|
| شوماخر
|
"نحن لسنا عميانا، نحن رجال ونساء ذوو أعين نبصر بها، وأفئدة نعقل بها، ولا يجب أن نساق هنا وهناك وراء الأفعال العمياء للسوق أو التاريخ أو التقدم".. هكذا تكلم إرنست شوماخر.
عندما وقف واحد من الحضور يومًا في إحدى الندوات ليسأله: ما هي النصيحة السياسية التي تنصحني بها انطلاقًا من رؤيتك الاقتصادية والاجتماعية، أجابه: إنني لا أستطيع أن أحدد للآخرين ماذا يفعلون، لكن إن كنت فاعلا فإنني أقترح عليك "أن تزرع شجرة"؟!.
اقتصادي متميز
ولد إرنست شوماخر في ألمانيا عام 1911، وخلال الثلاثينيات من ذلك القرن درس الاقتصاد في جامعة أكسفورد. وقبيل الحرب العالمية الثانية هرب من الحكم النازي في ألمانيا ليعيش في بريطانيا. وبعد الحرب عمل في المفوضية البريطانية المعنية بإعادة إعمار ألمانيا. وخلال الفترة من عام 1950 حتى عام 1970 عمل كرئيس للمكتب الاقتصادي للمجلس البريطاني للفحم، والذي يعد واحدًا من أكبر المنظمات الاقتصادية في العالم العاملة في مجال الطاقة.. حيث يبلغ عدد العاملين فيه 800 ألف.
وقد تميز خلال عمله بالمجلس بقدرته على التخطيط الاقتصادي بعيد المدى، والذي جعله يتنبأ بصعود أسعار البترول ومن ثم أزمة الطاقة، كما استطاع أن يتنبأ بالمشاكل الناجمة عن استخدام الطاقة النووية، وقد رشحه تميزه للعمل كمحرر أول للشئون الاقتصادية بمجلة التايمز البريطانية. وخلال فترة عمله بالمجلس وبالتحديد عام 1955، رشح للعمل كمستشار اقتصادي لبورما، حيث تأثر بثرائها وفلسفتها الروحية وتأثير ذلك على النسق الاقتصادي.
تكنولوجيا تناسب الريف الهندي.. كيف؟
وفي عام 1961 دعاه نهرو رئيس وزراء الهند ليطوف بالهند ويشير إلى لجنة الخطة الهندية بما تعمله لخدمة الريف، وفي حديث صحفي نشر مع شوماخر قبيل وفاته عام 1977 قال عن تلك الزيارة: "في مكان ما في جنوب الهند خطر لي أنه من المؤكد أن تكنولوجيا شيفلد وبتسبرج لا يمكن أن تناسب هذه المنطقة لغياب كل شروط البنية الأساسية والتعليم، ومن ثم برز السؤال التالي: ما هي التكنولوجيا المناسبة للهند الريفية؟ ثم جاءت الإجابة الفورية: يجب أن تكون شيئا أكثر إنتاجا مما لديهم من أساليب جلبت لهم البؤس، وحافظت على فقرهم، ولكن بشرط أن تكون شيئا أبسط وأرخص من تلك التكنولوجيا الغربية المكلفة، فلم يكن هناك وسط بين تكنولوجيا صانع الفخار بالقرية الذي رأسماله 50 روبية، وبين الصناعة الحكومية المعتمدة على الآلات التي رأسمالها 50 ألف روبية، ولا وسط بينهما وما لا أمل للفقراء بدونه، إن اسمي معناه صانع الأحذية، وأنا أعلم تماما أن العالم الحديث قد أنتج الأحذية الكبيرة الراقية للأغنياء فقط، ولم ينتج أبدا أية أحذية لأقدام الفقراء".
شوماخر تلميذا لغاندي
وقد ساهمت تلك الزيارات في تبلور فلسفة شوماخر الخاصة التي كانت كامنة لديه، والتي بدت في اهتمامه بتأسيس "جمعية التربة" Soil Association أول جمعية بريطانية معنية بالزراعة العضوية. وتأسيسه عام 1965 لجمعية تنمية التكنولوجيا الوسيطة(Intermediate Technology Development Group (ITDG والمتخصصة في تصميم الأدوات والماكينات الصغيرة وطرق الإنتاج التي تلبي احتياجات البلدان النامية. كذلك فقد ساهم في دعم حركة العالم الرابع Fourth World Movement وهي حملة عالمية تنطلق من بريطانيا للدعوة للامركزية السياسية والإقليمية regionalism. كما أدار شركة سكوت بادر Scott Bader Company وهي شركة رائدة في تطبيق مبدأ مشاركة العمال في الملكية والإدارة. ويعد شوماخر تلميذا لغاندي Gandhi، حيث اعتبره "الاقتصادي الأعظم في القرن العشرين"؛ حيث إن الاقتصاد لدى غاندي "يبدأ وينتهي عند الناس"، وقد تأثر شوماخر بفلسفة غاندي حول اللاعنف Non-Violence وحول البيئة، والأهم من ذلك حول التكنولوجيا الملائمة Appropriate Technology.
وفي عام 1968 أسس شوماخر مع مجموعة من العلماء مجلة الانبعاث Resurgence لتعبر عن آرائهم في "التطلع إلى عالم رابع، يكون الحكم والاقتصاد في وحداته تحت سيطرة إنسانية واضحة، حيث حجم تلك الوحدات صغير، وعقلاني وإنساني، وحيث يمارس الناس المشاركة في صنع القرار في حدها الأقصى، وحيث تكون سرعة التغيير لا يتحكم فيها توق القلة القليلة للربح والسيطرة، بل الاحتياجات اليومية لتلك المجتمعات صغيرة الحجم، والقدرة النفسية لأعضائها على التكيف".
وفي العدد الأول من الدورية ظهرت واحدة من أشهر مقالات شوماخر المعنونة بـ "الاقتصاد البوذي" Buddhist Economics ، والذي يرتكز على أن العمل الصالح Good Work أساسي من أجل تنمية إنسانية سليمة تستهدف الوصول للحياة الطيبة Good Life، والتي يرتكز فيها الإنتاج على الموارد المحلية ويستهدف تلبية الاحتياجات المحلية، والتي ينظر فيها للطبيعة ليس من منطق السيطرة كما يفعل الغربيون، ولكن منطق التكامل والانتماء.
الاقتصاد المعني بالناس
في عام 1973 أصدر شوماخر أشهر كتبه قاطبة وهو كتابه "كل صغير جميل - الاقتصاد المعني بالناس" أو "Small Is Beautiful- Economics as if People Mattered”، وتدور أفكار الكتاب في دوائر الاقتصاد والسياسة والبيئة والمجتمع وثقافته الروحية. والمحور الأساسي للكتاب يعبر عنه العنوان، فالكاتب يرى أن الحجم المناسب للمجتمعات البشرية ليس بالضرورة هو الحجم الذي تعبر عنه الوحدات السياسية الموجودة في العالم، وأن البشر في حاجة إلى نظم "لامركزية" في الإدارة تتمثل في وحدات أقل حجما تتيح لهم مشاركة حقيقية في الحكم، وتتيح تنمية أفضل تعتمد على استغلال الموارد المحلية -وأولها وأهمها الموارد البشرية- لتلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية لأفرادها.
تلك الأحجام الوسيطة والصغيرة من المجتمعات سوف تحتاج إلى وحدات إنتاج أقل حجما وأدنى في المرتبة التكنولوجية ولكنها أكثر ملاءمة من الناحية البيئية؛ لأنها أقل تلويثا للبيئة، كما أنها أكثر ملاءمة من الناحية الاجتماعية-الاقتصادية لأنها تعطي أولوية وقيمة لعمل الملايين من العاطلين بدلا من الرغبة المحمومة في زيادة الإنتاج التي تعطي أولوية لاستخدام تكنولوجيات أعلى بغض النظر عن تأثير ذلك على زيادة البطالة، والتي لا تحقق إلا زيادة ثروات القلة القليلة من الرأسماليين، ومن ثم فإن ما تحتاجه المجتمعات البشرية هي "تكنولوجيا ذات وجه إنساني".
يرى تيودور روزاك Theodore Roszak في مقدمته للكتاب أن أفكار شوماخر كما بدت في كتابه ذاك تنتمي لـ "الفوضوية"، ويعني بها: الاقتصاد السياسي التحريري، والذي يميز نفسه عن الرأسمالية والاشتراكية الأصولية بالإصرار على أن درجة scale التنظيم الاجتماعي يجب أن تعالج بشكل مستقل وأولي. ويرى فلاسفة الفوضوية -بحسب روزاك- أن كبر حجم ذلك التنظيم هو عدوهم، سواء كان ذلك التنظيم ملكية عامة أو خاصة؛ لأن ذلك الحجم الكبير يعني تركز القوة، وإلغاء الحساسية لحرية الإرادة الفردية. ومن ثم فقد جاء عنوان كتاب شوماخر ليعني كل صغير ليس فقط جميلا، بل أيضا كل صغير "حر".
أصداء فلسفة شوماخر
أحدثت أفكار شوماخر في كتابه ذاك، وفي كتابيه الآخرين "العمل الصالح Good Work" و"دليل الحيران A Guide for the Perplexed" موجات من التأثير لمجموعات من الأطياف الممتدة بين اللامركزية decentralist وحركة البدائل alternative والتي بدأت تأخذ تلك الأفكار وتعمل عليها، وهو ما أعطاها الغائية والديناميكية، وشملت تلك الأطياف المجموعات العاملة في مجال التكنولوجيا الوسيطة أو الملائمة، وتلك التي تمارس الاقتصاد "المعني بالناس"، وتلك المهتمة بالعمل في مجال حماية البيئة، كما شملت إنشاء جمعيتين باسم شوماخر أنشئت إحداهما في بريطانيا بعد فترة وجيزة من وفاته في 6 سبتمبر عام 1977، وأنشئت الثانية في الولايات المتحدة عام 1980. كل تلك الأطياف من المجموعات تعمل مستبطنة رؤى شوماخر التي بدأ في بثها منذ عام 1959 عندما نظم برنامجا من 24 محاضرة في جامعة لندن حول "المشكلات الجوهرية للحياة الحديثة" وحتى وفاته عام 1977، وقد مضى إلى ربه تاركا خلفه الآلاف ممن صاروا يفقهون مغزى حكمته في أن يزرعوا شجرة، أو أن يغرسوا فسيلة حتى ولو كان نافخ الصور قد التقم قرنه.
هوامش ومصادر:
-
ثلاث مقدمات لكتاب شوماخر كل صغير جميل بقلم: جون ماكلوري، وكيركباتريك سيل،وتيودور روزاك في: E.F.Schumacher, Small Is Beautiful-Economics as if People Mattered, New York, Harper & Row Publishers,1989
-
بول هاريسون، "العالم الثالث غدا"،ترجمة مصطفى أبو الخير عبد الرازق، مكتبة الأسرة 1999، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص ص 118-119.
-
من أسرة شبكة إسلام أونلاين
|