|
مع اقتراب موسم الحج تبدأ محطات الإذاعة والتليفزيون في بث الأغاني والأناشيد الخاصة بالحج، يظهر هذا بقليل اهتمام وعلى استحياء في أحيان أخرى.
وفي المقابل نجد اهتماما كبيرا من التراث الشعبي بالحج عبرت عنه شفاه الجماهير وأصواتهم؛ فهو مليء بالأناشيد التي كانت -وما زالت- تُغنى في بيت الحاج في أثناء الإعداد لانطلاقه صوب الحجاز وفي أثناء عودتهم سالمين مغفوري الذنوب.
ورغم تراجع دور هذا التراث بتطور وسائل النقل السريعة وتغير العلاقات الاجتماعية وتحولها فإن هذا التراث الفنيk يبقى حاملا لخصوصية تلك الرحلة بحضور كبير وسط قطاع شعبي عربي عريض.
فصعيد مصر مثال حي على ذلك، فهو بيئة غنية وثرية نشأ فيها محفوظ أدبي وإنشادي كبير وضخم وما يزال موجودا حتى هذه اللحظة ويتزايد علي يد أبنائه من رجال ونساء كمكون شعبي لتقاليدهم وتراثهم يعكس فرحهم وشوقهم لرحلة الحج.
فعمق الفرحة التي تغمر قلوب من كتب الله لهم الحج وأهاليهم تنعكس على أناشيدهم التي تعكس حنينا وفرحا وشوقا يصعب وصفه من جهة، وحزنا وأملا من جهة أخرى ممن لم يتمكنوا من أداء الفريضة.
تحنين الوداع
فالأناشيد الخاصة بوداع الحجاج كما يلحظها المتابع تتميز بالحزن والتشوق والأسى، وهذا ظهر في تناول الكثير من المحترفين من أهل الصوفية الذين أنشدوا للحج أمثال "عبد الرحيم البرعي" معبرا عن شوقه وحنينه وعدم قدرته على الذهاب للحج، فيقول:
يا راحلين إلى منى بقيادي *** شوقتمو يوم فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي *** والشوق أقلقني وصوت الحادي
ويكمل قصيدته موصيا حجاج القافلة بتوصيل سلامه للرسول عليه الصلاة والسلام:
مني السلام مع التحية بلغو *** شوقي الشديد للنبي الهادي
ثم الصلاة مع السلام مضاعفا *** وكذا التحية للنبي الهادي
كما لم يقتصر دور التراث الشعبي على مثل هذه القصائد التي أنشدها المتصوفون، فقد اشتهرت النساء بكثير من الأناشيد وتحديدا في بيوت الحجاج، وتحديدا في مناطق الصعيد المصري، حيث يأخذن بالنشيد والغناء في أثناء إعداد المئونة من خبز وطعام يكفي القافلة في أثناء رحلتها طريق البر أو البحر، وهو نشيد يغلب عليه وصف الحجاج وزيهم أكثر من الحزن والأسى والشوق:
طرف شال الحجيج *** أبيض من العلامة
وأبيض من لبن الحليب *** يا حاج يوم السلامة
طرف شال الحجيج *** أبيض من القلوع
وأبيض من لبن الحليب *** يا حاج يوم الرجوع
ومع تطور الحال وظهور الراديو والتليفزيون اتجه بعض المنشدين والمنشدات إلى تسجيل شرائط كاسيت تجمع هذه الأغاني بعد تلحينها مثل "أم عبود" في الستينيات، و"الحاجة نورا صبحي" و"الحاجة نعمة" في التسعينيات أيضا.
وتعدى الأمر ذلك إلى نقل هذا التراث الغنائي على يد بعض الشباب مثل "جابر العزب"، و"ربيع البركة" ومعظمهم من أهل الصعيد عبر تسجيلها بكاسيتات تحمل معظمها أسماء مثل "زفة الحجاج"، و"حج مبرور"، "وسالمة يا سلامة" تعبيرا عن الفرحة التي يعيشها أهل الحاج قبل سفره:
رايحة فين يا حاجة وشاقة البحوري
رايحة أزور النبي محمد وأزمزم شعوري
رايحة فين يا حاجة يا مو شال قطيفة
رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة
رايحة فين يا حاجة يا مو شال سماوي
رايحة أزور النبي محمد وأرجع ع القناوي
وبعد وصف الحاج من قبل مجموعة الإنشاد تقوم المجموعة بالتعبير عن شوقها، وهذا حال جميع الحضور لزيارة الكعبة:
يا مكة يا بلد النبي *** وحشانا الصلاة فيكي
يا كعبة وحشانا الراحة ليكي
والبعض يقوم بإرسال السلام والفاتحة للنبي وكذلك الدعاء للحاج بالعودة سالما:
سلام يا حاجج سلام يا حاجج
أمانة تاخد الفاتحة عند النبي يا حاجج
سلامة سلامة سلامة سلامة
تروح وتيجي بسلامة
سلامة سلامة سلامة سلامة
توصل بسلامة يا غالي عند النبي التهامي
حضور الرسول
يحظى الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته بمكانة خاصة في قلوب المصريين، ويظهر ذلك في إنشادهم الذي يعبر عن شدة شوقهم لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، كما يطلقون على الحاج "حج الرسول" أو "حج التهامي".
ويكثر ذكر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بدلا من الكعبة في النشيد، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر سمة أساسية في الأناشيد الشعبية، كما أن البعض يعتقد، في فهم خاطئ، أن زيارة الروضة والمقام ركن أساسي في الحج:
خدوني والله معاكم يا زوار النبي
أنا نفسي أزور وياكم بالصلاة على النبي
روحين على قوم يا أحبابه نستوقف على بابه
وبايدي أمسك شباكه ده غرامه مقصدي
خدوني وياكم صحبة أزور وياكم الكعبة
وناخد في الروضة دوسة ده حياتي ومعبدي
أنا حبي فاض وزمزم للنبي الهادي الأعظم
نفسي اشرب من زمزم ده غرامي ومقصدي
ولم يكتف المنشدون بذكر الرسول قبل الكعبة ولكن ذهب البعض إلى التودد لأهل البيت:
فاطمة يا فاطمة يا بنت التهامي *** افتحي البوابة يا فاطمة أبوكي دعاني
فاطمة يا فاطمة يا بنت الرسولي *** افتحي البوابة يا فاطمة حبايبك دعولي
يا نبي يا نبي يا مالك حبايب *** حملو عيالهم يا نبي وجولك غرايب
يا نبي يا نبي يا مالك أحبة *** حملو عيالهم يا نبي وجولك محبة
وهناك فرق إسلامية مثل "فرقة الفيروز" تعتبر أكثر وعيا من الشعبيين في ذكر مكة والحرم في نشيدها، فهي بداية تمجدهما ثم تمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، مؤكدة على أن الحج تلبية لنداء الله:
على جبل عرفات يرددوا الدعوات *** ويطلبو الرحمات من فاطر السماوات
جايين ألوف وألوف وصفوف وراها صفوف *** رافعين إيدين وكفوف ممزوجة بالعضلات
على جبل عرفات يرددو الدعوات *** ويطلبو الرحمات من فاطر السماوات
عدو بحور وجبال فاتو الولد والمال *** ولا اشيء عالبال إلا موسم الخيرات
بملابس الاحرام ببراءة الاسلام *** وبكل شوء وهيام بيأدمو الطاعات
لبيك لبيك لبيك لبيك يا ألله
دعوة للحج
ونظرا لمكانة الحج في الاسلام وارتباطه بمحو كل الذنوب فإن الإنشاد عمل على تقديم دعوة للناس وحثهم على أداء تلك الفريضة لنيل رضا الله ومحو سيئاتهم مخاطبين القادرين على السفر ولكن يبخلون على أنفسهم:
دق طبل النبي بودني سمعته
أنا هان عليا بيتي ومالي نفضته
وعاشق المصطفى ماحدش يلومه
أنا لو عطاني ربي لروح ع الجريدة
أنا والبخيل يؤللي بلاده بعيدة
أنا لو عطاني ربي لروح ع العصايا
أنا والبخيل يؤللي بلاده حصايا
كما يخاطب النشيد العصاة موضحين قيمة الحج في غفران الذنوب:
ما تقوم يا عاصي وبلاش معاصي
ده الكبر ضيق والحساب قاسي
فوق جبل عرفات ونادي المنادى
روحوا يا حجاج وبلغو المرادي
أناشيد ومناسك
كما تناولت الكثير من الأناشيد مناسك الحج بشكل عام، والقليل منها قام بوصف رحلة الحج كاملة، فأغلبية الأناشيد تذكرها بشكل مجمل أكثر منه مفصلا، كذكر الحرم والكعبة والصفا والمروة وجبل عرفات دون تفصيل لهذه المناسك:
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك *** إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
وديلي سلامي يا رايح للحرم *** وادعيلي وسلملي على دي الأمم
انظر للكعبة يا محلاها نور وجلال *** يغشاها يحرسها ربي ويرعاها
واذكرني أمامها وادعيلي
يا ساعي ما بين الصفا والمروة *** يا شارب من زمزم اتذكرني بدعوة
يا طالع على جبل الرحمة يا ماشي في *** وسط الزحمة اطلب من مولاك الرحمة
واذكرني أمامها وادعيلي
ومن أشهر الذين تناولوا رحلة الحج بشرح واف ومفصل لها: "أمين الدشناوي"، والعربي "فرحان البلبيسي"، ومما جاء في أناشيد "البلبيسي":
عقدنا العزم والنية *** على حجة حلوة هنية
نمسح ذنوبنا اللي فاتت *** ونزور نزل الأنبيا
وصلنا لجدة وهللت *** هلت روايح هنية
وحرمنا وركبنا وناو *** ينا للحجة والعمرة
وهناك يطوفو الحبايب *** حول المقام يا حبايب
ومن زمزم راح *** نشرب ميا زلال غية
فيها الشفا للجسد *** فيها الدوا ليا
وفي دخلة البيت *** صلينا ودعينا
ثم يقوم المنشد بالدعاء للجميع بالحج وزيارة قبر النبي، كما يواصل مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصف مقام النبي في المدينة المنورة.
فرحة العودة
وبعد قضاء مناسك الحج يستشعر الحاج بأنه عاد إلى الحياة بلا ذنوب، فهو يبدأها من جديد، فتغلب عليه الفرحة والبهجة بتلبيته نداء الله بزيارة مكة والمدينة وقبر الرسول، فيستقبله أهله بالأناشيد، معبرين عن فرحهم وتهنئتهم له بالحج وبعودته سالما، ومما ينشد:
ألفين مبروك يا حاجينا *** زرت التهامي وجيت لينا
ألفين مبروك يا حاج البيت *** زرت الكعبة وهناك صليت
بين الصفا والمروة سعيت *** وبالسلامة جيت لينا
ألفين مبروك مبروك يا حاجينا
ألفين مبروك حج الرسول *** زرت المراما وجيت مسرور
وأنا قلبي بالنبي مشغول *** عقبال الباقي منينا
ألفين مبروك يا حاجينا *** زرت التهامي وجيت لينا
ألفين مبروك حجة هنية *** حجة ألفين مبروك يا حاجينا
حجة مبرورة ومرضية *** ألفين مبروك يا حاجينا
وشربت من زمزم *** ميا تروي العطاشا منينا
ألفين مبروك مبروك يا حاجينا
وبعد ذلك المقطع يأخذ المنشد قائلا:
سالمة يا سلامة والحاج جاي بالسلامة
سالمة يا فول أخضر والحاج جاي بيتمختر
سالمة يا سلامة والحاج جاي بالسلامة
سالمة يا عود حنة والحاج راح واتهنا
سالمة يا سلامة والحاج جاي بالسلامة
سالمة يا عود بخور والحاج جاي من الرسول
سالمة يا سلامة والحاج جاي بالسلامة
استمع إلى:
|