|
| مهند سويدان
|
فلسطين- "بإمكانك يا أمي أن تنجبي آخرين، وعندك الآن ستة أولاد يكفيك منهم ثلاثة، وهبي لله ثلاثة".
باسمًا قالها.. وعيناه تحوطها بالدفء والحنان.. ثم ودَّعها مهنَّد، وطبع قبلة على جبينها ومضى.. فقد كان على موعد مع الله.. وذهب ليلقاه شهيدًا مساء يوم الخميس 21-6 في كمين نصبه له جيش الاحتلال أثناء محاولته تسلَّق جدار مستوطنة كسوفيم جنوب مدينة غزة.
ولد الشهيد سويدان في 22-12-1981م وهو على سنوات عمره الخضراء التي لا تزال لينة أحد أعضاء الوحدة "103" التابعة لكتائب عزِّ الدِّين القسَّام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، كما أنه أحد أعضاء مجلس طلبة الجامعة الإسلامية بغزَّة.
يَحْيى جديد
التقينا بوالدة الشهيد في منزلها البسيط الهادئ الكائن في معسكر النصيرات (القسَّام)، حيث عششت مشاعر متداخلة، ربما الحزن، وربما الفرح، ولكن المؤكد أنها كانت مشاعر بطعم الصبر، بادرتنا بـ "الحمد لله الذي شرَّف ابني مهنَّدًا بشهادة في سبيل الله، وأوصاني ألا أبكي عليه، وإذا رزقني الله بطفل فلتسمِّيه يحيى تخليدًا لذكرى الشهيد يحيى عيَّاش".
أما والده الهادئ دومًا.. فقد تحدث عن ابنه مفاخرًا أو ممجدًا وشاكرًا لله على قضائه، بدأ والده الحديث قائلاً: "كان مهنَّد يحب الشهادة ومكانة الشهداء"، ثم تنَّهد وبدت لنا عيناه كأنها تنظر إلينا لكنها تبصر مهنَّدًا، وقال: "كنت أجلس معه في أحد الأيام القريبة، وأخذ يمازحني أنا ووالدته، قائلاً: لماذا لا تفكِّر أن تستشهد أو أن تنفِّذ عملية استشهادية؟! يقول والده: ضحكت وأخبرته أنني رجل كبير، وقد راحت علينا، وحتى أني لو عملت عملية وفكَّرت بالهرب فلن أستطيع الجري، فرد مهنَّد: "لا تخف أنت إنوي وبس، وأنا سأقوم بالواجب" سأعد لك سيارة مفخَّخة، وتقوم فقط بتفجيرها، ضحكت وضحكت والدته، ثم قال: إذا أنت لا تريد أن تستشهد فأنا سوف أستشهد عوضًا عنك، ويضيف والده: كنت فعلاً أشعر بصدق ما يدور في رأسه، وكنت أحسُّ بأن حديثه لم يكن يقتصر فقط على المزاح، ولكن شعرت أن هناك شيئًا بداخله يخفيه، ويحاول أن يطلعنا عليه بهدوء.
ويضيف والده: كنا نشعر في كل كلمة من كلماته أن شيئًا ما سيحدث لنا قريبًا، شعرت بقلب الوالد أن هذه الكلمات ما هي إلا تنفيس عمَّا يدور بداخله، وما يدور في عقله من تفكير.
طبيب أم ميكانيكي؟
وأكمل والده بعد أن ابتسم ابتسامة عريضة: "كان مهنَّد يخرج من المنزل في الصباح مثل الدكتور، يرتدي أجمل الثياب وأنظفها، ويعود في ساعات متأخرة من الليل وقد امتلأت ملابسه بالزيت والشحم والطين وكأنه ميكانيكي.
كنت أسأله ما هذا يا مهنَّد؟ ولم هذا التأخير؟ ومن أين لك بهذه الملابس المتَّسخة؟ فكان يضحك ويقول: لا تقلق يا أبي فإنني أقوم بمساعدة أصدقائي في البناء، وأساعد في بناء المسجد.
لكنني كنت ألمحه دائمًا متوترًا عندما يقف أمامي بهذا الشكل، وكأنه يحمل همًّا كبيرًا على كاهله، حتى جاءني في أحد الأيام كعادته متأخرًا وقد اتسخت ملابسه، ولكنه هذه المرة كان سعيدًا مبتهجًا، وقال لي ولوالدته: أبي أريد أن أخبرك شيئًا مهمًّا، ولا أريد أن يعلم به أحد غيرك ووالدتي، ثم قال اليوم قمت أنا وزملائي بنصب كمين لدبابة إسرائيلية عند مفترق نتساريم، وقد نجحت العملية وتفجَّرت الدبابة بالكامل، وألحقنا خسائر في صفوف اليهود، ثم قال لي: إنه يعمل في الجهاز العسكري، وهو عضو في الوحدة "103" التابعة لكتائب الشهيد عزِّ الدِّين القسَّام.
الوداع الأخير
جاءني يوم الخميس الموافق 21-6-2001م، أي قبل موعد استشهاده بيومين في أخر أيامه في المنزل، والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كان صائمًا، وأخذ يودِّعني وإخوته ووالدته، وأخبرنا بأنه ينوي السفر خارج البلاد هربًا، حزنت أمه وبكت وأخبرته بأن يبقى، وأن الوضع هنا أحسن، مثلك مثل غيرك"، فقال: إنه مُصِرٌّ على السفر، وإنه أخذ قراره، وإنه هذه المرة لن يعود، وإن الأمر جدٌّ فعلاً، ويقول والده شعرت بأني لن أراه بعد هذه المرة، وأنه سوف يستشهد. وأضاف والده: "مهنَّد أخبرنا بأنه لا ينوي الرد على أي اتصال على جوَّاله، وألا يحاول أحد الاتصال به؛ لأنه لن يرد على أي اتصال، وأنه سوف يقوم بالاتصال بهم يوم السبت؛ ليطمئن عليهم ويطمئنهم، فأخبره والده بأني أخشى أن أسمع خبر استشهادك في ذلك اليوم، وفعلاً كان وخرج يطير كالريح، حتى لا يضعف أمامنا، فخرجت خلفه فلم أجده حتى في كل الشارع.
وكان هذا اليوم الأخير لمهنَّد داخل عائلته أو حتى في كل النصيرات، ومنذ تلك اللحظة لم نسمع عنه شيئًا، حتى تشرَّفت بسماع خبر استشهاده، وكنت أعرف جيدًا أن هذه هي نهاية الطريق التي يسير فها مهنَّد.
مهنَّد ينتقل إلى مسكنه الجديد..
كان مهنَّد وسط حديقة مملوءة بالخضرة والفاكهة، وخلفها بيت جميل لم ترَ عيني مثله قط، وعندما سألته لمن كل هذه النعمة أجابني بابتسامته التي لم تفارق شفتيه يومًا، هذا البيت لي ولصديقي". هذه هي الرؤيا التي رأتها والدة الشهيد مهنَّد في الليلة التي صعدت فيها روحه إلى بارئها، وفق ما أكدته لنا والدته.
لحظات ما قبل اللقاء..
يوم الجمعة نصبت دورية جبعاتي كمينًا في منطقة كوسوفيم جنوب غزة، وفي الساعة العاشرة والنصف ليلاً لاحظ الجنود عدة أشخاص يقتربون من الجدار وبدءوا التسلق عليه، فأطلق الجنود النار باتجاه المجموعة وأصابوا أحدهم، وتحركت دبَّابة عسكرية باتجاههم، لكنهم التزموا الأرض بلا حراك حتى بزوغ الفجر، حيث اعتقلتهم قوات الاحتلال، وبعد الإعلان عن العملية عُرِف أن الشهيد هو البطل مهنَّد، وعرف أحد رفاقه الذين اعتقلوا بعد إصابتهم وهو القسَّامي البطل فؤاد أبو نار من سكان النصيرات.
وصية الشهيد: نحن في الجنة
وكان الشهيد قد ترك وصية جاء فيها موجهًا كلامه لكل إخوته وأحبته وأصدقائه، قائلاً: "اسلكوا طريق الجهاد والمقاومة؛ لأنه ما تركت أمة الجهاد إلا أذلها الله، أيها الأخوة إن شهداءنا في الجنة، وقتلاهم في النار، فلا تقصِّروا في طريق الجهاد والمقاومة في سبيل الله".
|