|
| محمد العطلة بالزي العسكري
|
الجميع يعرف قصة الطفل محمد الدرة الذي شهد العالم مقتله دون رحمة.. إلا أن دوائر النسيان ابتلعت الرجل الذي حاول إنقاذ الدرة وأبيه، وراح ضحية النجدة والشهامة.
إنه "محمد العطلة" الذي اقتحم الشارع بسيارته مستهيناً بكل احتمالات الخطر، في محاولة مستميتة لإنقاذ الدرة وأبيه، إلا أن طلقات الغدر الصهيوني كانت أسبق من محاولته.. هذا الشاب الذي نسيه الجميع هو صديقي محمد العطلة.. اقتحم الشارع وهو لا يحمل أي سلاح وبلا تغطية .. فعلها وهو يعلم أن سحابة من الرصاص تنتظره.. لكنه لم يفكر إلا في شيء واحد .. صرخات محمد الدرة وأبيه.. والعطلة كما عرفته لا يعتني بتنميق، لكني أظنه قال في سريرته: "إنها ميتة واحدة، فلتكن في سبيل الله". لم يكن من أصحاب التصريحات النارية ولا التعبيرات الرنانة، فقد ضحّى بحياته في هدوء بعيدا عن الأضواء وكاميرات التصوير.
من هو؟
هو محمد بديع محمد العطلة، من مواليد الجيزة 1975 حي بولاق الدكرور بجمهورية مصر العربية، من أب فلسطيني وأم مصرية، عاش حياة بسيطة مثل أي طفل في سنه في ذلك الحي الشعبي البسيط، ولكنه كان مميزا بدنيا وممارسًا للرياضة كباقي أفراد العائلة؛ فأخوه "أحمد" بطل غزة في الكنغوفو (الساندا لعبة قتالية)، وحاصل على المركز الثاني في البطولة العربية، وأخوه "أسامة" يمارس لعبة التجديف، وابن عمه "عادل" يمارس لعبة الجودو، أما والده فقد شارك في حرب لبنان ويعمل حاليا ضمن قوات الشرطة بغزة.
تعرفت على محمد العطلة عام 1992 بليبيا أثناء التقدم للكليات العسكرية، وكان قد حصل على الإعدادية، وسافر ليلتحق بالثانوية العسكرية مع ابن عمه عادل، وكان والده يعمل بليبيا رقيبا بالقوات الفلسطينية، وأخوه الأكبر أحمد كان لا يزال بثانوية الدفاع الجوي، وكانت تلك الفترة فترة سيئة على جميع الفلسطينيين بليبيا؛ فقد تغيّرت الأمور بشكل سريع إلى الأسوأ، ولم يتمكن محمد من الالتحاق بالكلية العسكرية، وعاد إلى مصر، وخلال تلك الفترة التي قضيتها معه في بيت الطلبة في انتظار الالتحاق بالكلية كان عاشقا للرياضة؛ فكثيرا ما كنت أراه يقوم بحركات الجمباز هو وابن عمه.
اللقاء الأخير
وكان آخر لقاء لي مع محمد بليبيا عندما رحل عائدا إلى مصر، وأعطيته رسالة إلى أمي، ولم أقابله بعد ذلك إلا عام 1999 بغزة، وعرفت أنه التحق بالشرطة وعمل بالقوات الحدودية، وكان يأتي ليجالسني ونتحدث سويا. وعندما قررت السفر عائدا إلى مصر من جديد بعد انتهاء تصريحي بغزة جاءني وسلمني رسالة بدوره إلى والدته بمصر، وكان آخر ما قال: "سلم لي على الناس هناك" ثم التقيته بعد عدة أشهر بمصر؛ حيث كنت أعالج، ولم أتمكن من لقائه ثانية، ولكنه حدثني تليفونيا ليطمئن عليّ، وفوجئ بمرضي ولم يتمكن من زيارتي؛ لأنه كان مسافرا في ذات اليوم، وكان آخر ما قلته له: "سلم لي على الناس هناك".
انقطعت عني أخباره إلى أن قامت الانتفاضة فاتصلت بأمه لأطمئن عليه؛ فأخبرتني بوفاته في حادث محمد الدرة.. فلم أجد ما أقول سوى: "شهيد إن شاء الله" ثم انخرطنا في البكاء.
صحفي فلسطيني
|