|
هناك مرجعيات شيعية يجب عدم إغفالها بجانب مراجع التقليد السبعة في قم، بل إن بعضها يعد من كبرى مرجعيات الشيعة، حيث تتمتع بوزن ديني وسياسي كبيرين في أوساط الشيعة ولهم تلاميذهم ومقلدوهم، وربما كان الاختلاف حول مبدأ ولاية الفقيه واعتزال بعضهم السياسة السبب في عدم تضمينهم بقائمة جماعة المدرسين التي تختص بتسمية المراجع، لكن يبقى أنهم مراجع تقليد وتتوافر فيهم شروط مراجع التقليد، حيث يشتهرون بالعلم والتقوى والعدالة.
آية الله شاهروردي
|
|
محمد حسين الشهروردي
|
ولد آية الله محمود هاشمي شاهروردي عام 1949 بمدينة النجف الأشرف بالعراق من عائلة متدينة تنحدر من مدينة شهرود جنوب إيران، حيث عاد إليها بعد الثورة 1979 وهو أحد تلامذة آية الله محمد باقر الصدر.
وقد ساهم في تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عام 1982، وهو يعد من رموز المدرسة العلمية والنجفية التي تميل للمحافظين من دون التورط في الصراعات السياسية، وكانت بداية ظهوره على الساحة السياسة الإيرانية بشكل حقيقي عام 1998 حينما نجح في انتخابات مجلس الخبراء (يختص بمراقبة أعمال المرشد وله حق عزله وكذا يقوم باختيار المرشد الجديد).
وفي عام 1999 عينه المرشد علي خامنئي رئيسا للسلطة القضائية، حيث أعلن عقب تعيينه مباشرة عن عزمه إزالة النفوذ السياسي من السلطة القضائية وإن لم يحدث ذلك.
كما عمل طيلة الفترة الأولى التي قضاها (1999 - 2004) في رئاسة القضاء والتي جددت له في يونيو 2004 على مراعاة التوازنات السياسية القائمة، وخاصة في تعيين رموز القضاء للموازنة بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، وإن كان قد برز في السنوات السابقة كأحد أبرز الشخصيات المحافظة في إيران.
وبرز التناغم الواضح بينه وبين خامنئي في تناوله لقضية الإصلاح، حيث جاءت مفردات رؤيته لعملية الإصلاح متطابقة إلى حد كبير مع المفردات الخاصة بخامنئي، فطالب بتعريف الإصلاح بشكل دقيق وأولوياته والبدء برموز السلطة، وهو بذلك لم يبعد عن خط ونهج خامنئي، بل مضى في خط متوازٍ ومتطابق في الوقت نفسه مع المفردات الخاصة به؛ وهو ما جعل الإصلاحيين ينظرون إليه كأحد الذين أعاقوا السياسة الإصلاحية التي انتهجها الرئيس محمد خاتمي منذ 1997، حيث منع الحركة الإصلاحية من النمو عبر المؤسسات الصحافية والإعلامية والثقافية والفكرية التي كبل شاهروردي حركتها لحد كبير خلال الفترة الماضية.
وزادت حدة هذه المخاوف بعد التجديد له لخمس سنوات أخرى في رئاسة القضاء، مما يدل على الرضا التام من المرشد خامنئي عنه، حيث أمر في السنوات الماضية بسجن المنشقين والمعارضين من المفكرين والصحافيين والطلبة، فضلا عن إغلاق عشرات الصحف؛ فجاء انغماسه في السياسة مخالفا لآرائه التي طرحها بعد توليه القضاء مباشرة، وهو ما جعل البعض يرشحه لكي يكون خليفة للمرشد علي خامنئي، وسرت بهذا إشاعة عقب توليه منصبه هذا بعام واحد، وهي الإشاعة التي نفاها في حينها آية الله أميني نائب رئيس مجلس الخبراء، الذي اعتبر ترويج هذه الإشاعة بمثابة خطوة من خطوات الأعداء، ويقصد من ورائها إثارة البلبلة وبث الفرقة بين رموز النظام من جهة وبين النظام والشعب من جهة أخرى.
في حين التزم شاهروردي الصمت حيال هذه الإشاعة ولم يرد عليها أو يشر لها، وهو ما يجعل من بثها ونشرها بهذه الطريقة بمثابة بالونة اختبار لمعرفة ردود الأفعال عليها داخليا وخارجيا؛ ولذا يطلق عليه مسمى "المرشد المحتمل".
آية الله الحائري
|
|
كاظم الحائري
|
وهو مرجع تقليدي إيراني بقم ويعد المرجعية لتيار الصدر الثاني بالعراق الذي يقوده الزعيم الشاب مقتدى الصدر الذي تردد أنه عقد تحالفا معه حتى يتمكن من الاستناد إلى مرجعية حية.
ويعد الحائري تلميذا للصدر الثاني الذي شهد له بالمرجعية من بعده، غير أن فتاواه غير معترف بها من العراق، حيث يتخذ آراء مغايرة لعلماء مدرسة التشيع العراقية التي يقف آية الله علي السيستاني على رأسها، فيحرم تعامل الشيعة مع الاحتلال ويدعو للثورة عليه؛ ولذا فقد عبر عن رغبته في العودة للنجف حالما تتهيأ الظروف لذلك، وإن كان البعض يرى أن رغبته في خلافة السيستاني الذي يعاني كبر السن والمرض هي السبب الحقيقي الكامن وراء هدفه بالعودة للعراق، لا سيما مع وجود دائرة واسعة من أتباعه خاصة في تيار الصدر.
آية الله حسين منتظري
ولد آية الله منتظري عام 1922 ودرس العلوم الدينية والمذهبية في الحوزة العلمية بقم وفيها تدرج حتى نال درجتي آية الله، حيث اشتهر بذكائه الحاد منذ صغره ودرس على أيدي البروجردي والخميني وغيرهم، وانعكس ذكاؤه هذا على محاضراته التي ألقاها بنفس الحوزة التي تعلم بها بعدما كبر، حول الفلسفة الإسلامية حتى نظر إليه الكثيرون كمرجع تقليد يمكن الرجوع إليه في الفتاوى والأحكام الدينية، إلا أنه كان يرفض القيام بدور المرجع في مسألة الفتوى باعتباره ممثلا للإمام الخميني ويقول: "ما زلت مجرد طالب فقه... انظروا الإمام".
|
|
منتظري
|
ولمنتظري تاريخ طويل من النضال ضد حكم الشاه حيث قاد العمل السري ضده، وهو ما أدى إلى سجنه خمس سنوات ونصفا تعرض خلالها لعمليات تعذيب وحشية على أيدي السافاك -استخبارات الشاه- الذي ساومه على إطلاق سراحه مقابل اعتزال العمل السياسي ولكنه رفض، وفي عام 1975 حكم عليه بالسجن عشر سنوات أخرى قضى منها ثلاثا، ثم أطلق سراحه مع مجموعة من المعتقلين السياسيين مع بدايات الثورة بهدف تهدئة الشعب وامتصاص غضبه ضد الشاه وفور خروجه سافر لباريس، حيث إقامة الخميني ليقدم له صورة عن الواقع في البلاد.
ولعب دورا في عودة الخميني لطهران، وتحول بعدها إلى أقرب أصدقائه إليه وموضع ثقته حتى إنه قد قيل بأن الإمام قد وجد ضالته في منتظري ليخلفه في الزعامة، وهو ما وافق هوى الشعب الذي وجد في منتظري الرجل المناسب لخلافة الخميني.
وفي بدايات الثورة كان منتظري عضوا بمجلس قيادتها كما ترأس لجنة الخبراء الخاصة بوضع أول دستور للبلاد، وبعد وفاة آية الله طلقاني رئيس مجلس الثورة وإمام جمعة طهران اختاره الخميني ليخلفه في إمامة الجمعة وأرسل إليه يقول: "لقد اخترتك لهذا العمل باعتبارك مجاهدا كبيرا وفقيها قديرا"، فكان يحضر للصلاة خلفه ثلاثة ملايين مصل، غير أنه فضل اعتزال السياسة والعودة إلى قم وحوزتها العلمية، وذلك بعد تزايد الخلافات بينه وبين الخميني حول مبدأ ولاية الفقيه وأمور السلطة الأخرى، حيث انتقد منتظري استحواذ الإمام على مقاليد السلطة وسلطاته المطلقة، وهو ما دفع بالخميني إلى توجيه الانتقادات له ووافق على استقالته كنائب للولي الفقيه وإن لم يجرده تماما من مناصبه سوى عام 1988 بعدما اتهمه بعدم القدرة على تحمل المسئولية ومنع تلاميذه من التردد عليه.
وأثار منتظري مجددا قضية ولاية الفقيه ومدى صلاحياته مع تولية خامنئي مرشدا عاما خلفا للخميني، حيث شكك في مؤهلاته وصلاحياته، وطالب بتحديد سلطاته وإخضاعها للقانون، فضلا عن افتقاره للمؤهلات الدستورية للولاية، الأمر الذي أثار استياء خامنئي الذي أمر بفرض الإقامة الجبرية عليه ومصادرة أملاكه وأمواله، مما تسبب في قيام مظاهرات مؤيدة له في أصفهان ونجب آباد، وحدث انقسام شعبي حوله، وكذلك بين الفقهاء ما بين مؤدين ومعارضين.
وظل منتظري تحت الإقامة الجبرية حتى تم رفعها في أوائل 2003، ومن قم وجه انتقادات حادة لمواقف الدولة الإسلامية التي شاركت في حرب العراق بشكل أو بآخر (الكويت - تركيا)، كما واصل انتقاده للنظام في إيران، لا سيما فيما يتعلق بحقوق الإنسان.
ويعد منتظري أحد كبرى المرجعيات الدينية الشيعية، وله تلاميذ وأتباع كثيرون، حيث أكسبته مواقفه السياسية المستقلة مزيدا من الشعبية والصلابة في آن واحد.
آية الله السيستاني
|
|
علي الحسيني السيستاني
|
يعد آية الله العظمى السيد علي السيستاني المرجعية العليا في النجف ولشيعة العراق والعالم، وهو المنافس المعادل للمرشد الإيراني علي خامنئي، كما أنه يمثل الامتداد الطبيعي للمرجعية التاريخية بمدينة النجف الأشرف، حيث ترأس حوزتها بعد وفاة الخوئي عام 1992، وهو بعكس الكثير من المراجع لم يترك العراق أثناء فترة حكم صدام، وإنما ظل بالنجف يضطلع بدور مرجع التقليد هناك؛ ولذلك فهو يحظى باحترام كبير من قبل الشيعة العراقيين وإن كان تيار الصدر قد اتهمه بممالأة صدام حسين ورفض مرجعيته بسبب أصوله الإيرانية.
واتخذ السيستاني الإيراني المولد موقفا مغايرا من الغزو الأمريكي للعراق عن موقفه قبل الغزو، حيث دعا إلى مقاومة أي عدوان على العراق واعتباره جهادا مشروعا، في حين دعا إلى عدم مواجهة قوات الغزو أثناء دخولها البلاد، وعقد مندوبون عنه اتفاقا غير مكتوب مع القوات الأمريكية والبريطانية يتضمن عدم الاقتراب من الأماكن المقدسة في مدن الجنوب لمسافة خمسة كيلومترات مقابل عدم مواجهة مقاومة في هذه المناطق (النجف - كربلاء - الكوفة).
كما اتخذ موقفا متشددا تجاه قضايا الانتخابات الدستورية المؤقت وقانون إدارة البلاد، وهو ما وضعته الإدارة الأمريكية في حساباتها لإرضائه، وإن كان البعض قد شكك في موقفه هذا بعد المواجهات الأخيرة بين جيش المهدي المتحصنة بالنجف وقوات الاحتلال الأمريكية.
وتحظى مرجعية السيستاني باحترام وولاء وتقليد الأغلبية من القبائل الشيعية في جنوب ووسط العراق، وهو ظهر في تدخل العشائر لفك الحصار الذي فرضه أنصار مقتدي الصدر حول منزله مع بدايات الغزو الأمريكي للعراق.
واختار السيستاني طيلة حياته في النجف التي انتقل إليها في أوائل الخمسينيات منهج أستاذه الخوئي في الابتعاد عن الانخراط في العمل السياسي، كما أنه انتهج منهجا وسطا بشأن مبدأ ولاية الفقيه، حيث رفض الولاية المطلقة للفقيه التي قال بها الخميني، واستنبط مبدأ الولاية التنفيذية التي تنحصر بأعمال الفتوى الشرعية المبنية على الإدراك العقلي وليس النقلي وفي الإطار التنفيذي وليس التشريعي، وله أتباع ومريدون كثيرون خارج العراق في إيران ودول الخليج العربي.
مراجع النجف الأشرف
|
|
محمد سعيد الطابطبائي
|
ويقف السيستاني على رأس قائمة تضع ثلاثة مراجع تقليد أخرى يمثلون إلى جانبه الحوزة العلمية بالنجف، فإلى جانبه يوجد آيات الله: محمد إسحق فياض (أفغاني)، والشيخ بشير النجفي (باكستاني) ومحمد سعيد الطابطبائي الحكيم (عراقي).
وقد تعرض المراجع الثلاثة جميعا لمحاولات تصفية بعد الاحتلال الأنجلو أمريكي للبلاد، وكانت أبرزها محاولة اغتيال الحكيم في 24 أغسطس 2003 داخل منزله، حيث أصيب نجله وأحد أتباعه؛ ولذلك برزت ظاهرة احتجاب المراجع الدينية الأربعة عن الأنظار والناس والاعتكاف في منازلهم خوفا على حياتهم، وتم حراسة هذه المنازل من قبل الأتباع والمريدين، وبرز وكلاء يتحدثون باسمهم من الأتباع البارزين أو الأبناء.
ويتسم المراجع الأربعة في النجف الأشرف برفضهم لمبدأ ولاية الفقيه، وكذا الاشتغال بالسياسة من قبل علماء الدين؛ ولذا فهم جميعا -عدا علي السيستاني- لم ينغمسوا بشكل أو بآخر في الأمور السياسية للبلاد حتى بعد احتلالها، وإن كان الأخير نفسه غير راغب في العمل السياسي فنراه يلامسه من بعيد، حيث فرضت مرجعيته العليا عليه أن يكون له وزن سياسي ودور توجيهي حرص على أدائه، ولكن بعيدا عن الأنظار وعدسات التصوير أو الفضائيات وهذه هي السمة الرئيسية لمدرسة التشيع العراقية.
وطالع معنا في الملف:
|