English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

المجتمع بدون نظارة

سائد العرماني

بعد مشاهدة فيلم "ستة على ستة" للمخرجة العراقية "خيرية المنصور"؛ يُحِسُّ المتأمل للتاريخ القريب للسينما العراقية أن ثمة نقلة نوعية كبيرة حدثت لهذه السينما.. وظني أن خيرية المنصور بهذا الفيلم تكون قد خلعت على نفسها دون أن تدري- صفة الريادة في تحوُّل السينما في العراق من نوعية أفلام غلب على معظمها طابع المباشرة الفجة.. إلى أفلام يقبل عليها الجمهور أو يتقبلها.. فعلى طول تاريخ الإنتاج السينمائي العراقي  وبالتحديد منذ بدايات السبعينيات كان الجانب الموضوعي في الفيلم السينمائي محل الاهتمام الأول والغالب على حساب الجانب الفني.. واستخدام تقنيات السينما ولغتها الخاصة التي هي غاية المراد لإبراز جماليات هذا الفن المركب والمعقد.
        
والمتتبع لمسار السينما العراقية منذ تأسيس مؤسسة السينما والمسرح وجعل تمويلها من الدولة منذ فيلم الظامئون عام 1973م للمخرج محمد شكري جميل، وحتى فيلم الملك غازي لا يساوره الشك أن كل ما تنتجه هذه السينما من أفلام لم يخرج عن إطار أفلام الدعاية التي تلتزم سياسية الدولة، تارة القضايا القومية أو الوطنية كفيلم القنَّاص لفيصل الياسري
والمسألة الكبرى.. وعرس عراقي.. المهمة المستمرة - والملك غازي لمحمد شكري جميل، والأيام الطويلة لتوفيق صالح - الحدود الملتهبة لصاحب حداد.. البيت وحب في بغداد لعبد الهادي العراويوغيرها، وتارة أخرى بقضايا الواقع الاجتماعي حسب ما تريده أيدلوجية الدولة ابتداء بـ "الظامئون"، وبيوت في ذلك الزقاق لقاسم حول، وفي كل منها جاءت الصورة الفيلمية على شكل لا يبعث في النفس الحماس لرؤيتها أو التعاطف معها رغم محاولات مخرجيها لكسب ود الجمهور العراقي ثم العربي.. لكن دون جدوى.. ومن الطبيعي أن يكون حصاد هذه التجارب في شكلها الراهن نفورًا من الجمهور للسينما، والبحث عن سينما جديدة تعبر عن طموحات المواطن العراقي والعربي، وتعيد لهذا الجمهور الثقة في إنتاج سينما قادرة على مواجهة السينما المستوردة من العالمين العربي والأجنبي.
        
ومن هنا انطلقت "خيرية المنصور" مستفيدة من دروس هذه التجارب، وعلى الجانب الآخر من الإمكانيات الهائلة التي توفرها الدولة للسينمائيين، و بعد أن كان لها تجاربها الشخصية في ميدان السينما التسجيلية من خلال أفلامها: نبت الرافدين - هذه قريتي - ينابيع العطاء
انظروا أحلام بيضاء وغيرها من الأفلام التي أمدتها بكل مقومات الإخراج السينمائي الواعي على المستويين الموضوعي والفني فكان فيلمها الروائي الأول: ستة على ستة. والفيلم يبدو للعيان سطحيًّا في موضوعه .. بسيطًا في تركيبه إذ يدور حول فكرة أو واقعة عابرة قد لا تلفت الأنظار.. وجاء في إطار كوميدي. لا يتطلب تقنيات سينمائية خاصة أو معقدة.. لكن بهذه الأداة السهلة والفكرة البسيطة والشكل الكوميدي استطاعت خيرية المنصور أن تواجه قضايا بالغة الأهمية في حياة رجل الشارع في العراق، وبأسلوب السهل الممتنع. قدمت سينما جديدة ذات نكهة خفيفة تثير في النفس تأمل الواقع دون استفزاز أو إشارة مصنوعة؛ لتغيره للأفضل عن طريق التخلص من كل المظاهر السلبية في واقعنا العربي المعاش. سواء كان ذلك في العراق أو غيرها من المدن والمجتمعات العربية.
        
وتقوم فكرة الفيلم على واقعة حقيقية عاشتها المخرجة التي قامت بكتابة السيناريو والحوار إلى جانب إخراجها للسينما.. وهكذا نجد أن خيرية المنصور إضافة لكونها
أول المخرجات العراقيات في عالم السينما الروائية وتكاد تكون الوحيدة .. فهي أولى من خطا نحو خلق سينما المؤلف في العراق. ولا غرو في هذا فقد عملت مساعدة مع عمالقة السينما العربية أمثال توفيق صالح ويوسف شاهين.. وصلاح أبو سيف.
        
ومن بين كل أنواع الكوميديا التي تقترب من العشرين نوعًا .. اختارت خيرية المنصور كوميديا
الشخصية-، وإن خَلَطتْها في بعض الأحيان بكوميديا الموقف، وفي كل الأحوال لم تخرج من قالب الواقعية .. من هذه العناصر الثلاثة. الشخصية- الموقف- الواقع تكونت رؤية المخرجة لقضايا مجتمعها، فتناولتها بالتحليل ذي النكهة الخفيفة التي تبعث في النفس التعاطف معها.. وتأمل أبعادها بعيدًا عن التشنُّجات أو النعرة الذاعقة التي تنفر مشاهد سينما اليوم.
        
وللحق فقد استطاعت خيرية المنصور عن طريق تفجير الضحكة من الابتسامة الحقيقية أن تقترب من المشاهد بشكل أخَّاذ تناقشه مشاكله، وتكشفها له بلا سخرية أو تعالٍ أو فرض حلول.
        
والشخصية المحورية في هذا الفيلم
نبيل- أداء "قاسم الملاك" شاب تتمثل معاناته في رفضه استعمال نظارته الطبية على الرغم من ضعف بصره متوهمًا أو متحديًّا أن تكون قوة أبصاره 6 على 6 ، من خلال موقف الرفض والعناد مع نفسه يدخل نبيل في معارك حياتية بسيطة؛ تكلفه الكثير فالجميع يرتدون النظارة ولا يبصرون ما يجري حولهم، حتى بيته الصغير من الأم والأخت والأطفال الصغار يرتدون النظارات ولا يبصرون سلبيات المجتمع، وسلبيات ما يجري على ساحة الوطن..
        
نعود لبطلنا فقد بلغ الأمر به للنقل من وظيفته كإداري حسابات يعمل في مكتب فخم مكيف بجوار محبوبته عفاف - والتي بحث عنها كثيرًا لأنها لا ترتدي النظارة، ولكي يحسن نسله ويأتي بأولاد غير ضعاف البصر- إلى العمل بإحدى مزارع الدواجن التابعة للشركة..
        
ويلفت النظر في هذا الفيلم كيفية تناول الواقع ومشاكله اليومية التي تهُمُّ بالدرجة الأولى رجل الشارع البسيط في معاناته من مظاهر السلبية المتمثلة في استغلال القطاع الخاص وأحيانًا العام.. تفشي ظاهرة البطالة.. ظاهرة تكديس المواد التموينية لأي سبب كان ثم بيعها في السوق السوداء. وغيرها من الظواهر السلبية الموجودة في المجتمع العربي. ولعل أبرز الظواهر التي لم تخجل المخرجة ولم تخش المخرجة التعرض لها وهي ظاهرة السوق السوداء في القطاع العام عن طريق تلاعب بعض القائمين بحلها وأحد الوسطاء، وتأتي جرأة المخرجة من كونها تنتقد قطاعًا حكوميًّا وهذا من المحرمات
من المفترض أن رقابة الدولة غير غافلة عنه.. ونظامها العام لا يسمح بمثل هذا على الإطلاق.
        
ولعل أبرز ما يميز فيلم خيرية المنصور 6 على 6 دون سائر الأفلام التي أنتجتها السينما العراقية.. تناول هذا الفيلم مشكلة مواطن عادي، وبحث علاقاته وتحليلها على جميع المستويات.. علاقته بين أفراد أسرته والذين يشاركونه في نفس العيب في ضعف البصر، كلهم لديهم القناعة التامة باستعمال النظارة ولبسها خوفًا من وقوعهم بمشاكل إن خرجوا عن الخط المرسوم بلا منغصات
والحمد لله والشكر-.
        
حتى محبوبته عفاف التي اكتشف
صدفة - أنها تستعمل النظارة.. وكذلك علاقته بمرؤوسه، وعن طريق هذه الشخصية وتحليل مشاكلها استطاعت المخرجة الاقتراب من المشكلات العامة التي يعاني منها المجتمع بشيء من ذكاء لم يشعر المتفرج بالانتقال عنوة أو الانتقال المفتعل أو المصنوع من الخاص للعام.. كما عهدنا بالفيلم العراقي بصفة عامة.
        
أما عن التمييز الحرفي.. فظني أن مضمون الفيلم وشكله الكوميدي الذي جاء عليه لا يحتاج إلى تعقيدات تقنية أو أسلوب غير الذي اتبعته خيرية المنصور.. إذن لا مجال للحذلقة والتصنع الحرفي أو استعراض العضلات؛ فقط لجأت المخرجة إلى استخدام بعض التقنيات السينمائية الخاصة؛ عندما كان هناك ضرورة لذلك مثلما شاهدنا مشهد نبيل عندما يقع أسيرًا في سجن مصنوع من النظارات التي لم يستطع منها فكاكًا.. ومن تسليط أضواء كسياط بألوان أحمر وأخضر، ولعلها ترمز إلى سياط الأحزاب وأفكارها والتي لا يجب أن نرى سلبياتها.. وهو مشهد مطلوب وفي مكانه له من الدلالات ما يوضح فلسفة الفيلم أو فكرته الأساسية كما تصورتها المخرجة..
        
كذلك مشاهد المحادثات الهاتفية بين كل من نبيل وصديقه أحمد من جهة، وبين عفاف وزوجة أحمد من جهة ثانية كان ضروريًّا لتقريب وجهات النظر بين الأصدقاء والاتفاق على رأي واحد بعد الحوار والمناقشة.. وفي مشهد رومانسي جمع بين نبيل وعفاف في إحدى الحدائق العامة استطاعت خيرية المنصور أن تخرج بنا إلى عالم شفاف يأمل السعادة والحب ومصارحة النفس؛ وهذا هو الإنسان وطبيعته الغاضبة والرافضة والمحبة.. وكل هذا يؤكد أن مخرجة الفيلم على دراية وإلمام عظيم بكل تقنيات السينما البسيطة منها والمركبة، إضافة لوعيها الفكري الكبير بقضايا مجتمعها.
        
وفي النهاية لا نستطيع إلا أن نعترف أن خيرية المنصور بفيلمها الروائي الأول ستة على ستة تكون قد خَطَت بالسينما العراقية خطوة متميزة، وخرجت بها من فخاخ المباشرة الفجة أو الدعاية والطنطنة إلى آفاق سينما جديدة تضمن لنفسها الاستمرار، والعيش داخل بلادها وخارجها بعد أن عانت من غربتها وسط أقرانها في العالم العربي.
 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم