|
ليست مصادفة أن يغيب الموت الفنان الفلسطيني المعروف "إسماعيل شموط" في بداية الشهر الذي أقام فيه أول معرض تشكيلي يقيمه فنان فلسطيني، كان ذلك في التاسع والعشرين من تموز (يوليو) 1953 وكانت جراح النكبة ما زالت طرية في عقل ووعي الفنان المعروف، حيث سجل خلال نصف قرن أو يزيد معاناة شعبه، آماله وطموحاته، تطلعاته للفرح والجنة التي ضاعت في مسقط رأسه في "اللد" وبقية فلسطين.
معرضه الأول في غزة حظي باحتفاء شديد، وكانت مناسبة غير مسبوقة في الحياة الفلسطينية، درجة إطلاق لقب "فنان الشعب" عليه. واللقب ليس بعيدا عن أعمال الفنان الذي جسد في رسوماته ولوحاته الذاكرة الجمعية الفلسطينية، وأصبحت لوحاته بوعي أو بدون وعي تعبر عن ألق الثورة، ومعاناة الفلسطينيين في الداخل والخارج.
وحملت رسوماته التي كانت في معظمها زيتية، مظاهر واهتمامات الفن الواقعي الاجتماعي والسياسي الذي عرف في أمريكا اللاتينية، ودول الاتحاد السوفييتي السابق، حيث عبر عن التزام بقضايا مجتمعه، وشعبه، ولكن الفنان أكد أنه وإن اطلع على مدارس الفن الغربية في أثناء دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة في روما (1954 - 1956) فإنه لم يلتزم بمدرسة أو اتجاه معين؛ فهناك أعمال تحمل في طياتها مظاهر من التعبيرية، والواقعية والرمزية التي تتحول إلى شعرية خاصة، وتجريدية خاصة في المراحل الأخيرة من حياته.
مولده وبدايات فنه
|
|
البيئة التي خرج منها عكستها لوحاته حيث البرتقال والفلاح والأرض
|
ولد شموط في مدينة اللد الفلسطينية في عام 1930، منتميا لعائلة متواضعة مكونة من 10 أفراد، وكان جده حسن الصوت يغني في المناسبات، وهو الذي لفت انتباهه للعلاقة الجمالية بين الطعام وترتيبه العين التي تأكل. أما والده فقد كان بائع خضار، ولهذا السبب تحضر في أعماله الكثير من مظاهر الحياة القروية والفلاحية الفلسطينية، واللوحات التي كرسها، لثمار الأرض الفلسطينية تشير إلى تماهي الفنان مع الحياة الوادعة في بلاده قبل النكبة. وفي هذه اللوحات نعثر على جماليات خاصة للون، والحركة، والإضاءة العالية فيها.
كان أستاذ شموط، "داود زلاطيمو" أول من تنبه إلى موهبة الصبي إسماعيل، حيث وجهه وأخذ بيده. ومع هذا التوجيه، أخذ يغترف من الطبيعة التي كانت تحيط بمدينته، حيث كانت هناك البساتين، والسهول الملونة بألوان الزهور وهذا انعكس بلوحاته الطفولية التي رسمها قبل النكبة فحملت جماليات المكان، وبراءته.
وبعد خروج الفنان وعائلته من بلدتهم في اللد، انخرط في الكفاح اليومي لتأمين لقمة العيش له ولوالده، وعمل بائعا للحلوى، وبعد عام انضم متطوعا في مدارس اللاجئين في مدينة خان يونس، ووجد الوقت للعودة إلى فنه، حيث أخذ يسجل ما يدور حوله من وقائع وأحداث، وذاكرة اللجوء والمخيم الفلسطيني الجديد.
وكانت القاهرة المرحلة التي شكلت رؤيته؛ ففيها تعلم كيف يرسم، وفي أثناء دراسته فيها تعرف على شريكة حياته التي شكل معها ثنائيا فنيا جميلا ومهمًّا، وفي روما تعرف على المدارس الفنية، وبعد عودته من روما، سافر إلى بيروت، ومنها إلى الكويت التي ظل فيها حتى حرب الخليج عام 1992، ومنها سافر إلى ألمانيا، وبعدها استقر في عمان.
الفردوس المفقود
تدور أعمال الفنان شموط حول موضوعين أساسيين: استعادة ما كان والفردوس المفقود وتسجيل مظاهر حياته. أما الملمح الآخر فهو تسجيل الواقع اليومي للفلسطيني ومأساة اللاجئ والخروج من الوطن.
كما أنه واضح في تأكيده على أهمية الفضاء الاجتماعي والعلاقة الحميمية مع الطبيعة التي شكلت وعيه الفني، وظلت هذه التأثيرات الأولية تحضر حتى في أعماله التي أتمها في حقبة التسعينيات من القرن الماضي.
فعندما حدثت النكبة عام 1948 كان "شموط" في بداية التاسعة عشرة من عمره، وكان أحد ضحاياها، فتـركت أثرا واضحا على أعماله الفنية وتوجهاته، خاصة أنه فقد شقيقه الذي مات من العطش، وسجل هذه اللحظة من الخروج الفلسطيني في لوحته "العطش أو جرعة ماء" (1953).
مراحل أربع
|
|
احتفى شموط بالمرأة الفلسطينية وعكس جمالها وإصرارها
|
ويمكن تقسيم أعمال شموط إلى أربع أو خمس مراحل، وهو تقسيم ليس حديا؛ إذ إن شموط كان يعود إلى موضوعاته الأولى، ويكررها بشكل أو بأسلوب آخر، وليس غريبا احتفاؤه بالأمومة، والطفولة، والأرض وأعراسها، والخروج من فلسطين.
فمن ناحية الأسلوب اتسمت أعماله التي رسمها في الفترة ما بين عام 1950 - 1959 بالبساطة والواقعية التي تحولت أحيانا إلي شعرية ورمزية خاصة، وهذا يبرز واضحا في لوحات مثل "إلى أين؟" (1953)، و"بداية المأساة" (1953) و"سنعود" (1954)، و"ذكريات ونار" (1956).
وحظيت لوحة "إلى أين؟" التي ركز فيها الفنان على الطفولة والشيخوخة ثلاثة أطفال وشيخ كبير باهتمام كبير، واحتلت مركز أيقونة في الوعي الوطني الفلسطيني، وهي لوحة مشحونة بالمشاعر، وفي اللوحة بعد شخصي لأنها تسجل رحلة شموط مع آلاف من الفلسطينيين الذين هجروا من أرضهم. حيث نجح بتحويل الواقع الأليم إلى رمز قوي لعب دورا في تشكيل الوعي القومي الفلسطيني في مرحلة الستينيات.
ويظهر هذا المعنى الرمزي في لوحة "هناك جلس أبي" (1957)؛ ولد صغير يجلس علي التراب في خلفية بيوت مدمرة وكرسي من القش؛ وهو ما يؤكد حقيقة موت الأب في المعركة. وفي لوحة "ذكريات ونار" رجل عجوز متلفع بعباءة خضراء، وخلفه أطفال نائمون، عيونه نصف مغمضة، يجلس أمام موقد من النار، ففي جلسة الرجل العجوز، إشارة إلى أرقه وعدم قدرته على تناسي أرضه التي ضاعت. وفي "سنعود" (1954) عجوز بلباسه البلدي، مع أطفال ينظرون للخلف إلى الوطن، وفي عيونهم نوع من الأمل بالعودة إلى الوطن الضائع.
تسجيل الحزن
وعلى خلاف غيره من الفنانين كان شموط معنيا بتسجيل حالة الحزن والضياع، ومعنى أن تكون غريبا، وقسوة الحياة في الهجرة، لكن هذه النبرة تغيرت نوعا ما في المرحلة الثانية (1960 - 1969) حيث حاول الفلسطيني التخلص من حالة التحفز والحزن، وبدايات التخمر الثوري، وعبر عنهما بلوحة "عروسان على الحدود" (1962) و"طاقة تنتظر" و"حتى الفجر" و"رقصة النصر" "إصرار" (1963) و"غصن الزيتون" (1962) وإضراب (1963) والأجنحة المتكسرة (1964).
كما تظهر لوحاته إصرار المرأة الفلسطينية، في شكل متميز، حيث الشال الأبيض على رأسها في رمز يتكرر في أكثر من لوحة، ويقدم جمالية المرأة في كثير من لوحاته، على خلاف القلق والحزن والأرق الواضح في وجوه الرجال إشارة إلى الوطن وجماله.
وتبدو الألوان في هذه المرحلة أكثر تآلفا من لوحات ما بعد النكبة، فقد حملت في طياتها أسلوبا تعبيريا رمزيا، تماهى مع واقعيتها، والملاحظ أنه انشغل منذ البداية بإضفاء طابع فولكوري على لوحاته، سواء من خلال الوجوه، والفضاءات، والمناظر الطبيعية، واللباس، والأشياء، والأثاث، ومعمار البيوت.
استجابة مع الواقع
|
|
قدم لوحات حية واقعية تعبيرية لم تنقصها الأبعاد الرمزية
|
في منتصف الستينيات، عندما خرج الفلسطيني ثائرا ونشأت حركات التحرر، بدأت لوحاته تستجيب لهذا الوضع، من خلال إبراز عامل الأمل، الحركة، والعمل.
وفي السبعينيات طرأ نحو من التحول على أسلوب شموط، حيث نلاحظ عفوية في التعبير، وغياب الواقعية وظهور التجريد، كما في سلسلة لوحاته عن "تل الزعتر" (1976) ورسمها كلها بالألوان المائية وهي لوحات "ما زال فخورا" و"الشمس" و"الدم" و"العطش".. وتسجل ما تعرض له المخيم من مجزرة وفي مجمل هذه اللوحات عودة لموضوع القلق والحزن والعنف، والاعتماد على الألوان الحادة.
بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ومأساة المخيمات الفلسطينية واجتياح بيروت، هاجر شموط إلى الكويت، وقد اتسمت هذه المرحلة بطابع نوستالجي، رومانسي والعودة لاستلهام الطابع الشعبي الفلسطيني مثل لوحات "الضائع في السوق" (1984) "العازفة تنتظر" (1984) وغيرها. وفرح، كما في "مغناة فلسطين" (1970) و"اليد الخضراء" (1973) و"الحياة المستمرة" (1976) و"نساء ينشرن الغسيل الملون" و"الربيع الذي كان" (1960).
حدس بالانتفاضة
ويلاحظ في هذه اللوحات نزوع نحو التعبيرية، الأقرب للتجريد منها للواقع، حس رؤيوي وتنبؤي عندما حلم بالانتفاضة قبل وقوعها بثلاثة أعوام تربص (1984) مجموعة من الأطفال تحمل أحجارا تتربص بالجنود الذين ينتظرون عند باب السوق القديم أو الخان.
وعندما اندلعت الانتفاضة عام 1987 سجلها في لوحة "انتفاضة" التي تصور الخروج الفلسطيني في عنفوانه، صبي شاب يرفع يديه ليس مستسلما لقدره بل يتحدى الاحتلال وسجانه. وفي نفس العام رسم لوحته "بانتظار الفجر" (1987) رجل عيونه محمرة يجلس بملابسه الرثة ينتظر الضوء والحرية.
وفي عام 1985 استعاد ما حدث في مخيمي صبرا وشاتيلا، بألوان غاضبة وعنيفة، حول جثث من الرجال والنساء والأطفال بلوحة "شاتيلا" (1985). وعندما خرج من الكويت أرخ لهذا الخروج بلوحة تشير إلى الحلم المتكسر، والعودة للرحيل مرة ثانية، "حزن في الكويت" (1992).
في عقد التسعينيات وبداية القرن الحالي، أكد شموط علي الموضوعات والثيمات التي حضرت في أعماله الأولى "الجذور" (1991) و"رقص ربيعي" (1993) و"حرية" (1993).
ويتضح من تجربته أنه حاول أن يوازن بين فكرة الحزن التي نتجت عن التشرد والرحيل، وزواجها بالحلم بالوطن المفقود، وأكد على فكرة الأمل، والحرية، والأمومة التي حضرت في كل مراحل حياته الفنية، حيث برزت تلك العلاقة الحميمة بين الأم والطفل، واستجلاء مشاهد الوطن في كرنفاليته اللونية وحركته الشعبية و"ثماره رمانة" (1987) و"البطيخ" (1995) والتوزع بين الحلم والواقع "الحلم والواقع" (1994).
فن شعائري
كما سجل ما حدث للوطن بعد أوسلو، ويبدو أنه نزع نحو التجريد والتعبير في كل ما يتعلق بالاحتلال "معبر إيريز 1، 2" (1997) و"الاحتلال" (2004) و"الجدار" (2004) الذي رصف فيه الفلسطينيين بكل فئاتهم وفؤوسهم وإصرارهم على خلفية الفضاء الفلسطيني الأخضر، وقرب الجدار العنصري.
فن إسماعيل شموط لم يكن فنا شعاريا، بل شعائريا وطقسيا، مهموما بفكرة اللون والتشكيل وانعكاسه على الموضوع لا العكس ولهذا فرحلته الطويلة هي بمثابة سجل وتأريخ باللون والحركة والضوء لنصف قرن من العذاب والأمل والتوزع والحلم بالعودة، وليس غريبا أن يعود في العام الماضي لفكرة العودة في لوحة "سنعود" (2005) أم بزيها الفلسطيني الجميل، وطفلها الحامل شقائق النعمان لوالده الشهيد، وفي البعد الوطن الضائع المخضر.
رحلة شموط هي عن اللاجئ الفلسطيني الذي انتصر على الهزيمة وكافح من أجل الخبز والحرية؛ ففي البداية كان عليه إقناع والده بأهمية الفن وأنه في النهاية يطعم خبزا وليس بالضرورة ترفا، ولكنها أيضا عن التمسك بالألم والربيع الفلسطيني المليء، والمواسم الدينية ومواسم القطاف.. وهي المواسم التي كسرتها النكبة، المأساة التي عاشها مع آلاف من الفلسطينيين.
مات فنان فلسطين، وصانع صورتها رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين الفلسطينيين في ألمانيا عن عمر يناهز 76 عاما بعد معاناة مع المرض، ولكن صوره ستبقى تذكر العالم بعدالة، وألم الفلسطيني وعذاباته.
*نقلا عن صحيفة القدس العربي بتاريخ 7/7/2006، بتصرف يسير.
|