English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 23, 2003

ثقافة وفن » مجاهيل ومشاهير » سياسية وعسكرية

 

هيكل.. ثمانون عاما في قلب الأزمات

مع عبد الناصر.. ثنائية التابع والمتبوع!

أيمن شرف

هيكل وناصر توأمة لن تتكرر
هيكل وناصر توأمة لن تتكرر
  في 23 سبتمبر 2003 يبلغ هيكل 80 عاما بحصيلة غزيرة من المقالات يصعب حصرها وبعدد كبير من الكتب السياسية المتنوعة في معالجاتها ما بين التأريخ والتحليل السياسي والتوثيق للأحداث والشخصيات، معظمها تقريبا يتعلق بالفترة ما بين أوائل الخمسينيات وأوائل الثمانينيات التي كان فيها هيكل قريبا من عبد الناصر والسادات من بعده وتوفرت له فيها معلومات ووثائق وصلات وعلاقات أتاحت له معينا من مادة للكتابة عنها وتحليلها وقراءتها وإعادة قراءتها في ضوء مستجدات من المعلومات. عكف عليها هيكل بدأب شديد واكتنز منها ما اكتنز لنفسه وحجب منها ما حجب انتظارا للحظة مواتية، وغلفها بأسلوبه الأدبي الرشيق وانتقالاته السلسلة ليحفر اسمه في عقول كثيرين من قرائه، وبعد خروجه من السلطة (أي خروجه من الأهرام ومن رفقة العمل مع السادات كلية أواخر 1974) ظل هيكل حريصا على إنعاش خزين معلوماته بالجديد من الوثائق في الخارج وتحديدا ما يفرج عنه من أرشيف الأجهزة الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبالجديد من الكتب والمقالات التي تنشر في الخارج وتتعلق بموضوعات اهتمامه عن مصر والمنطقة العربية.

ناصر.. القيد الذي حرص هيكل ألا يكسره

وإذا كان هيكل قد أطل بوجه الناقد على الأحوال السياسية في الداخل والمحلل لأحوال الخارج وخاصة أمريكا وإسرائيل والعرب خلال السنوات الثلاثين الأخيرة تقريبا فإن الملمح العام للصورة الذهنية عنه ظل علاقته الخاصة بعبد الناصر وارتباط اسمه بالرجل وهي العلاقة التي حرص هيكل لزمن طويل على ألا يفسدها بنقد أو بمراجعة لتاريخ عبد الناصر وقراراته من النوع الذي قد يؤدي لإسقاط ظلاله على الصورة المضيئة لعبد الناصر ولهيكل بالتبعية، وظل هيكل إما مدافعا عن كل الأخطاء أو متجنبا الحديث عنها إيثارا لسلامة صورته، وإذا كان الأمر ليس على هذا النحو فهل يا ترى كان هيكل أو ما زال مؤمنا ومخلصا لمجمل الأفكار التي تبناها عبد الناصر؟ وما سر الاقتراب بينهما طوال تلك الفترة منذ الثورة في 1952 وحتى الوفاة في 1970؟ ولماذا لم يفترقا أو تحدث بينهما قطيعة ثم خصومة لدودة كما حدث بين هيكل والسادات في منتصف السبعينيات؟

محاولة الإجابة تحتاج إلى تساؤل أساسي هو: هل كان لدى هيكل في بداياته أو قبل تعارفه بعبد الناصر أفكار أو اهتداءات عامة تجعل الرجلين متقاربين إلى الدرجة التي بدت بعد ذلك؟ الحقيقة أن كتابات هيكل المنشورة قبل يوليو 1952 لم تكن تظهر على الإطلاق أن لصاحبها توجها سياسيا محددا أو رؤية فكرية معينة، بل إنها كانت في غالبها بعيدة عن الشأن السياسي المحلي المباشر، ولم يكن هيكل معروفا ككاتب سياسي (منغمس في الشأن الداخلي بمفهوم ذلك الزمان) مثلما كان حال الآخرين، وحتى ما ذكره عن تعارفه مع عبد الناصر قبل الثورة وحوارات دارت بينهما لم تكن تكشف عن حوار بين عقلين ورؤيتين متقاربتين أو متباعدتين، وإنما كان موضوعها مجرد تحليل لمواقف الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية (الإنجليز والقصر والوفد).

بداية مجهولة لعلاقة ناصر بهيكل

(هذا على الرغم من أن قصة التعارف التي ذكرها هيكل عقب حرب 1948 كلها محل شك بناء على أكثر من شهادة، من بينها شهادة جلال ندا أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في حرب 1948 وعمل في جريدة الأخبار بعد إصابته فيها تحت رئاسة مصطفى أمين وتعرف إلى هيكل وقتها والذي قال -والعهدة عليه- إنه كان وهيكل في منزل محمد نجيب في 18 يوليو 1952 وحضر عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ويوسف صديق وانتحى بهم نجيب في إحدى الغرف، وسأل هيكل رفيقه الضابط السابق جلال ندا: مَنْ يكون هؤلاء؟ فأجابه. وبعد أن خرج الثلاثة من الغرفة عرف ندا كلا من عبد الناصر وهيكل ببعضهما البعض؛ وذلك ينفي كل ما جاء على لسان هيكل في مقاله بالأهرام 11 فبراير 1971 عن حوارات وتعارف بعد حرب 1948 وأن ناصر زاره في مكتبه في الأخبار قبل الثورة طلبا لنسخة من كتابه "إيران فوق بركان"... إلى آخره من روايته التي اعتبرها ندا في مقال منشور في الأخبار محض اختلاق وادعاء).

ومن الطريف أيضا أن هيكل كتب في "روزاليوسف" 17 فبراير 1944 وفي 11 مايو 1944 مقالين بعنوان "إنه الفاروق" و"في يوم عيدك يا مولاي" لم يجد الكاتب عادل حمودة -أحد حواري هيكل- ما يعتذر به عنها في كتابه "هيكل-الحياة.. الحرب.. الحب" سوى القول "وعندما نقرأ المقالين لا يجوز أن نحاسب صاحبهما بأثر رجعي" وكتب هيكل أيضا في مجلة اسمها "الجيل" عدة مقالات أخرى قبل الثورة كان عنوانها "هيا بنا إلى القصر الملكي" وربما تكفي العناوين للتدليل على المحتوى الذي لا يتعدى رسم صورة وردية لحسن أخلاق الملك والأمراء والأميرات من أبناء الأسرة المالكة وعهدها بما يوحي بأن هيكل لم يكن أبدا مختلفا معه! ووفقا لتقرير رسمي موقع باسم حكمدار مصر بتاريخ 16 فبراير 1948 بناء على طلب إدارة المطبوعات للتحري عن متقدم بطلب انضمام لنقابة الصحفيين اعتبر محمد حسنين هيكل الذي يزاول مهنة التحرير بدار أخبار اليوم منذ ثلاث سنوات تقريبا حسن السير والسلوك وليس له لون سياسي.

هيكل لم يكن ثوريا بل مغامرا 

هيكل المغامر تفوق على أساتذته 

الحقيقة أن هيكل سعى للاقتراب من السلطة الجديدة ممثلة في شخصين أساسين هما عبد الناصر ومحمد نجيب ووفق مع الأول ولم يوفق مع الثاني، فحسب خطاب مرسل من محمد نجيب إلى إحسان عبد القدوس رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة أخبار اليوم عام 1972 ردا على ما اعتبره قدحا من هيكل في شخصه حين أشار إليه في مقال بالأهرام بتعبير "أشباح الماضي" قال نجيب إن نقد هيكل له لا يستند لأسباب سياسية، وإنما لأسباب شخصية فقد ذهب هيكل إلى بيته عدة مرات يطلب حوارا صحفيا وتركه نجيب مع الحرس ورفض مقابلته بناء على نصيحة من المخابرات الحربية "بعدم الجلوس مع شخص يتعامل مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ولأنه كان يتقاضى مقابل إعلانات من عبود باشا في صحيفة آخر ساعة وأخبار اليوم". وكذلك ذهب هيكل وألح على باب عبد الناصر فينقل محسن عبد الخالق أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار عن عبد الناصر في بدايات الثورة قوله: "كان يجلس في المكتب الملحق بمكتبي صباحا وظهرا ومساء وضايقني هذا الإلحاح وذات يوم اتجهت إليه مباشرة وسألته ماذا تريد؟ فأجاب: مجرد حديث معك" ووافق عبد الناصر وبعد دردشة وحوار انصرف هيكل، وفي المساء عاد إلى مكتب عبد الناصر يستأذنه في أن يقرأ الحوار بعد أن كتبه، وكان تعليق عبد الناصر لمحسن عبد الخالق بعد ذلك "هيكل استطاع أن يقرأ -حتى- أفكاري التي كنت أتمنى أن أبوح بها".

وما فعله هيكل في الحالتين يتسق تماما مع شخصه وطموحه وذكائه (ولا يتسق بالضرورة مع أفكاره فلم يكن هيكل في ذلك ثوريا أو مفكرا، وإنما صحفيا مغامرا صاحب قلم رشيق لا أكثر) ولا يتسق مع آخرين رفضوا أداء هذا الدور دور "صحفي السلطة" من نجوم الصحافة في ذلك العهد الذين كانوا يتعاملون تعامل الند وكانت لديهم أفكارهم ومواقفهم التي يختلفون فيها مع عبد الناصر والنظام الجديد، وكانوا مستعدين أيضا لدفع ثمن الخلاف سواء كان تهميشا أو إغلاقا أو رفتا أو حتى سجنا، بينما لم يكن هيكل كذلك، وربما أن تلك السمة إلى جانب موهبته في التعبير عن عبد الناصر حتى إنه قال: إن"هيكل ساكن في رأسي" كانت مفتاح العلاقة فيما كان آخرون من الكتاب والصحفيين البارزين يتصادمون معه.

هيكل وعبد الناصر توأم ملتصق

وعلى الرغم من أن الفترة بين 1952 و1970 كانت حافلة بالأحداث والمجريات التي تحتمل الخلاف حتى بين توأم ملتصق لهما نفس مشارب المعارف والأفكار ما لم يكن أحدهما تابعا والآخر متبوعا.. من منا يذكر موقفا اختلف فيه هيكل مع عبد الناصر اختلافا مبدئيا أو جذريا -بعيدا عن مقال كتبه هيكل هنا أو هناك أثار زوبعة أو مشكلة في بلد عربي مثل مقاليه بخصوص السودان عقب انقلاب عبود، وبخصوص الجزائر عقب انقلاب بومدين واللذين يوحيان ربما أن عبد الناصر لم يكن يتدخل فيما يكتبه ما دام لا يختلف أو يتصادم معه وأن هيكل يتحرك في كتابته في إطار هامش يستشعره عن بعد وقد يخونه التقدير ذات مرة، ولكنه يضبط نفسه وفق رؤية الرئيس في معظم الأحوال.. المرة الوحيدة التي بدا فيها هيكل مختلفا مع عبد الناصر اعترف هيكل أن موقفه كان شخصيا لرغبته في استكمال مشروعه لتطوير الأهرام عندما تعارض ذلك مع فكرة مشروع ناصر لتأميم الصحافة وتوصل معه هيكل إلى حل وسط. وليس مطلوبا أن يستل هيكل مسدسا ليصوبه إلى رأس صاحبه ما لم يوافقه رأيه، ولكن لا يحق له أن يقول إنه دافع ضد تأميم الصحافة حرصا على المهنة بكل ما يملك، فهو لم يكن يملك شجاعة الرفض الكامل أو حتى الحجة الوجيهة التي يقنع بها عبد الناصر (كما قال هو فعلا إن منطق ناصر كان يغلبه).

ويبدو أننا نطلب شيئا مستحيلا لو ظللنا نفترض أن هيكل كان من أهل المواقف الذين يستميتون دفاعا عنها.. فها هو ذا النظام يصطدم مع التيارين الإسلامي والشيوعي ويرتكب خطيئة الحبس والتعذيب (بعد أن غيب ديموقراطية لم يكن راضيا عنها نتيجة لفساد الأحزاب والحياة السياسية عموما وربما كان لديه الحق في ذلك، لكنه لم يحل محلها تنظيما سياسيا حقيقيا وصراعا سياسيا حيويا وتقاسما للسلطات وفصلا كاملا بينها -ولم ينتبه إلا بعد وقع الهزيمة المريرة في 1967 إلى "ضرورة تحرير الناس من الخوف" على كل المستويات.. ها هو ذا النظام يعتقل ويعذب ولا يتحدث هيكل، وليته صمت وإنما سطر مجموعة من المقالات حولها بعد ذلك كتابا عن أزمة المثقفين يدينهم فيها، ويبرر موقف السلطة ويبرر حظوة أهل الثقة على حساب أهل الخبرة.

اقرأ في نفس الموضوع:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم