|
| عميد الأدب الإسلامي حسين المصري
|
أنجبت فاطمة هانم حفيدة محمد ثاقب باشا وزير الأشغال المصرية في عهد الخديوي إسماعيل طفلا شاعت به البهجة في قصر الجد الوزير، سمي حسين تيمنا بالإمام الحسين رضي الله عنه، وكانت له مربية نمساوية تعلمه الفرنسية، فجرت على لسانه لثغات حلوة بالعربية والفرنسية، وكان والده علي حسني المصري ناظر دار العلوم العليا أكبر معهد علمي في مصر قبل تأسيس الجامعة المصرية. كان الفتى يستمع إلى أحاديث أساتذته في المدرسة عن فضل أبيه عليهم في إتقان اللغة العربية، وكثيرا ما أثنى الأساتذة على التلميذ، ويقولون له: "يا مصري ستكون أديبا عظيما"، ولكن التلميذ كان متأخرًا دراسيا لضعف بصره، حيث أجريت له عمليتان في عينه، ولكنه حاول جاهدا التغلب على هذه العقبة، وساعده على ذلك موهبته وتفوقه في اللغة العربية والإنجليزية.
وحينما بلغ حسين من العمر 13 عاما تعلق بحلاق لبناني كان يجاور القصر يحب الشعر حبا جما، وينشد الشعر القديم والحديث ويلحن قصائد الشعر، وفى بيته الكثير من الدواوين النادرة، فعرف حسين منه أسماء الشعراء الجاهليين والإسلاميين والمحدثين وأسماء أمهات الكتب في الأدب العربي والكتب الحديثة، فقرأ لجبران خليل جبران ومي زيادة ومصطفى صادق الرافعي، وحفظ كثيرا من الشعر، وبذلك أدركته حرفة الأدب.
وحين التحق بالثانوية العامة نظم شعرا بالفرنسية، كما كانت له عدة محاولات في ترجمة الشعر الإنجليزي إلى العربية، فتعرف في وقت باكر على أصول الترجمة، ونظم الشعر في لغات الشعوب الأخرى، وكان أول ما نظمه من شعر في اللغة العربية في وفاة ابنة عمه في ريعان شبابها، فتخيلها حبيبته استودعها الثرى، ونظم قصيدة هي من أعز القصائد إلى قلبه، ونشرت القصيدة في صحيفة المدرسة "السعيدية"، ثم نشرها في دواوين "شمعة وفراشة" ويقول فيها:
ذكرى بقلبي قد تفتح وردها ولوردها شوك من الأشجان
ما دام حسن في الوجود لأجل ذا ذبلت ذبول الزهر في البستان
يا لهف قد ماتت فما هي حيلتي فيما قضاه الله للإنسان
وأول ما يلحظه القارئ في شعر حسين مجيب المصري هو غلبة الحزن في أشعاره، وهو ما لازمه إلى الآن في قصائده. وفى هذه الفترة قرأ الكثير من كتب الأدب العربي والفرنسي والإنجليزي حتى كان يصل الليل بالنهار.
الجامعة وإجادة عدة لغات
ساعده الالتحاق بجامعة فؤاد الأول بكلية الآداب قسم اللغة العربية واللغات الشرقية على تعلم اللغات الشرقية، وتخرج فيها عام 1939، كما تعلم اللغة الألمانية، وترجم منها العديد من البحوث والنصوص، كما أنه يرى أن دراسة اللغات الأوربية لازمة لمن يدرس الآداب الشرقية من عربية وفارسية وتركية، وذلك لضرورة الاطلاع على دراسات المستشرقين في تلك اللغات وخاصة لمن يدرس الأدب الإسلامي المقارن.
وفى عام 1938 تعرف حسين على صحفي إيراني مقيم في مصر يصدر مجلة إيرانية، فكان يحرص على قراءتها، مما أكسبه لغة الصحافة في الفارسية.
وعندما افتتحت جامعة القاهرة معهد الدراسات الشرقية التحق بقسم "لغات الشعوب الإسلامية" الذي يختص بدراسة الأدب الفارسي والتركي والأردي، وكان من المقرر أن يدرس الألمانية، فرأى أن يتزود باللغة الإيطالية بدلا منها، فأثار ذلك زوبعة بين أساتذة المعهد الذين كانوا يحسدونه على غزارة علمه، وتقرر أن يدرس الإيطالية على أن يمتحن الألمانية في نهاية العام، ونال دبلوم الدراسات الشرقية عام 1942، كما درس الروسية في مدرسة للغات، وبهذا اكتملت له العديد من اللغات، فتيسر له الاطلاع على ثقافاتها.
وجعل يفكر طويلا في رسالة الدكتوراة، فوقع اختياره على شاعر تركي عاش في العراق في القرن السادس عشر، هو الشاعر فضولي البغدادي الذي اختلف حوله أهل العلم، وخفيت معظم المراجع اليسيرة للبحث عنه، فرآه أجدر ما يكون بالدراسة، وفي فترة بحثه هذه انتخب منتدبا لتدريس الفارسية وآدابها والتركية في المعهد العالي الذي تخرج فيه، وبعد عام انتدب لتدريس الفارسية في معهد الآثار الإسلامية، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها شحذ همته للسفر إلى تركيا عام 1951 ليبحث عن صديقه الشاعر المفقود "فضولي البغدادي" موضوع رسالة الدكتوراة، ليجمع مادة رسالته التي يئس من تحصيلها في مصر.
وهناك سخر الله له من يساعده من علماء الأتراك، وأرشدوه إلى ما ينفعه في دراسته، وكثير منهم تعجبوا من قدرته على فهم أشعار هذا الشاعر التي لا يفهمونها لصعوبة لغتها القديمة، واطلع على مخطوطات نادرة تميزت بخطها الذي يصعب قراءته، مما أرهق عينيه وأضعفها، حتى إذا فرغ من جمع ما يطلب من مادة بحثه أصيب فجأة بالانفصال الشبكي في عينيه. وعندما عاد إلى مصر امتنع الأطباء عن إجراء عملية له لصعوبتها، وأرشدوه إلى طبيب في سويسرا، فسافر وأجريت له العملية، ومع أنه اعتل بعدها فإنه عاد ليداوم عمله منتدبا في المعهدين العاليين، وواصل كتابة رسالته التي نال بها درجة الدكتوراة عام 1955، وهي الأولى التي قدمت إلى جامعة القاهرة في الأدب التركي، وقد ترجمت رسالته إلى اللغة الروسية، وترجم جزء منها إلى التركية والآذرية، وبعد نيل الدكتوراة عين عضوا في هيئة التدريس بالجامعة.
المباحث وقصة الحب الوهمية
بعدها انتدب في جامعة عين شمس وأنشأ قسما للغة التركية وكان الأستاذ الأوحد في هذا القسم. وأقبل الطلاب على دراسة التركية وآدابها وحبب إليهم العلم، ولكن يبدو أن الرياح غالبا ما تعاكسه، فتأتي بما لا تشتهي السفن، فقد طلبت منه إحدى الطالبات ديوانه الثاني "وردة وبلبل"، وأهداه إليها وصدره بقوله "إلى ابنتي فلانة مع أطيب تمنياتي" ولكن كان أمر هذه الطالبة غريبا، إذ أطلعت خطيبها على الديوان، مدعية أنه معجب بها ويؤثرها بهذا الديوان. فدبت الغيرة في قلب الخطيب وجعل يشيع ذلك بالكلية، وكان للأجهزة الأمنية في هذا الوقت سيف مسلط على رقاب الناس وخاصة الدكتور حسين الذي صنفوه على أنه إقطاعي عدو للشعب، وشاعت مقالة السوء حتى إن رئيس القسم أبلغ العميد فأمر الدكتور حسين أن يقدم قسرا طلبا بالنقل إلى وظيفة أخرى غير التدريس، وزعم رئيس الجامعة أن هذا أمر مؤقت، وبعد شهرين استدعاه العميد وقال له: "إن السلطات غير راضية عنك فقدم استقالتك وأعدك إذا لم تعد إلى عملك فسيسند إليك عمل في جامعة أخرى".
وما إن أصبحت النار رمادا حتى انتدب للتدريس في كلية البنات بجامعة عين شمس لمدة ثماني سنوات، ثم كلية اللغات والترجمة بجامعة الأزهر سبعة وعشرين عاما، وفي كلية البنات جامعة الأزهر أربع سنوات أخرى، وفي كلية الفنون جامعة حلوان عاما واحدا، ثم وقع عليه الاختيار عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. وعمل لفترة أستاذا زائرا بجامعة بغداد، وعين في وظيفة أستاذ كرسي غير متفرغ بكلية الآداب جامعة عين شمس.
إنجازاته خارج الجامعة
لم يتوقف عطاء الدكتور حسين المصري عند أسوار الجامعة بل شغل نفسه بالصحافة قبل الدكتوراة وبعدها بنشر المقالات والقصائد في كثير من الصحف والمجلات المصرية والعربية مثل "اللواء الجديد" و"منبر الشرق" و"قافلة الزيت" السعودية و"الأديب" اللبنانية و"الورود" السورية و25 جريدة ومجلة أخرى، وكان شغله الشاغل هو الدراسات الفارسية والتركية وعقد المقارنات بينها، وأتاحت له الصحف نشر هذا الاتجاه على نطاق أوسع على القارئ العربي غير المتخصص. وكان ذلك بمثابة تمهيد لإيقاظ الوعي بوجود تراث إسلامى لم يكن للناس إلف به من قبل، فله في ذلك الريادة، إذ صحح المفاهيم السائدة لدى المثقفين. فالكثير منهم كان يهوّن من قيمة الأدب التركي وينكرونه في بعض الأحيان، فأوضح أن هذا وهم، وأن الأدب التركي القديم هو الأدب الإسلامي الحق؛ لأنه تأثر في أعماقه بالأدب الفارسي الذي تأثر من قبل بالأدب العربي والتراث الإسلامي في أصوله وفروعه، كما أن الأدب التركي الحديث يقف على قدم المساواة مع الأدب الأوربي في روائعه لأنه متأثر به مستمد منه، وهذا ما يقال عن أدب اللغة الأوردية وهي لغة شبه القارة الهندية عموما وباكستان خصوصا.
ورشح الدكتور حسين مجيب المصري للتدريس في جامعة بغداد وكرمه الأساتذة الأتراك بدعوته إلى إستانبول، وأصر المرحوم البروفيسور جتين رئيس قسم اللغات الشرقية بجامعة إستانبول على تقبيل يده، ودرس أيضا في جامعة أنقرة وقونية، ودعي إلى باكستان ثلاث مرات الأولى عام 1975، وبعد ذلك بعامين دعي للاشتراك في مؤتمر عقد عن الشاعر الباكستاني محمد إقبال في مدينة لاهور، وألقى بحثا عن إقبال والقرآن، ثم دعي في سنة 1988 مع زوجته، وكرمه وزير الإعلام، كما أقام نجل إقبال -والذي كان يشغل منصب رئيس المحكمة العليا- وليمة في داره، أما الرئيس الباكستاني ضياء الحق فقلده وساما، وعانقه أمام عدسات التلفزيون حتى ترقرق الدمع في عينيه تأثرا بالموقف، لقد قلد الرئيس غيره في هذا الحفل أوسمة واكتفى بمصافحتهم واختص الدكتور حسين بالعناق.
كما دعي إلى مدينة قرطبة بأسبانيا للاشتراك في مؤتمر أقيم عن إقبال، وكان الأوحد الذي ألقى بحثه عن "إقبال والتصوف" بالإنجليزية مرتجلا دون قراءة من الورق.
يضاف إلى ما سبق من تكريمه في الخارج أن منحته جامعة مرمرة الدكتوراة الفخرية عام 1996 ودعته لتقدمها إليه في الجامعة إلا أنه اعتذر عن عدم السفر لأنه فقد نعمة البصر، فسُلمت إليه في السفارة التركية بمصر في حفل ألقى فيه قصيدة نظمها بالتركية مع ترجمتها بالعربية.
تابع في نفس الملف:
|