|
صراع الأبطال هو المحور الذي دارت حوله أفكار الأفلام السينمائية في الثمانينات من القرن الماضي، سواءً أكان البطل فكرة أم شخصًا أم هدفًا، وأخذ هذا الصراع شكلاً عنيفًا على مستوى البصر، حيث أفلام الحركة والقتال والخيال العلمي المتصارع مع قوى الكون الخفية، وتميزت أفلام هذه الفترة بالإبهار التكنولوجي، والاعتماد على كَتْم أنفاس الجمهور بالمؤثرات والأحداث المتلاحقة.
مع بداية التسعينات كانت السينما، وخصوصًا السينما الغربية، تعكس أزمة اجتماعية سائدة، في البحث عن حقائق الكون المطلقة، وأخذت الأفلام مع بداية التسعينات منحنى آخر، لم يكن الصراع والعنف هو شكله الرئيسي، بل أصبح الإنسان هو أزمة الإنسان نفسه، وكان هذا تغييرًا كيفيًّا طرح بدوره هذه الأسئلة على الناس والجمهور حول العالم.
ولعل أبرز مظاهر هذا التغير هو الاهتمام بموضوعات جديدة لم تكن تهتمُّ بها السينما الأمريكية من قبل؛ موضوعات همُّها الأول الإنسان والتعبير عنه وعمَّا يؤرقه في هذا العالم حتى لو كان موضوعًا شخصيًّا.
لقد بدأ هذا الاتجاه يتضح بفيلم "الرَّقْص مع الذِّئاب"، والذي أخرجه الممثل الأمريكي كيفن كوستنر والذي كانت الفكرة الأساسية فيه هو احترام الآخر وثقافته، من خلال هذا الجندي الأمريكي الذي اضطرته الظروف إلى العيش مع الهنود الحمر الذين كان يحاربهم ضمن فصيلته.
لنرى تلك النظرة الجديدة للسينما الأمريكية والتي كانت تطرح قبله بأعوام أفلام مثل رامبو؛ هذا الشخصية الأسطورة الذي لا يقهر، والتي ظلَّت وترًا مهمًّا تعزف عليه السينما الأمريكية فترة طويلة؛ لتأكيد سطوتها وقوتها التي لا يمكن أن تُقْهَر وتُهْزَم، وعليه فإنها كانت دائمًا تستخدم الكثير من الخدع والإبهار التكنولوجي، والأفلام ذات الميزانية الضخمة حتى تحقق هذا الجو الأسطوري والذي لا يؤكد فقط الإحساس بالدونية لما سواه، وإنما أيضًا ليؤكد نفس المعنى على المستوى صناعة السينما المختلفة عن النسق الأمريكي الفكري السينمائي.
بدأت السينما الأمريكية تهتم بالمضامين أكثر من اهتمامها بالإبهار والخدع، ففي الفيلم "القلب الشجاع" نرى صورة الإنسان العادي الذي يخاف، ويريد أن يعيش في سلام مع أسرة صغيرة تعيش آمنة في هدوء، فضلاً عن خوفه من بطش الأعداء به وطلبه الثبات من الله حتى لا تهتز صورته كرمز اتخذه الناس وساروا وراءه نحو الحرية.
في هذا الفيلم نجد أمرين غاية في الأهمية:
الأول: فكرة الإنسان الذي يبحث عن حريته بشكل فطري وطبيعي بعد أن تم الاعتداء عليه، وهو ليس هذا النموذج الأمريكي الفَذُّ السابق الذي لا يقهر، لا بل إنه ينهزم وينتصر.. وينجح ويفشل.. ولكنه دائمًا يثابر ويحاول تحقيقًا لحريته وذاته وإنسانيته.
الثاني: موت البطل في آخر الفيلم في سبيل عدم التنازل عن فكرته والتي كان لا يمكن أن ينهزم فيها البطل فكيف به إذًا يموت، ولقد تكرر هذا الأمر وهو موت البطل بعد ذلك في فيلم تيتانيك والذي لم يكن الإبهار التكنولوجي فيه لذاته، وإنما كان لأغراض درامية وتكنيكية لم تكن خارج إطار الموضوع، ولم تكن لمجرد الإبهار، هذا المنحنى الرومانسي الجديد جعل هناك نبرة من الشجن لم تكن موجودة قبل الرقص مع الذئاب.
ولا ننسى أيضًا هنا أن نشير إلى أنه في آخر حفل للأوسكار كانت الأفلام المرشحة - بل والفائزة أيضًا - بعيدة كل البعد عن الطابع الإبهاري، لا على مستوى الصورة في الفيلم ولا بالتالي على مستوى الميزانيات الضخمة والأرقام الكبيرة التي كانت تصرف على الأفلام الأمريكية، فمثلاً فيلم الجمال الأمريكي، وفيلم الحاسَّة السادسة من أقوى المرشَّحِين للأوسكار لاسيما فيلم الجمال الأمريكي الذي حصد أهم الجوائز، بنظرة سريعة عليها نجد أنه يخلو تمامًا من أي إبهار، بل والأهم من ذلك أن الفيلمين جاءا في شكل أفلام عادية والتي يطلق عليها Low Budget Production، إنما كان الاهتمام الأساسي ينصب على المحتوى والأفكار الموجودة في الفيلم؛ فالجمال الأمريكي يقوم بعملية تشريح واضح للمجتمع الأمريكي الآن وما فيه من علاقات أسرية مختلفة ومشاعر يُنْظَر إليها على أنها غير سويَّة وحرية الفرد وحدودها.
وبالتالي لم يَعُد التميز اليوم في السينما الأمريكية لمن يُبْهِر ويستخدم التكنولوجيا البصرية المتقدمة في موضوع هَشٍّ تَمَّ تفصيله لاستخدام هذه المؤثرات البصرية؛ ولكن الاهتمام اليوم أصبح بمن يهتم أكثر بالمؤثرات الإنسانية.
|