطأ فادحًا ينضم لسلسلة سياساتها المرتعشة في الآونة الأخيرة حين أيَّدت في وقت سابق الإطاحة بشافيز وإعلانها أن إقالته ليست انقلابًا عسكريًّا، وفي محاولة لتجميل وجهها سارعت  مستشارة الأمن القومي في الولايات المتحدة "كوندوليزا رايس" إلى الدعوة لمصالحة وطنية في فنزويلا. وقالت رايس: إن واشنطن تأمل بأن "يستثمر شافيز الفرصة لتعديل سير سفينته التي سارت - بصراحة كاملة - باتجاه خاطئ لبعض الوقت".

عاد إلى سدة الحكم ووقف في شرفة قصره يعلن بداية مرحلة جديدة من التفاهم والمصالحة، ووعد بألا يسمح بأية ملاحقات سياسية أو تجاوزات على حرية الرأي والتعبير.

وقد بادر شافيز بسحب وزير نفطه من موقعه - كأمين عام للأوبك - ليتولى إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، في محاولة لإرضاء الرأي العام، ولإحكام السيطرة، ولإصلاح المؤسسة بما يعود بالنفع على الشعب.

شافيز الثوري الذي لم يبلغ الخمسين من عمره يشكِّل صداعًا للولايات المتحدة الأمريكية التي لا تستطيع تجاهه حيلة ولا سبيلاً.. سوى الانتظار والتدبير.. والمحاولة تلو الأخرى.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم