|
لم يكن مفاجئًا أن يصنع "ريدلي سكوت" المخرج الإنجليزي الأصل، فيلماً يظل على رأس قائمة الإيرادات لأكثر من ستة أسابيع في الولايات المتحدة الأمريكية، فهو اسم كبير في عالم الإخراج السينمائي بهوليود، لكن مشاهدة الفيلم تطرح العديد من الأسئلة، فضلاً عن علامات التعجب!!
فالقراءة السريعة لسيناريو الفيلم الذي قام بدور البطولة فيه النيوزلندي "راسيل كرو" تؤكد على أنه يحمل رسالة إنسانية تتمثل في التساؤل عن جدوى الحرب وعبثيتها، وتدعو لترك الشعوب تقرر مصائرها وتختار حكامها بنفسها، لكن هذه القراءة تتكسر على أعتاب الصورة التي صنعها "سكوت"، فضلاً عن السيناريو الذي يهزم نفسه بنفسه؛ لترهله وتقليديته، حتى أنك تشعر أنك شاهدت الفيلم من قبل.
ومخرج "المُصارع" المولود عام 1937م في لندن يحتاج لنظرة فاحصة، حيث يظل "سكوت" هو الشفرة القادرة على فك طلاسم فيلمه، وقد تشكل وعيه في المرحلة التي تلي "الحرب العالمية الثانية" التي شهدت تولد تيارات عديدة في الثقافة الأوروبية، ومن ثَمَّ الأمريكية، وكانت في مجملها ترتكز على فكرة "الصراع" بين المدينة والتحضر من جانب، والوحشية من جانب آخر. و"الصراع" كفكرة وأداة مسيطرة على ذهنية "ريدلي سكوت" الإنجليزي الذي نشأ في دولة كانت تستعمر نصف العالم أيامها، وتشكَّل وَعْيه خلالها بمفردات ثقافته، هو صاحب "إيليان" الفيلم الشهير الذي امتزج فيه الخيال العلمي بالرعب، وتيمته الرئيسية كانت هي "الصراع" بين الرقي (المتمثل) في "الإنسان السوبر" و"الكائنات المتحولة" بتشوهاتها ووحشيتها، وهو ما يؤكد أن صراع "سكوت" مستمد من أفكار "نيتشه" التي تؤكد أن البقاء للأقوى، وهي الفكرة نفسها التي قدم من خلالها فيلم "الفردوس المفقود" الذي كان موضوعه اكتشاف كريستوفر كولمبس لأراضي أمريكا، ويركز أيضًا على الصراع بين المكتشف المتحضر، والكائنات الوحشية في المكان.
|
في فيلم "المصارع" يختار ريدلي الإمبراطورية التي يدور على أرضها الصراع - هذه المرة أيضًا - تشبه تلك المملكة الاستعمارية التي ولد ونشأ فيها، وتمثل ما يزيد عن نصف العالم وهي الإمبراطورية الرومانية التي تمتد حدودها من أواسط أفريقيا وحتى الحدود الشمالية لأوروبا، ويدور صراع الفيلم داخل الإمبراطورية ذاتها، حيث يلعب ريدلي على التِّيْمة نفسها التي لعب عليها سينمائيو هوليود كثيرًا، حيث البطل القوي النبيل الشريف الذي ينتصر لقيمه، ونراها واضحة في سلاسل أفلام روكي وكوماندو وغيره.
ورغم التمجيد الذي قد يكون ناطقًا "من خلال حوار الفيلم" للحضارة الرومانية فإن "سكوت" تعمَّد أن تكون الإضاءة خافتة حتي في مشاهد النهار الخارجية التي تدور أحداثها في روما أو ما جاورها من حدود الأمبراطورية الرومانية بما يخلق صورة لدى المشاهد عن الحضارة الرومانية خافتة مثل إضاءة المشاهد ، أماعند الإشارة إلى آخرين "ليسوا أوروبيين" فهم كما عبر عنهم المخرج في فيلمه إما عديمو الأخلاق أو عبيد "الإفريقي الأسود العبد، والعرب الذين التقطوا القائد المهزوم وباعوه للنخاس؛ ليصبح عبدًا"، إنه موقف يبدوعنصرياً مع الحضارة الشرقية.
في الفيلم القائد "ماكسيموس" محل ثقة الإمبراطور "ماركوس أوريليوس"، ويريد أن ينقل إليه الحكم بعده، بدلاً من ابنه الحاقد لكن الابن يقتل الأب، ويسعى لقتل القائد الذي يفلت بأعجوبة، لكنه يقع في أسر صاحب مدرسة العبيد المصارعين؛ ليتحول إلى مصارع، حتى تقام حلبة المصارعة في روما مرة أخرى، ويعود ماكسيموس إلى روما مصارعًا؛ لينتقم ومثل كل الأفلام المتوقعة يفوز البطل وينتصر الحق!.
وليؤكد الفيلم مفهومه الذي يريد تمريره عن الديمقراطية وحكم الشعب، يقف مدرب المصارعين ناصحًا "ماكسيموس" وقائلاً: "اكسب الجمهور.. اكسب الجمهور"، فلا يهم أن تكون مصارعًا قويًّا أو سياسيًّا نظيفًا وجادًّا، المهم أن يتمسك بك الجمهور أو بلغة الفيلم التي رددها أكثر من مرة "الغوغاء والدهماء والرعاع"، هؤلاء هم الذين يرسمون ملامح الديموقراطية ويثبِّتُون أركان الحاكم والنظام، أو هكذا يظن "سكوت" في فيلمه "المصارع"!
|