|
| ميركل بعد الفوز
|
"الكل يتأثر بأحداث حياته وبدهي أن تنعكس هذه التأثيرات على الدوافع السياسية" هذا ما صرحت به أنجيلا ميركل أول مستشارة في تاريخ ألمانيا لتفتح بابا أمام الفضول الإعلامي لسبر غور هذه المرأة والكشف عن جوانب حياتها الخفية التي ضربت حولها ستارا حديديا بدأ في الانهيار رغما عنها.
التكوين
ولدت "أنجيليكا دوروتيا كاسنر" يوم (17 أبريل 1954م) في مدينة هامبورج الساحلية في شمال ألمانيا، ثم بعدها انتقلت أسرة الطفلة أنجيلا وهي ابنة ستة أسابيع إلى منطقة "مارك براندنبورج" بشرق ألمانيا؛ حيث عمل والدها القس "كاسنر" البروتستانتي اللوثري كاهنا في مدينة "تيمبلن" في ولاية "براندنبورج".
وعن الانتقال المفاجئ للأسرة إلى شرق ألمانيا تقول أنجيلا: إن أباها من مواليد مدينة "بانكوف" التابعة لبرلين الشرقية -آنذاك- وكان دائما يرنو كقس أن يعود إلى المناطق التي تخضع للاحتلال الروسي، والتي كان يرى أنها تستحق الخدمة أكثر من أي مكان آخر.
وتدافع أنجيلا عن قرار أبيها بالارتحال شرقا؛ حيث تقول: "كان يمكن له البقاء في ألمانيا الغربية حيث مجالات الحياة أرحب، ولكنه آثر الرحيل، وقد قام بالفعل بالدراسة في مدينتي بيلفيلد وهامبورج"؛ حيث تعرف إلى الأم المعلمة "هيرليند" وولدت أنجيلا هناك.
نشأت أنجيلا مع أخويها "ماركوس" 1957 و"إيرينا" 1964 في أسرة متدينة تسود فيها الأخلاق المسيحية البروتستانتية الغربية والأخلاق والتعليم والالتزام بالمسئولية، وكانت توجيهات الأم صارمة لأولادها، وكانت الأم –دائما- تقول لأبنائها الثلاثة: "أريد أن تكونوا أفضل من الجميع وإلا فلن أرسلكم إلى المدرسة"، و"ما يحدث في البيت يجب عدم تسريبه إلى الخارج أبدا".. إذن فالتحدي والتكتم هما اللذان رافقا ميركل في مشوار حياتها.
التلميذة الحديدية
|
|
ميركل
|
كانت أنجيلا الأفضل بين التلميذات في مدرستها، وتفوقت في مادتي الرياضيات واللغات وخاصة اللغة الروسية وتعلمت أن تضبط نفسها وقتما يوجه لها الانتقاد على مظهرها أو سلوكها، وبفضل تفوقها في اللغة الروسية حصلت على منحة للسفر إلى روسيا، وكانت تعتبر كلمات "دونات" مدرس الفصل "التفوق واجب" موجهة إليها شخصيا؛ حتى إنها لقبت وهي بالصف الثامن بالتلميذة الحديدية نظرا لإصرارها على التفوق العلمي، وهو ما جعل الصحف تكتب عنها رغم حداثة سنها، وكانت أمنيتها منذ الصغر أن تكون مدرسة للغة الروسية والفيزياء، أما "كاسي" فكان هو لقبها في المدرسة نسبة إلى أبيها القسيس.
وكانت الشابة أنجيلا دائمة الحديث مع أسرتها عن ألمانيا الغربية. وكانت كما تروي تطيل الحديث بهذا الشأن مع أبويها خاصة في السن ما بين 18 و24 عاما، أما أمها فكانت تقارن بين أحوال أبناء أختها المقيمين بمدينة هامبورج في ألمانيا الغربية، وبين حال أولادها، وتسللت هذه الأفكار إلى أنجيلا ورأت الشابة الصغيرة أنه ليس هناك فارق بينها وبين أبناء خالتها إلا في الملابس التي كانت بلا شك أفضل مظهرا وصناعة عن مثيلاتها في ألمانيا الشرقية، وكانت كلما رأت مشكلة تعترضها ليس لها حل في ألمانيا الشرقية تقول لنفسها إنني أحمل الجنسية الألمانية ويمكنني في أي وقت الارتحال إلى الغرب.
فقدان الثقة..
أنهت أنجيلا دراستها الثانوية بـ"تيمبلن" وانتقلت للدراسة بجامعة ليبزج منذ عام 1973؛ حيث تخصصت في دراسة الفيزياء وأنهت بها دراستها الأولية في عام 1978، وخلال فترة الدراسة تعرفت إلى زميل لها وهو "أولريش ميركل" وسرعان ما تزوجا بعد أن تعددت لقاءاتهما التي رصدتها أجهزة الاستخبارات الشرقية، غير أن هذا الزواج لم يدم طويلا حيث قررا الانفصال في عام 1982 أي بعد 4 أعوام ونصف العام فقط من الزواج.
ويبدو أن الانفصال كان بسبب اختلاف الطباع بين الطرفين فهو رجل هادئ الطباع محب للبيت، أما هي فامرأة نشيطة مفعمة بالحياة محبة للاتصال بالآخرين.
أما السيدة ميركل فقد تعددت صداقاتها خارج إطار الزواج، وفي الوقت نفسه تعرفت إلى صديق اعتبرته أقرب الأشخاص إليها، وكان يرافقها في أتراحها وأفراحها، ولكن صدمتها الكبرى أنها اكتشفت أنه عميل لجهاز أمن الدولة بألمانيا الشرقية، وكان يمد المخابرات الشرقية بأدق تفاصيل حياة ميركل.
وقد تزوجت ميركل من "يواخيم زاور"، وهو أستاذ كيمياء، وتم الزواج في يوم 30 ديسمبر 1998 في برلين، وتطلق ميركل عليه الرجل الرائع، ويرى زملاء "يواخيم" أنه من أفضل 30 رجل في العالم في تخصصه، وهو نابغ منذ صغره، حيث حصل على الدكتوراة من جامعة هومبلدت وهو في سن الخامسة والعشرين، وحصل على درجة الأستاذية لما كان عمره 36 عاما.
الحياة المهنية والسياسية
|
|
زوج ميركل
|
في عام 1978 بدأت ميركل حياتها المهنية، فبدأت بالعمل في المعهد المركزي للكيمياء الطبيعية ببرلين كباحثة؛ وفي عام 1986 حصلت على درجة الدكتوراة وعملت حتى عام 1990 في مجال كيمياء الكم.
في نهاية عام 1989 انضمت ميركل لحركة النهضة الديمقراطية المقربة من الكنيسة البروتستانتية وفي نفس العام انضم أبوها "كاسنر" إلى "المنتدى الديمقراطي الجديد"، وكذلك انضمت الأم "هيرليند" إلى صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أما شقيقها "ماركوس" فانضم إلى حزب الخضر، وكأن الأسرة بكاملها كانت في انتظار انهيار النظام الشيوعي حتى يعبر كل منهم عن اتجاهاته، فذهب كل منهم إلى طريق مناقض تماما للآخر.
أما حركة النهضة الديمقراطية التي انضمت إليها ميركل فكانت بقيادة المحامي "فولفجانج شنور" والقس "راينر أيبلمان"، وبعد انضمامها بأشهر معدودة قابلها "شنور" الذي لم يكن يعرفها وأمرها بتنفيذ مطلب للحركة، إلا أنها أجابت بأنها غير مفوضة من قبل القيادة؛ فكان رده أنه عينها الناطقة الإعلامية بلسان الحركة. ولكن وقبل نهاية العام اكتشف أعضاء الحركة أن "شنور" كان عميلا لأمن الدولة الشرقية، وأدى ذلك إلى تفتت الحركة.
وفي خلال سنوات قليلة صعد نجم ميركل بسرعة فائقة لتتحول من باحثة فيزيائية مغمورة تعمل في أحد معاهد برلين الشرقية إلى سياسية أصبحت حديث الساعة في ألمانيا.
وفيما بين عامي 1989 و1990 عاشت ميركل زخم الوحدة الألمانية، وهو ما أعطاها فرصة التعبير عن قناعاتها السياسية، وفي عام 1990 أصبحت نائبة المتحدث باسم حكومة "لوثر دي مايسيير" رئيس وزراء ألمانيا الشرقية في الفترة ما بين انهيار سور برلين في 9 نوفمبر 1989 وإعلان الوحدة في 3 أكتوبر 1990.
وفي فبراير 1990 ودعت ميركل البحث العلمي نهائيا وتفرغت للحياة السياسية، وأثنت صحيفة "دي فيلت" الألمانية في عددها بتاريخ 3-1-1991 على عملها بأنها مصدر "شرقي" مهم ومساعد في نشاط الحكومة من خلال كلماتها السديدة وهدوئها اللافت خلال اجتماعات الحكومة.
وفي أغسطس من عام 1990 قررت ميركل التحول للحزب الديمقراطي المسيحي بألمانيا (الشرقية)، وبعد عدة أشهر من انضمامها للحزب، وتحديدا في الثالث من أكتوبر 1990 -تاريخ الوحدة الفعلية لألمانيا- أنهت ميركل عملها في حكومة ألمانيا الشرقية.
وفي أول انتخابات للبرلمان الألماني الموحد يوم 20 ديسمبر 1990 أصبحت ميركل عضوة بالبوندستاج بعد حصولها على نسبة 48.5% من أصوات الناخبين أمام اثنين من المنافسين.
ولم يكن ترك البحث العلمي والتوجه للسياسة بالقرار السهل في حياة ميركل؛ فالبحث العلمي يتطلب من الباحث الكشف يوميا عن شيء جديد، أما في لعبة السياسة فالأمر يختلف؛ حيث يتم الحديث لمدة طويلة من الزمن عن نفس الشيء مع تحوير الكلمات فقط حتى لا يمل الناس.
فتاة كول المتمردة
طريق ميركل للوصول إلى قمة القيادة السياسية بألمانيا لم يكن وفق النهج التقليدي المتبع لدى الحزب الديمقراطي المسيحي؛ فهي لم تتلق تعاليم الكنيسة الكاثوليكية بل البروتستانتية. كما أنها لم تكن منذ نعومة أظفارها من المشتغلين بالسياسة بل سلكت طريق البحث العلمي فعملت أستاذة للفيزياء بالجامعة. ربما كان لذلك التأثير البعيد في قوة إرادتها الساعية لإثبات وجودها في مجتمع الرجال "الكاثوليك".
وتمكنت ميركل من لفت انتباه المستشار الأسبق هيلموت كول -مهندس الوحدة الألمانية- بسرعة صعودها، وهو ما شجعه لاختيارها في 18 يناير 1991 لتشغل منصب وزيرة شئون المرأة والشباب بحكومته وأثبتت كفاءة أعجبت كول وقربها إليه، وكان يناديها دائما بـ"فتاتي"، كما كان يصفها بـ"الفتاة المتدينة الخجولة".
وخلال عملها وزيرة للمرأة كان لها قراراتها التي أثارت حولها العديد من الانتقادات داخل ألمانيا ولكنها واجهتها بعزم استنادا إلى إيمانها البروتستانتي، فقد عارضت ميركل قانون حق الإجهاض للمرأة وصوتت ضده، كما عملت على تقديم المزيد من الدعم لقضايا المرأة في سوق العمل والمساواة مع الرجل.
وتمكنت ميركل خلال فترة بسيطة من تولي منصب نائب رئيس الحزب بإحدى الولايات في 15 ديسمبر 1991 حتى عام 1996، وفي نفس الفترة من عام 1994 انتقلت من وزارة المرأة لتصبح وزيرة شئون البيئة وأمن المفاعلات النووية. وخلال عملها بهذا المنصب أيدت سياسة بناء محطات الطاقة النووية، وتصدت لدعاة البيئة ودعاة التخلص من النفايات النووية، وفاجأت الجميع بدعوتها لإنزال أقصى العقوبات بالمتظاهرين الذين يحاولون عرقلة وصول قطارات النفايات النووية من مدينة لاهاج الفرنسية إلى مقبرة جورليبن النووية في ألمانيا.
ومع سقوط حزبها في الانتخابات البرلمانية عام 1998 سُحبت وزارة البيئة من ميركل، إلا أنها ظلت نائبة بالبرلمان، وفي أكتوبر من نفس العام رُشحت ميركل لمنصب أمين عام الحزب لتصبح أول امرأة من القسم الشرقي تشغل هذا المنصب.
وخلال أزمة الفضيحة المالية التي تعرض لها الحزب وكادت تعصف به في عام 1999 والتي كان بطلها هيلموت كول، جاءته الطعنة من حيث لا يحتسب. فقد أدلت ميركل الأمينة العامة للحزب بتصريحات لصحيفة فرانكفورتر ألجماينه يوم 20 ديسمبر 1999 تحمل فيها مسئولية الفضيحة كاملة لـ"كول" مطالبة إياه بالكشف عن جميع جوانبها، وكانت هذه التصريحات البداية في نهاية حياة كول السياسية، وصعود ميركل لتصبح في مارس عام 2000 السيدة السياسية الثانية بالنسبة للألمان. وهو ما دعم موقفها لتصبح رئيسة للحزب الديمقراطي المسيحي في نفس العام كأول "امرأة" "بروتستانتية" من شرق ألمانيا تتولى هذا المنصب.
المرأة الحديدية
يعتقد العديد من المحللين السياسيين أن تسريحة شعر ميركل الثابتة على مر السنوات، هذه التسريحة مصدر تهكم النساء الألمانيات دائما، تتطابق تماما مع خلفيتها الدينية المتشددة وعصاميتها وبرجماتيتها، فالجميع يسخرون من أسلوبها في الحديث وخجلها وتسريحة شعرها، وهي لا تعير اهتماما لكل هذا، بل إنها قد تبدي ما يجعل الناس تزداد في الحديث عن هذه الموضوعات لتشغلهم عن هدفها الذي تسعى إليه.
لقد خدعت الجميع حتى المستشار الألماني السابق شرودر نفسه الذي لم يستطع أن يمسك بخيوط اللعبة مثلما أمسكت بها ميركل، فبينما اعتمد شرودر على رصيده السياسي وخبرته في التعاطي أمام الكاميرا ووسائل الإعلام، معتبرا أن انتصاره مفروغ منه أمام منافس هزيل مثل ميركل؛ صبرت ميركل واستوعبت خطأ شرودر والتزمت الصمت تجاه تعليقاته وعدلت من خططها ولم تغير من شكلها.
ميركل: أنا سعيدة
حصل حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بزعامة ميركل على أعلى نسبة في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في 18 سبتمبر 2005 بفارق بسيط أمام منافسه الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة جيرهارد شرودر.
وشددت ميركل على أحقيتها في الحصول على منصب مستشار ألمانيا، بينما زعم شرودر أحقيته بالبقاء في هذا المنصب. ولم يتمكن أي حزب من الحصول على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة. وخضع شرودر في النهاية لطلبات ميركل؛ حيث انسحب من الحزب ليسمح بإجراء مفاوضات لتشكيل الائتلاف، وترك شرودر مقر المستشارية وعيناه مغرورقة بالدموع، بينما دخلته ميركل وكان أول تصريح لها "أنا سعيدة".
يجمع الكثيرون على أن تولي ميركل لأرفع منصب سياسي في ألمانيا يعتبر حدثا تاريخيا، فترشيح أنجيلا ميركل يعطي دليلا على تكريس الوحدة الألمانية على أرض الواقع.
ولا يبدو أن هناك تغيرات جوهرية في سياسة ألمانيا الخارجية المعتادة تجاه الشرق الأوسط، وخاصة الالتزام بالمحافظة على أمن إسرائيل وإمدادها بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، أو التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولة خاصة به مجاورة لإسرائيل.
كما أعلنت ميركل أن ألمانيا ليس لديها أية نية لتعديل موقفها بشأن العراق، وأشارت إلى أن بلادها لن تشارك في عمليات قوات حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في أراضي العراق، رغم مشاركتها في تدريب عناصر من الشرطة العراقية.
ولكن الشعب الألماني ما زال يذكر لميركل تأييدها المعلن لشن أمريكا الحرب على العراق؛ في الوقت الذي كان المستشار السابق جيرهارد شرودر قد عارض بشدة حرب الولايات المتحدة.
كما أن غالبية الألمان تشكك في صدق نوايا ميركل تجاه الملف العراقي؛ خاصة في ظل توجهاتها المعروفة نحو واشنطن.
وتتوقع العديد من النساء الألمان أن يكون صعود ميركل طفرة جديدة لهن، ولم تخيب ميركل هذا الظن؛ حيث قالت إن وجودي في هذا المنصب بشارة طيبة لجميع النساء، وأكدت أنها ستكرس كثيرا من وقتها وجهدها من خلال منصبها الجديد للنساء اللاتي يعانين من مشاكل في سوق العمل، ودعت النساء العاملات إلى تشكيل "لوبي" يسهل المطالبة بحقوقهن أمام النقابات العمالية.
وأبدت ميركل تعنتا لحجاب المرأة المسلمة؛ حيث قالت إن حظر حجاب المدرسات المسلمات واجب يجب أن ينفذ ولكنه لن يسير على التلميذات، فالمرأة التي تعمل مدرسة بحسب ما ترى ميركل تمثل الدولة ولا يصح أن ترتدي ما يناقض اتجاه الدولة العلماني.
باحث وصحفي مقيم في ألمانيا.
|