|
يشيع مصطلح المصلحة العامة في المدارات الثقافية تارة والشرعية تارة أخرى والسياسية تارة ثالثة، ولكن هل المصلحة العامة لا تتعدى كونها عبارة دارجة أم أنها تتخطى ذلك لتكون مصطلحا له دلالته الفكرية والفقهية والسياسية؟ هذا ما نحاول أن نتعرض له في هذه الدراسة؛ لنتاول فيه عددا من المحاور:
"العام" ودلالاته
يجدر بنا البدء بتعريف العموم ودلالة وصف "العامة" في المفهوم حيث إن في بيان معنى المصلحة تفصيلا قادما، لذا نبدأ بتعريف معنى "العامة".
فكلمة "العامة" من الجذر اللغوي "عمم"، ومنه يقال: شيء عميم أي تام، وجارية عميمة، وعماء: طويلة تامة القوام والخلق. والعمم: الجسم التام، وأمر عمم: تام عام.
وعمهم الأمر: شملهم الأمر، يقال عمهم بالعطية، ورجل معم يعم القوم بخيره. والعامة خلاف الخاصة، وفى الحديث: "سألت ربى ألا يُهلك أمتي بسَنة بعامة"(1)، أي بقحط عام يعم جميعهم، والباء في "بعامة" زائدة.
والعم: الجماعة، وقيل الجماعة من الحي، وقيل الخلق الكثير، والعماعم الجماعات المتفرقون(2).
ومن الدلالات اللغوية السابقة يمكن الانتهاء إلى الآتي:
1- لفظ "العامة" يفيد التمام والشمول في مفهوم المصلحة من جهة موضوع الصلاح والمصلحة؛ إذ يشتمل على الأبعاد المعنوية والأبعاد المادية في الحياة الإنسانية.
2- لفظ "العامة" يفيد الكثرة العددية أو الجماعة كبيرة العدد، وهذه إشارة إلى المجتمع صاحب المصلحة، فالمصلحة العامة هي مصلحة الجماعة كبيرة العدد، أو ما يسمى بالمجتمع السياسي.
3- ومن بين دلالات لفظ "العامة" استغراق الأمر، وهذه دلالة تتعلق بما قبلها بمعنى أن المصلحة العامة تعني استغراق النفع الحاصل من المصلحة وشموله لأفراد الجماعة صاحبة المصلحة.
إذن فالمصلحة العامة هي النفع التام الشامل موضوعاً أي معنوياً ومادياً والذي يستغرق ويعم الجماعة الكثيرة العدد من حيث النطاق الشخصي أو الإنساني للنفع، ويدخل في هذا دفع الضرر والفساد اللاحق بهذه الجماعة.
وهنا تبرز علاقة التكامل بين الصلاح العام والصلاح الخاص، فليس الأمر تنازعا أصليا أو تناقضا تطغى فيه الجماعة على المصلحة الفردية بشكل مطلق تام، وفي هذا المقام نجد للإمام الماوردي كلاما نفيسا في علاقة تكامل بين الصلاح العام على المستوى الكلى والصلاح الخاص على المستوى الجزئي، فيقول في كتاب "أدب الدنيا والدين" ما نصه:
"صلاح الدنيا معتبر من وجهين: أولهما ما ينتظم به أمور جملتها. والثاني ما يصلح به حال كل واحد من أهلها، فهما شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بصاحبه، لأن من صلحت حاله مع فساد الدنيا واختلال أمورها لن يعدم أن يتعدى إليه فسادها، ويقدح فيه اختلالها، لأنه منه يستمد ولها يستعد، ومن فسدت حاله مع صلاح الدنيا وانتظام أمورها، لم يجد لصلاحها لذة ولا لاستقامتها أثرا.. هذا فصلاح الدنيا مصلح لسائر أهلها، لوفور أماناتهم، وظهور دياناتهم، وفسادها مفسد لسائر أهلها لقلة أماناتهم وضعف دياناتهم. وقد وجد ذلك في مشاهد الحال تجربة وعرفا، كما يقتضيه دليل الحال تعليلا وكشفا، فلا شيء أنفع من صلاحها، كما لا شيء أضر من فسادها، لأن ما تقوى به ديانات الناس وتتوفر أماناتهم، فلا شيء أحق به نفعا، كما أن ما به تضعف دياناتهم وتذهب أماناتهم، فلا شيء أجدر به ضرراً".
ويرى الإمام الماوردي أن مقومات المصلحة العامة تكمن في ستة أشياء تمثل قواعد بها تصلح الدنيا، فتصير أحوالها منتظمة وأمورها ملتئمة، وهذه القواعد هي:
القاعدة الأولى: ديـن متبـع
أي دين مطاع، والدين يصْرِف النفوس عن شهواتها، ويعطف القلوب عن إرادتها، حتى يصير قاهرا للسرائر، زاجرا للضمائر، رقيبا على النفوس في خلواتها نصوحا لها في ملماتها.. ولذلك ثبت أن الدين من أقوى القواعد في صلاح الدنيا، وهو الفرد الأوحد في صلاح الآخرة، وما كان به صلاح الدنيا والآخرة فحقيق بالعاقل أن يكون به متمسكا، وعليه محافظا، وقال بعض الحكماء: الأدب أدبان: أدب شريعة، وأدب سياسة، فأدب الشريعة ما أدى الفرض، وأدب السياسة ما عمر الأرض، وكلاهما يرجع إلى العدل الذي به سلامة السلطان وعمارة البلدان، لأن من ترك الفرض فقد ظلم نفسه، ومن خرب الأرض فقد ظلم غيره"(3).
القاعدة الثانية: سلطـان قاهـر
"تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة وتنكف بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمع من خوفه النفوس المتعادية".
والقهر هنا لا يعني البطش بل هو لفظ مقابل لمصطلح السيادة في العلوم السياسية الحديثة والذي يشير للسلطة السياسية وما لها من دور وصلاحيات في إدارة المجتمع وعلاقة توازن القوة المركبة بين المجتمع السياسي وصاحب سلطة الخلافة الأصلية ووجود السلطة الذي لا يتم تحقيق المقاصد الشرعية إلا به.
ويبين الماوردي ما يلزم قيادة الأمة من وظائف ومسالك يصلح بها أمر الأمة وهي سبعة أشياء:
أ- حفظ الدين من تبديل فيه، والحث على العمل به من غير إهمال له.
ب- حراسة البيضة (أي حماية حوزة الإسلام وساحة الأمة) والذب عن الأمة من عدو في الدين أو من باغي نفس أو مال.
جـ- عمارة البلدان باعتمـاد مصالحها وتهذيب سبلها ومسالكها.
د- تقدير الأموال بسنن الدين من غير تحريف في أخذها وإعطائها.
هـ- رفع المظالم والأحكام بالتسوية بين أهلها واعتماد النصفة في فصلها.
و- إقامة الحدود على مستحقها من غير تجاوز فيها ولا تقصيـر عنهـا.
ز - اختيـار ولاة الأمـور من أهل الكفاية فيها والأمانة عليهـا.
القاعدة الثالثة: عـدل شامـل
والعدل من الاعتدال، فما جاوز الاعتدال فهو خروج عنه، ووجب أن يبدأ الحاكم بالعدل في نفسه، ثم يعدل مع غيره، فمن ظلم نفسه فهو لغيره أظلم، ومن جار عليها فهو على غيرها أجور.
القاعدة الرابعة: أمـن عـام
"تطمئن إليه النفوس، وتتيسر فيه الهمم ويسكن فيه البريء ويأنس به الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة.. لأن الخوف يقبض الناس عن مصالحهم ويحجزهم عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد التي بها قوام أودهم، وانتظام جملتهم.. والأمن المطلق ما عم، والخوف قد يتنوع تارة ويعم أخرى، فأما تنوعه فبأن يكون تارة على النفس، وتارة على الأهل، وتارة على المال، وعمومه أن يستوعب جميع الأحوال".
القاعدة الخامسة: خصـب دارُّ
"تتسع النفوس به في الأحوال، ويشترك فيه ذو الإكثار والإقلال، فيقل في الناس الحسد، وينتفي عنهم تباغض العدم، وتتسع النفوس في التوسع، وتكثر المواساة والتواصل.
والخصب يكون من وجهين: خصب في المكاسب، وخصب في المواد. فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من خصب المواد، وهو من نتائج الأمن المقترن بها. وأما خصب المواد فقد يتفرع عن أسباب إلهية، وهو من نتائج العدل المقترن بها"(4).
القاعدة السادسة: أمل فسيح (تخطيط المستقبل)
لتكون الأحوال على الأعصار ملتئمة، والأمور على ممر الدهور منتظمة، ولو قصرت الآمال ما تجاوز الواحد حاجة يومه، ولا تعدى ضرورة وقته، ولكانت تنتقل إلى من بعده خرابا لا يجد فيها بلغة، ولا يدرك منها حاجة، ثم تنتقل إلى من بعد بأسوأ من ذلك حالا حتى لا ينمى بها نبت، ولا يمكن فيها لبث".
فهذه القواعد الست التي تصلح بها أحوال الدنيا وتنتظم أمور جملتها، فإن كملت فيها كمل صلاحها، وبحسب ما اختل من قواعدها يكون اختلالها وفسادها. 
المصلحة العامة في الوحي القرآني
لقد ذكرت مادة "صلح" ونقيضها مادة "فسد" في القرآن الكريم فيما يزيد على مائتي موضع، في سياقات مختلفة في الخطاب القرآني، تعبر جميعاً عن دلالات متباينة ولكنها متضافرة، ومن الملاحظ أن صيغة المصدر الميمي "مصلحة" لم ترد في خطاب القرآن ضمن الاشتقاقات الأخرى للجذر اللغوي "صلح" وإن وردت صيغة المصدر "صلاح" "وإصلاح". وبالمثل فإن صيغة "مفسدة" لم ترد في خطاب القرآن الكريم ضمن الاشتقاقات الأخرى للجذر اللغوي "فسد" وإن وردت صيغة المصدر "فساد" و"إفساد"(5).
وبالنظر في نماذج من مواضع الجذر "صلح" ونقيضه الجذر "فسد" يمكن الانتهاء إلى الدلالات الآتية:
أولاً: دلالات وأبعاد مفهوم المصلحة العامة من سياق خطاب القرآن:
إن الناظر في استخدام اشتقاقات مادتي "صلح" و"فسد" في خطاب القرآن يجد عدداً من الدلالات المصلحية التي يأمر بتحصيلها ونقيضها مفاسد ينهى عن إتيانها، هذه الدلالات تشكل فيما بينها ملامح أبعاد مفهوم المصلحة العامة ومحتواه، ويمكن الإشارة إلى هذه الدلالات على النحو الآتي:
1- يدل سياق خطاب القرآن على أن الإيمان بالله وتوحيده مصلحة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه البعد العقيدى أو المعنوي في مفهوم المصلحة، فقد ورد قوله تعالى ]وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون[(6)، فالإصلاح قرين الإيمان، وكلاهما مصلحة واجبة التحصيل كما يبين من هذا السياق، وأصلح هنا أي فعل الصلاح، وهو الطاعة لله فيما أمر ونهى، لأن الله ما أراد بشرعه إلا إصلاح الناس كما حكى عن شعيب(7) ]إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت[(8).
وفى موضع آخر يربط الخطاب القرآني بين الدلالات المصلحية وقيمة التوحيد حيث يقتضي تعدد الآلهة فساد الكون يقول تعالـى: ]لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا[(9) وفيهما أي في السماوات والأرض، والفساد –كما سبق- هو اختلال النظام وانتفاء النفع. وفساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين، ولا متسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بهما، إذ لو تعددت الآلهة لاقتضى التعدد اختلاف متعلقات الإرادة المطلقة، والقدرة التامة على التصرف باختلاف مصالح رعاياهم أو مواطنهم، فثبت أن التعدد يستلزم اختلاف الإرادات وحدوث الخلاف ]وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض[(10)، فلا جرم دلت مشاهدة دوام السماوات والأرض على انتظامهما في متعدد العصور والأحوال على أن إلهها واحد غير متعدد(11).
ومن تتبع سياق خطاب القرآن في استعماله لاشتقاقات مادة "صلح" تجده يضيف دلالة مصلحية تتعلق بهذا البعد المعنوي بشكل أو بآخر، وهي مفسدة كتمان العلم، يقول تعالى: ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم[(12). والخطاب القرآني هنا يظهر الوعيد الشديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدي النافع للناس، لأن كتم العلم والهدى مفسدة توقعهم في الضلالة.. ويحرم بطريق القياس الذي تومئ إليه العلة أن يُبث في الناس ما يوقعهم في أوهام، بأن يُلقي فيهم ما لا يحسُن تنزيله ولا تأويله، فهذا وأضرابه تلحقهم اللعنة باستثناء من تاب منهم وأصلح ما أفسد بكتمانه العلم النافع، وذلك بإظهار ما كتمه للناس وبيانه لهم(13).
وبذلك يكشف الخطاب القرآني في استعماله لمادة "صلح" عن مفسدة "كتمان العلم الشرعي"، ودرؤها يكون بإظهاره ونشره في الناس، ويرتبط بذلك إشاعة ما فيه مفسدة وتزييف للعقل والفكر، وهذا يعبر عن البعد المعنوي في مفهوم المصلحة العامة، الذي يتضمن أن الإيمان مصلحة يجب تحصيلها ومفهوم المخالفة أن الكفر مفسدة يجب درؤها، وأن كتمان العلم الشرعي وعدم نشره وإظهاره بين الناس مفسدة لا تؤتى، وإظهاره بالدعوة إليه والعمل على نشره مصلحة شرعية يجب العمل على تحقيقها، وأن بث الأوهام، والأفكار الهدامة، مفسدة للعقل، ودفع ذلك مصلحة.
2- إن استخدام مادة "صلح" في سياق خطاب الوحي يبين الدلالات المادية المرتبطة بالمصلحة ونقيضها المفسدة، الأمر الذي يكشف عما يمكن أن يسمى بالبعد الاقتصادي في مفهوم المصلحة العامة، يبين ذلك في قوله تعالى: ]وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد[(14)، وتولى من الولاية، يقال: ولي البلد وتولاه أي صار واليا، والمعنى إذا تزعم ورأس الناس سعى في الأرض بالفساد وذلك بإهلاك الحرث والنسل، والحرث هو محل نماء الزروع والثمار، والنسل هو نتاج الحيوانات، ولا قوام للناس إلا بهما، وليس المراد خصوص هذين، بل المراد ضياع ما به قوام الناس من خيرات الأرض، وهذا جار مجرى المثل. وقد نهى الشارع عن إتيان هذه المفاسد الاقتصادية لأن الله لا يحب الفساد بسبب ما فيه من خراب وتدمير للموارد والإمكانات التي أودعها في الكون قواما لحياة البشر، ومن ثم دلت الآية بمفهوم المخالفة على الحرث وزراعة الأرض وغرسها بالأشجار حملا على الزرع وطلب النسل وهو نماء الحيوان، وأن المسلك السياسي للاقتصاد يكون باتجاه هذه المصالح، وبذلك يتم قوام المجتمع الإنساني حيث تكمن المصلحة(15).
يدعم هذه الدلالة المصلحية المتعلقة بالبعد الاقتصادي التي يشير إليها استعمال الخطاب القرآني لمادتي "صلح" "وفسد" في سياقه ما ورد على لسان شعيب لقومه ]فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون[(16) فقد أمر الخطاب القرآني بإيفاء الكيل والميزان وهو حفظ حقوق المشترين، وعدم ظلم الناس بإنقاصهم حقوقهم وهو حفظ حقوق البائعين، وأخبر أن في هذا المسلك نفعا وخيراً وصلاحاً تنتظم به أمورهم.
ولا شك أن ما تشير إليه هذه الآية من دلالة مصلحية، لها علاقة مباشرة برواج المعاملات التجارية في الأمة، لأنها تعتمد على الثـقة المتبادلة بين المتعاملين، وإنما يحصل ذلك بشيوع الأمانة، وإذا حدث ذلك نشط الناس للتعامل، وزاد الإنتاج، وازدهرت الأسواق والحركة التجارية، ودوران رأس المال، وبضد ذلك تختل المعاملات التجارية والأحوال الاقتصادية والمالية بمقدار تفشي المفسدة(17).
3- يكشف سياق خطاب القرآن في استخدامه لمادتي "صلح" و "فسد" عن دلالات مصلحية تشكل البعد الاجتماعي لمفهوم المصلحة العامة. ومن عناصر هذا البعد: الحفاظ على تماسك المجتمع والتواصل بين أعضائه، وذلك ظاهر في قوله تعالى: ]فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين[(18). والمعنى أصلحوا ما بينكم من تشاجر وخلافات ونزاعات حتى يكون ما بينكم ألفة ومحبة واتفاقا، ولا يكون ذلك إلا بالتقوى وطاعة الله ورسوله، وهذا جميعه من لوازم الإيمان(19).
والتهاون في هذه المصلحة والتفريط في العمل على تحقيقها مفسدة عظمى ينهى الشارع عنها، وذلك في قوله تعالى: ]فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم[(20). والمعنى هل يتوقع منكم إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم لما تبين منكم من الشواهد ولاح من المخايل أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم تناحراً على الملك، وتهالكاً على الدنيا(21).
ومن عناصر البعد الاجتماعي في مفهوم المصلحة ويتعلق بتماسك البناء الاجتماعي ويدل عليه سياق مادة "صلح" في خطاب القرآن، ما جاء في شأن مصلحة الأسرة والحفاظ على بنيتها من التصدع في قوله تعالى: ]وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما[(22)، وفى موضع آخر قوله تعالى: ]وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير[(23).
ويتعلق بهذا البعد المصلحي ما جاء في قوله تعالى: ]ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير[(24). وهو ما يدل على قيم التكافل والتضامن الاجتماعي المتضمن في البعد الاجتماعي لمفهوم المصلحة العامة في سياق خطاب القرآن.
ومن بين الدلالات المصلحية ذات البعد الاجتماعي في سياق خطاب القرآن لمادة "صلح" ما يفهم من قوله تعالى: ]واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما[(25). وهذه الآية تعقب على ما قبلها ]واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم[ الآية. وهي تتحدث عن عقوبة فعل الفاحشة من المحصن وغير المحصن من الرجال والنساء، (فإن تابا وأصلحا)، أي أقلعا ونزعا عما كانا عليه من مفسدة، وصلحت أعمالهما وحسنت فأعرضا عنهما(26).
وما يعنينا هنا أن الإقلاع عن فعل الفاحشة في سياق الخطاب القرآني مصلحة معتبرة، وبمفهوم المخالفة فإن إتيانها مفسدة أوجب الشارع دفعها.
كذلك فإن من عناصر البعد الاجتماعي ويدل عليه سياق مادة "صلح" ونقيضها "فسد" في خطاب الوحي القرآني ما ورد في قوله تعالى على لسان الملائكة حين قال لهم: ]إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء[(27)، وهو سؤال استعلام من الملائكة لربهم واستكشاف للحكمة في خلق بني آدم، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وعطْف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام بسفك الدماء الذي يعد دلالة من دلالات الإفساد أو عيناً من أعيانه، وقول الملائكة ]أتجعل فيها من يفسد فيها[ دليل على أنهم علموا أن مراد الله من خلق الأرض هو صلاحها وانتظام أمرها، فإصلاح العالم مقصد للشارع، ورد الله على سؤالهم بقوله ]إني أعلم ما لا تعلمون[، أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق آدم على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون(28).
وما ينتهي إليه البحث هو أن حفظ الأنفس من أن تزهق بالقتل مصلحة واجبة التحصيل وأن إراقة الدماء مفسدة يجب أن تدفع لأن ]من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنـما أحيا الناس جميعاً[(29).
4- من الدلالات المصلحية التي يشير إليها استعمال مادتي "صلح" و "فسد" في سياق خطاب القرآن، ويظهر البعد النظامي والسياسي في مفهوم المصلحة العامة، ما ورد في سورة الحجرات من بيان لمنهج الممارسة السياسية وآلياتها في حالة "الحرب الأهلية"، يقول تعالى: ]وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين[(30).
وبالتأمل في هذا النموذج من خطاب القرآن نجد أن السلام والأمن وحفظ الأنفس والأموال من الهلاك، بالسعي في الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين درءاً لمفاسد النزاعات والخلافات والاقتتال، والحيلولة بين مجتمع المؤمنين وبين هذه المفاسد بكل السبل المشروعة من الوساطة والعدل فيها، وإلا فبوسائل القوة ضد الطرف المعتدي الذي لا ينصاع للوسائل الحميدة، هذه كلها دلالات مصلحية تدخل في عناصر البعد النظامي والسياسي في مفهوم المصلحة العامة، ويومئ إليها سياق مادة "صلح" في خطاب القرآن.
جانب آخر له تعلق بهذا البعد، يدل عليه سياق مادة "صلح" في قوله تعالى: ]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً[(31) فقوله: (وعملوا الصالحات) جمع صالحة وهي الخصلة والفعلة ذات الصلاح، أي التي شهد الشارع بأنها صالحة، والمعنى: الذين عملوا الصالحات ومهماتها ومراجعها مما يعود إلى تحقيق كليات الشريعة، وجرى حال مجتمع الأمة على مسلك الاستقامة، وقيامه بالتكاليف التي جعلها الله قواماً لصلاح أمور الأمة، واهتمام ولاة الأمور باتباع ما وضح لهم الشرع من تصرفات في شئون الرعية، ومع الأعداء في الحرب والسلم، وأصول المعاملات بين الناس كما بثها الشارع في تضاعيف كتابه وعلى لسان رسوله(32)، كل هذا يرتبط بقاعدة الإيمان وما يتضمنه من توحيد يقتضي عمل الصلاح.
وقد ينفك أحدهما عن الآخر (الإيمان وعمل الصلاح أو المصلحة) حينئذ يصاب مفهوم المصلحة بالتشويه الأمر الذي يعني وقوع مفسدة تحول دون موعود الآية التي جعلت ارتباط الإيمان والعمل الصالح سبباً للمصالح السياسية التي مفادها التمكين في الأرض بما يعنيه من تمكين عقيدي وقوة سياسية واقتصادية وأمنية تشكل جميعها مقومات الاستخلاف في الأرض.
يتعلق بهذا البعد النظامي والسياسي، ويشير إليه سياق مادة "فسد" في خطاب القرآن، ما جاء عن سيرة فرعون في قومه من طغيان واستبداد سياسي وكيف كان هذا من المفاسد السياسية التي كانت سببا في إهلاك فرعون، يقول تعالى: ]وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب[(33). والطغيان شدة العصيان والظلم الذي وقع في البلاد، حيث أكثروا فيها الفساد السياسي بسن سنن السوء، والتجرؤ على دحض حقوق الناس، وفساد البعض يؤول إلى فساد الجميع، وذلك أن القدوة قدوة سوء لمن هم أمثالهم ولأتباعهم، فكل واحد منهم يطغى على من هو دونه، وذلك فساد عظيم، لأن به اختلال الشرائع الإلهية والقوانين الوضعية الصالحة، وهذا يثير الحفائظ والضغائن في المطغي عليه من الرعية، فيضمرون السوء للطاغين، وتنطوي نفوسهم على كراهية ولاة الأمور وتربص الدوائر بهم(34). وهذا يثير أزمة الثقة في الصفوة السياسية وأزمة الولاء للنظام السياسي.
ثانياً: دلالة معنى الإفساد على معنى الإصلاح (مفهوم المخالفة):
من المواضع التي وردت فيها مادتا "صلح" و "فسد" وتومئ إلى مفهوم الإصلاح بمفهوم المخالفة، قوله تعالى: ]وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون[ (35).
نجد هنا قوله تعالى "لا تفسدوا" من أفسد إفساداً وهم مفسدون، والنقيض "مصلحون" من أصلح إصلاحاً، فما دلالة الإفساد والإصلاح في الآية؟
إن الآية المذكورة جزء من سياق النظم القرآني السابق عليها(36)، الذي يتحدث عن خصال النفاق التي اتصف بها المنافقون ومنها ما ورد في الآية المذكورة من التدليس في الحقائق، وما يلمح من تركيب الخطاب أن محل الإفساد هنا هو "الأرض" والمراد بها الكرة الأرضية بما تحتوى عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس والحيوان والنبات، وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها. والإفساد فيه تعطيل لما خلقه الله في هذا العالم لصلاح الناس أو مصلحتهم، وفيه اختلال للنواميس والأنظمة التي وضعها وبثها في الأرض لهذه الغاية. ومن ثم فإن دلالة الإفساد يمكن أن تتضمن الآتي:
أ- تصيير الأشياء والنواميس والأنظمة الصالحة في الأرض إلى ضارة بإحداث الفساد فيها.
ب- إزالة النافع وإيجاد الضار من الأشياء والنواميس والأنظمة في الأرض ابتداء. وهذا عمل المفسدين في الأرض.
أما قوله تعالى: ]إنما نحن مصلحون[ فهو جواب بالنقض، فإن الإصلاح ضد الإفساد، ومن ثم فإن مفهوم المخالفة لدلالة الإفساد السالفة يقتضي وجهين للإصلاح هما:
أ- إيجاد الأشياء والنواميس والأنظمة الصالحة في الأرض ابتداء.
ب- تصييـر الضـار منهـا صالحـاً بالتهذيـب أو بالإزالـة.
فالإصلاح موضوع للقدر المشترك بين إيجاد الشيء صالحاً وبين جعل الفاسد صالحاً، وهو عمل الصالحين المصلحين.
ارتباط الصلاح والمصلحة بالشرع والفساد بالهوى
يرتبط الفساد في سياق خطاب الوحي بالهوى، والمصلحة والصلاح بالحق، وهو الشرع كما في قوله تعالى: ]ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون[(37). والحق المذكور هنا هو الحق المذكور في الآية السابقة عليها وهي قوله تعالى: ]بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون[(38) فالحق المقصود هو الوحي الذي هو الذكر وهو خلاف الهوى، إذ الهوى شهوة ومحبة لما يلائم غرض صاحبه، وإنما يجري الهوى على شهوة دواعي النفوس، أي شهوات الأفعال، وهي غير تلك التي تقتضيها الجبلة، كالطعام والشراب ونحوهما مما تدعو إليه الجبلة فليست من الهوى، وإنما الهوى شهوة ما لا تقتضيه الفطرة والجبلة، كشهوة الظلم، وإهانة الناس(39)، ومن ذلك سلوك سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي يتم وفق الشهوة والهوى وعلى غير مقتضى النظر الشرعي، وهذا يدخل في مفهوم الفساد.
وبناء عليه فلو وافق الحق أهواء النفوس، وأجابها الله إلى ما فيها من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، وذلك لفساد الأهواء واختلاف الآراء وعجز الأفهام(40).
وبعد تتبع مادة "صلح" و "فسد" في استعمالات الخطاب القرآني بقصد اكتشاف الدلالات التركيبية وما يستفاد منها في تأصيل أبعاد مفهوم المصلحة العامة، تبقى الملاحظات الآتية:
أ- إن الأصل في الوجود -في منطق الوحي وحكمته- هو الصلاح بمعنى المصلحة، وأن الكون خلق صالحاً مهيأ للإنسان كي يباشر رسالة الاستخلاف التي نيطت به والمتمثلة في مهمة إعمار الأرض الثابتة في قوله تعالى: ]هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها[(41). ومن ثم فإن الفساد أمر عارض في الكون، حيث يقول تعالى: ]ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها[(42)، فالبَعدية في قوله ]بعد إصلاحها[ بَعدية حقيقية حيث إن الأرض خلقت من أول أمرها على صلاح، قال تعالى: ]وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها[(43) وعلى نظام صالح بما تحتوي عليه، وبخاصة الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات ]ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا[(44). فكل ما في الأرض خلق لمصلحة الإنسان، وعُـزز ذلك بقوانين وضعها الله على ألسنة المرسلين الذين أيدهم بالوحي، فعلَّموا الناس كيف يستعملون ما في الأرض على نظام يحصل به الانتفاع بنفع النافع، وإزالة ما في بعض النافع من الضر، وتجنب ضر الضار، وذلك هو الأصل، فإذا غير ذلك فأفسد الصالح، واستعمل الضار على ضره أو استبقى الضر مع إمكان إزالته، كان ذلك خروجاً على الأصل وفساداً طرأ على هذا الأصل لا يقره الشارع بل ينهى عنه(45).
ب- طلب القرآن في مواضع طلبا جازماً وصريحا تحصيل الصلاح والإصلاح وذلك بأكثر من صيغة، منها الأمر الصريح نحو ]واعملوا صالحاً[(46). ومنها بيانه أن العمل الصالح هو المصلحة الحقيقية التي يرضاها الله ]وأن أعمل صالحاً ترضاه[(47). كما نلاحظ النهى الجازم والصريح عن الفساد والإفساد في أكثر من موضع نحو قوله تعالى ]ولا تبغ الفساد في الأرض[(48). وقوله ]ولا تعثَـوْا في الأرض مفسدين[(49)، ولهذا يرى سلطان العلماء وفقيه المصالح العز بن عبد السلام أن الشريعة كلها مصالح؛ إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعت الله يقول: ]يا أيها الذين آمنوا[ فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيرا يحثـك عليه أو شرا يزجرك عنه، أو جمعا بين الحث والزجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثا على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثا على إتيان المصالح(50).
ج- يتعلق بالجزئية السابقة ما أوضحه الخطاب القرآني من وجوب الدفاع عن المصلحة ودفع الفساد عنها بكل صورهِ وأشكاله، حتى تظل الأرض على حالتها الأصلية من الصلاح ولا تبطل منافعها وتتعطل مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض، يقول تعالى: ]ولولا دفع الله الناس بعـضهم ببعـض لفسدت الأرض[(51). والدفع والدفاع هو الذب عن مصلحة الدافع، والمعنى: لولا وقوع دفع بعض الناس (الصالحين أصحاب المصلحة) بعضا آخر (المفسدين) بتكوين الله وإيـداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض ومن عليها، وأعظم مظاهر هذا الدفع هو الحرب المشروعة(52).
د- توجد مصطلحات إضافية في خطاب الوحي ترمز إلى المصلحة، فالناظر في خطاب الوحي بحثا عن تأصيل مفهوم المصلحة يقع على عدد من المصطلحات أو الألفاظ الشرعية التي انتظمت في سياق خطاب الوحي وتعبر عن مفهوم المصلحة ونقيضه مفهوم المفسدة، يسوق بعضها العز بن عبد السلام في كتاب الفوائد فيقول: "ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات، لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح والسيئات في المفاسد". وفى موضع آخر يقرر أن المصالح والمفاسد يعبر عنها "بالمحبوب والمكروه.. والعرف والمنكر.. والإحسان والإساءة.. والحسن والقبيح".
ويرتبط تعبير القرآن الكريم عن المصالح والمفاسد بالخير والشر بتعبيره عنها بالمعروف والمنكر، ففي السياق القرآني كل معروف خير ومصلحة يجب تحصيله، وكل منكر شر ومفسدة يجب دفعه، من ذلك قوله تعالى: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر[(53) وقوله تعالى: ]لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقه أو معروف أو إصلاح بين الناس[(54).
ومن المصطلحات القرآنية ذات العلاقة الدلالية بالمصلحة والمفسدة تعبيره بالحسن والسوء، أو الحسنات والسيئات، فالحسن من القول والفعل مصلحة تؤتى، والسيئ منهما مفسدة تدرأ، من ذلك قوله تعالى: ]وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض[(55). وقوله: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء[(56).
ويعتبر "النفع والضر" من أبرز الألفاظ التي استخدمها سياق خطاب الوحي في التعبير عن المصلحة والمفسدة، فكل مصلحة نفع ينبغي أن يُسعى لتحصيله، وكل مفسدة ضر ينبغي دفعه واتقاؤه، يقول تعالى: ]وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس[ (57). ويقول: ]والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون[ (58). ويقول: ]عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم[ (59). 
مفهوم المصلحة في السنة النبوية
إن الدلالات التركيبية للفظ المصلحة ونقيضه "المفسدة" في سياق الأحاديث النبوية الشريفة لا تختلف عنها في لغة القرآن الكريم، ذلك أن كلا من لغة القرآن والحديث النبوي خطاب للوحي، على ما بينهما من خصوصيات(60). وأن السنة بيان للقرآن الكريم، يقول تعالى: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعـلهم يتفكرون[ (61). ومن الطبيعي ألا يختلف المبيِّن (بالكسر) في دلالات خطابه عن المبيَّن (بالفتح). وكذلك فإن القرآن الكريم والأحاديث النبوية لسان عربي مبين، جاءت الألفاظ والأساليب التركيبية والمعاني فيهما على معهود لسان العرب.
ولذلك يلتقي البحث هنا مع ما سبق دراسته تفصيلياً من دلالات تركيبية للمصلحة والمفسدة في لغة القرآن، مشيراً هنا إلى بعض النماذج من الأحاديث النبوية التي تثبت وحدة الدلالات التركيبية "للمصلحة" وضدها "المفسدة" في كل من لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
1- صلاح الصفوة السياسية والعلمية يؤدي إلى الصلاح العام والعكس صحيح، ففي الحديث الشريف: "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس، الأمراء والعلماء"(62).
2- يتعلق بما سبق ربط الأحاديث النبوية بين الخير بمعنى الصلاح والمصلحة السياسية والحب من جانب وبين الشر بمعنى الفساد والمفسدة السياسية والبغض من جانب آخر، كما في حديث: "ألا أخبركم بخيار أمرائكم وشرارهم، خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"(63).
3- الفساد نقيض للإيمان، فقد جاء عن سعد بن أبى وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الإيمان بدأ غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء إذا فسد الناس…"(64) والغرباء هم أهل الإيمان وضدهم في الحديث هم الفاسدون من الناس.
4- الربط بين مفهوم الصلح ومفهوم الحلال، ففي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرم حلالاً أو أحل حراماً…"(65). فالصلح إذن ما أحل الحلال وحرم الحرام، أما ما أحل حراماً أو حرم حلالاً فهو مفسدة مناقضة للمصلحة.
5- الربط بين المصلحة والصلاح والجانب المادي أو الاقتصادي يقول صلى الله عليه وسلم: "نعم المال الصالح للرجل الصالح"(66).
وهكذا تدلنا النماذج السابقة من الأحاديث النبوية على وحدة الدلالات التركيبية للفظة "المصلحة" ونقيضها "المفسدة" في خطاب الوحي قرآنا وسنة.
وهكذا يمكن أن تنتهي دراسة الدلالات التركيبية لمصطلح المصلحة في سياق خطاب الوحي إلى النتائج الآتية:
1- المصلحة لها وجهان:
أحدهما: أنها تعني إيجاد النفع والخير ابتداء أو استبقاء للنفع والخير الراجح بتصيير الضار نافعا بالتهذيب أو الإزالة.
ثانيهما: المفسدة تعني إحداث الضرر والشر ابتداء أو تصيير النفع والخير ضررا وشرا بإفساده أي إزالة نفعه وصلاحه وخيره.
2- محل المصلحة والمفسدة كما دلت الدلالات التركيبية لهما في سياق خطاب الوحي هي السماوات والأرض ومن فيهن، بمعنى أن المصلحة والمفسدة تقع في السماء وما يومئ هذا إلى الفضاء وما يحتويه من نجوم وكواكب، والأرض وما على سطحها من ثروات بشرية وحيوانية وغيرها، وما في باطنها من كنوز ومعادن، ويشمل هذا النواميس والسنن التي أودعها الله في الكون، وكذا النظم والقوانين الاجتماعية بمعناها الأشمل.
3- ترتبط المصلحة في سياق خطاب الوحي بالإيمان بالله وتوحيده وما يعنيه ذلك من التزام منهج الصلاح الذي يقتضيه هذا الإيمان، وما يضعه من قيم وما يرسمه من غايات، وعلى النقيض من هذا فقد ارتبطت المفسدة بالشرك والهوى، ودواعي النفس التي تنطلق من عقالها الإيماني الذي يحدد لها المصلحة والصلاح.
4- مفهوم المصلحة من حيث محتواه ومضمونه -كما دلت عليه الدلالات التركيبية- مفهوم تام وشامل من الناحية الموضوعية، فقد تبين اشتماله على أبعاد معنوية وسياسية واجتماعية واقتصادية، تترابط فيما بينها من حيث هي مطلوب الوحي، وإن تخلف بعضها أو أحدها فقد أصاب المفهوم تشويه في محتواه ومضمونه، الأمر الذي يعني وقوع مفسدة تقتضي الدفع، وضرر يقتضي الإزالة.
5- يقضي منطق خطاب الوحي وحكمته أن المصلحة أو الصلاح هو الأصل في الكون، وأن الضرر أو الفساد أمر عارض، وذلك بحكم أن الله خلق الكون مهيأ لقيام الإنسان برسالة الاستخلاف التي تعني العمل والسعي لإعمار الكون، ومن ثم طلب تحصيل المصلحة على سبيل الجزم، ونهى عن الإفساد على سبيل الحسم والقطع، ولذلك قال تعالى:]وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[ (67). وهو نهى عن التسبب إلى المفاسد.
مفهوم المصلحة العامة في المصادر الإسلامية:
1-مفهـوم المصلحـة العامـة بيـن فقـه الأصـول والمقاصـد الشرعيـة
2-مفهوم المصلحة العامة في النظرية السياسية الإسلامية (السياسة الشرعية)
المصلحة العامة بين فقه الأصول والمقاصد الشرعية
يلفت الباحث ثراء الدلالات المفاهيمية للمصلحة العامة لدى علماء أصول الفقه الإسلامي والمقاصد الشرعية، وهو المجال الذي نشأ وازدهر فيه مفهوم المصلحة، كما يعتبر هذا المجال نتاج تفاعل العقل المسلم مع الوحي قرآنا وسنة، في سعيه لفهم قضايا الفكر الإسلامي عامة، وموضوع المصلحة خاصة.
والواقع أن مفهوم المصلحة العامة يتنازعه اليوم أكثر من ميدان من ميادين المعرفة الإسلامية، ابتداء من علم أصول الفقه مرورا بعلمي المقاصد الشرعية والقواعد الفقهية، وانتهاء بعلم السياسة الشرعية، بل إن فقهاء الإمامة والأحكام السلطانية قد تعرضوا لفكرة المصلحة العامة بشكل أو بآخر، كما يبين بعد. ومن ثم تعنى الدراسة بإبراز مدى ترابط الجهود الفكرية في هذه الميادين جميعا من أجل تأصيل مفهوم المصلحة الشرعية العامة باعتبارها غاية تستهدفها الحركة السياسية الإسلامية.
وجدير بالذكر أن مفهوم المصلحة في مصادر المعرفة الإسلامية يتم تناوله من زاويتين:
أولهما: المصلحة باعتبارها دليلا من أدلة الأحكام، بمعنى أنها مصدر من مصادر استنباط الحكم بالتحليل أو التحريم للوقائع والأشياء، وهو ما يطلقون عليه المصلحة المرسلة أو الاستدلال المرسل وعند البعض الاستصلاح. وتناول المصلحة من هذا المنظور هو من قبيل التناول المنهجي، بمعنى أنها نوع من مناهج الاجتهاد والتعامل مع نصوص الوحي من أجل التوصل إلى الأحكام الشرعية اللازمة للوقائع، فالمصلحة هنا منهج من مناهج الاستدلال الذي يصير في نطاق التعامل والممارسة السياسية منهجاً في الاجتهاد السياسي من أجل التوصل إلى القرارات والقواعد المتعلقة بالمصلحة العامة - كما يبين فيما بعد.
ثانيهما: المصلحة باعتبارها حقيقة في الواقع المعاش، بمعنى النفع المستجلب أو الضرر المستدفع، وهنا نجد أن الشارع استهدف غايات ومصالح بثها في نصوص القرآن، ويرمى إلى تحقيقها في حياة الناس من خلال التكاليف التي ترجع إلى الأمر والنهى، وهو ما عرف عندهم "بالعلل" أو "الحكم" أو "الأسرار" أو "المصالح" الكامنة وراء الأحكام والنصوص، هذه الحكم والمصالح لها مستويان:
أحدهما: المستوى الجزئي بمعنى المصلحة المستهدفة من نص أو حكم معين، ويطلق عليها "علة الحكم". والعلة تفهم هنا على أنها الحكمة أو المصلحة التي تعلق بها الأمر أو الإباحة، والمفسدة التي تعلق بها النهى(68).
ثانيهما: المستوى الكلى ويتعلق بالمصالح المستهدفة من وراء مجموع نصوص الشريعة، وهو ما يطلق عليه "المقاصد العامة للشريعة الإسلامية".
هذا المستويان يمثلان في الواقع مقصد الحركة السياسية وقبلتها التي وضعها الشارع(69)، وهذا المنظور الأخير للمصلحة هو محل اهتمام البحث هنا.
أولا: مفهوم المصلحة العامة في أصول الفقه
تباينت تعبيرات علماء الإسلام من الأصوليين في تعريفهم للمصلحة، وإن لم يترتب على هذا التباين اختلاف في المقصود.
ويرى عز الدين بن عبد السلام في " قواعد الأحكام" أن حقيقة المصالح هي "اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها". وأن حقيقة المفاسد هي "... الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها، وهي تنقسم إلى دنيوية وأخروية".
وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح، لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كبتر الأيدي المصابة حفظا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها، والتعزيرات، كل هذه مفاسد محددة أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية العامة، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب.
ويمكن أن نلاحظ الآتي:
1- التمييز بين كل من المصلحة والمفسدة في ذاتها والأسباب المؤدية إلى كل منهما، هو تمييز بين المقصد في ذاته، والوسيلة إلى هذا المقصد، وهذا له مغزاه بالنسبة للتأصيل السياسي، حيث المقاصد هي الغايات والأهداف السياسية، أما الوسائل فهي الإطار الحركي بما يشمله من مسالك وأدوات سياسية. كما أن هذا التمييز يترتب عليه التمييز والوعي بالتدرج التصاعدي والأولوية بين المقاصد والوسائل.
2- اللذات مفهوم حسي، والأفراح مفهوم نفسي، وبذلك يجمع التعريف في صعيد واحد بين الجوانب المادية والجوانب النفسية في مفهوم المصلحة.
ويذكر هنا أن اللذة والألم التي قصدها فقيه المصلحة عز الدين بن عبد السلام وكذا الإيجي، ليست هي التي قصدها فلاسفة الأخلاق من المذهب النفعي الليبرالي الذي يقوم على اللذة والألم القائمين على الموازين أو التقديرات البشرية والتجربة الحسية الفردية والمعايير المادية، بل إن مفهوم اللذة والفرح والألم والغم عند فقهاء المصلحة الشرعية ينضبط باعتبار الشارع، أو بمعنى آخر ينظر إليها من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، كما سيأتي، فهي لذات وأفراح وغموم وآلام لها امتداد دنيوي وأخروي، وهو ما لا يدخل في اعتبار فلاسفة الأخلاق النفعيين، الأمر الذي يؤكد على اختلاف المفهوم والمنطلق في الجانبين.
3- يؤكد على ما سبق أن المصلحة عند عز الدين بن عبد السلام -وجمهور الأصوليين- مفهوم يمتد ليشمل مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، فكما أن للدنيا مصالح فللآخرة مصالح كذلك، "… فأما لذات الآخرة وأسبابها وأفراحها وأسبابها، وآلامها وأسبابها، وغمومها وأسبابها، فقد دل عليه الوعد والوعيد، والزجر والتهديد"(70)، أي دل عليها الوحي. وعن مصالح الدنيا يقول: "فأما لذات الدنيا وأسبابها وأفراحها وآلامها وأسبابها وغمومها وأسبابها فمعلومة بالعادات".
4- لجوء ابن عبد السلام في تعريفه السابق إلى فكرة المجازية في أسباب المصالح -التي تكون في حقيقتها آلاما ومفاسد، وأن إطلاق اسم أسباب المصالح عليها هو من قبيل المجاز لأنها تؤدي إلى مصالح، وكذلك في إيضاحه لأسباب المفاسد التي هي في حقيقتها لذات وأفراح- لهو استطراد يرجع إلى أن تعريفه للذات والأفراح والآلام والهموم تعريف مطلق، ولم يقيده بما يميز بين مطلق الأفراح واللذات، والغموم والهموم العقلية وفي أعراف الناس وعاداتهم عن تلك التي تعد كذلك في اعتبار الشارع الحكيم ونظره.
وبهذا الاعتبار يخرج من تعريف المصلحة كل لذة وفرح لم يعتبره الشارع، لأنه يكون حينئذ من دواعي النفس وأهوائها، ويدخل فيه كل ألم وغم يعتبر لدى الشارع الحكيم من حيث يؤدي إلى مصلحة حقيقية.
ومن ثم لا يكون التعريف في حاجة إلى فكرة المجاز التي تضفي نوعاً من اللبس والغموض في التعريف، مثل وصفه للعقوبات الشرعية والتعزيرات بالمفاسد المجازية، وهي في الواقع تؤدي إلى مصالح شرعية ترجع إلى حماية المجتمع من المفاسد التي يرتكبها من توقع عليهم تلك العقوبات والتعزيرات.
تعريف المصلحة عند الإمام الشاطبي
الإمام الشاطبي فقيه بارز له رؤية رائدة وفقه مستقل، واجتهاد أصيل في موضوع مقاصد الشريعة الإسلامية الذي تناول من خلاله وفى إطاره مفهوم المصلحة، إذ يرى الشاطبي في كتاب الموافقات أن "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا… وأن المصالح المبثوثة في هذه الدار ينظر فيها من جهتين … فأما النظر الأول: فإن المصالح الدنيوية -من حيث هي موجودة هنا- لا يتخلص كونها مصالح محضة، وأعنى بالمصالح -والقول للشاطبي- ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان، وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافها الشهوانية، والعقلية على الإطلاق، حتى يكون منعما على الإطلاق. وهذا في مجرد الاعتياد لا يكون، لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق قلت أو كثرت… كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تفرض في العادة الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات الكثير…".
يرى الشاطبي -في هذا التعريف- "أن المصالح والمفاسد المحضة في الدنيا لا توجد في العادة، لذا فإنها تفهم على مقتضى ما غلب: فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفا، هذا على مقتضى العادات".
ويرى أيضاً "أن المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية".
وهنا يتبين الارتباط الوثيق في المفهوم الإسلامي للمصلحة بين بعدى الدنيا والآخرة، إذ إن المصلحة في الدنيا تتحدد بأبعادها المترابطة وتنضبط بمطلوب المصلحة في الآخرة، ولهذا فإن المصالح التي تنفك من هذا القيد لا تعتبر مصالح حقيقية بل مصالح متوهمة، لأنها في حقيقتها بخروجها عن هذا القيد تصير مفاسد، بمعنى آخر فإن المصالح الحقيقية هي التي تكون كذلك في تقدير الشارع واعتباره.
وهذا ينقلنا للنظر في مفهوم الإمام الغزالي للمصلحة الذي يلقي مزيدا من الضوء على مضمون المصلحة ومفهومها ومدى ارتباطه بتقدير الشارع واعتباره.
تعريف المصلحة عند الإمام الغزالي
ويرى أبو حامد الغزالي في كتابه "المستصفى" أن "المصلحة عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم…". وهنا نلاحظ أن الغزالي يقدم تعريفا عقلياً عاما يعادل فيه بين المصلحة -التي هي جلب منفعة أو دفع مضرة- ومقاصد الخلق، فالمنفعة والمضرة هنا ترجع إلى تقدير الخلق وتجاربهم وعاداتهم، وهو ما يؤدي إلى التهارج والتقاتل الذي يعرف في علم السياسية بصراع المصالح، ذلك لأن المصالح تتحدد في هذه الحالة وفق أهواء النفوس ورغباتها العادية، ولذلك يقول الغزالي: "ولسنا نعني به ذلك". أما المصلحة التي يعنيها الغزالي فهي المصلحة الشرعية أو المصلحة في المفهوم الإسلامي، والتي يحددها بقوله: "لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة".
وهكذا يطابق الغزالي بين المصلحة ومقصود الشريعة الإسلامية ويبين أن هذا المقصود خمسة أصول هي أمهات المصالح وركائزها الأساسية. والمصلحة تدور مع هذه الأصول وجوداً وعدما، فحفظ هذه الأصول هو المصلحة، وما يأتي عليها بالنقض والبطلان أو التفويت فهو المفسدة.
ومن تأمل التعريفات السابقة للمصلحة يمكن الانتهاء إلى العناصر الفكرية الآتية لمفهوم المصلحة عند علماء الأصول:
1- المصلحة في مفهوم الأصوليين عند الإطلاق تشتمل على جانبين:
أحدهما: يتضمن جلب النفع الذي يتعلق بقيام حياة الإنسان ونيله ما تقتضيه أوصافه أو طبيعته الشهوانية والعقلية، وهي الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وذلك النفع هو اللذات وأسبابها والأفراح وأسبابها كما عبر ابن عبد السلام.
ثانيهما: يتضمن الضرر المستدفع، وهو المفسدة التي عبر عنها ابن عبد السلام بالهموم والآلام وأسبابها والغموم وأسبابها.
2- مفهوم المصلحة عند علماء الإسلام من الأصوليين يتسع زماناً ومجالاً، فأما الاتساع الزماني فمن حيث شموله لمصالح الدنيا والآخرة، بمعنى أن المنافع التي اعتبرها الشارع مصالح للإنسان وطلب منه إتيانها، والمضار التي اعتبرها مفاسد ونهاه عنها، هي في ذاتها وسيلة لتحصيل مصالح الآخرة عبر صلاح الإنسان في الدنيا.
فإذا كانت شريعة الإسلام تحدد للناس سيرهم -مصالحهم- في الدنيا، فان الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، وإنما له غاية أخرى من أجلها حدد الشارع تلك المصالح وهي نيل حظوظ الآخرة، وتلك حكمة الشارع وغايته من الخلق، قال تعالى: ]الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا[(71). والتعبير بمادة "حسن" تعبير عن الصلاح والمصلحة، كما سبق. ومن هنا كان اتساع مجال الصلاح ومضمون المصلحة ليشمل جوانب الحياة كلها والتي تلتقي في أصول المصالح الخمس السابقة وهي الدين والعقل والنفس والنسل والمال، وهي تستوعب الأبعاد المعنوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمفهوم المصلحة العامة التي سبق بيان ملامحها.
3- ويترتب على ما سبق القول بأن محتوى المصلحة في الشريعة الإسلامية -وكما يراها علماء الأصول- يكمن في أعيان المصالح الخمسة السابقة التي قصد الشارع حفظها، وكل ما يتضمن حفظ هذه الركائز الخمس فهو مصلحة كذلك، ولتحصيل منافع هذه الركائز الخمس على الوجه الأتم وقع الطلب أو التكليف في الشرع، وكل ما يفوت هذه الركائز أو الأصول الخمسة للمصالح أو إحداها أو يفوت منافعها جميعاً أو إحداها بالتفريط في حفظها، فهو ضرر أو مفسدة وقع النهى عنها في الشرع وورد الطلب بدفعها.
وخلاصة ما سبق أن مفهوم المصلحة العامة كما يتطابق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، فإنه ينضبط بها كذلك، بمعنى أن المصلحة إن ناقضت مقاصد الشريعة أو أحدها فهي ليست مصلحة على سبيل الحقيقة، حتى وإن بدا فيها نفع ظاهر، بل هي مفسدة يجب دفعها، وما يقع من أمور قد يبدو في ظاهرها ضرر، ولكنها مقصودة ومطلوبة للشارع، فهي في حقيقتها مصلحة أو تؤدي إلى مصلحة ما دامت مقصودة للشارع، وذلك كالحدود والتعزيرات الشرعية والجهاد، وسائر التكليفات الشرعية التي فيها مشقة وجهد، ولكنها شرعت لحماية مصالح تفوق في نفعها تلك المشقة وذلك الجهد.
ثانيا: مفهوم المصلحة العامة في السياق الفكري للمقاصد الشرعية
لقد بزغ فقه المقاصد الشرعية من ثنايا علم أصول الفقه الإسلامي، وصار علما من العلوم الإسلامية التي تستحوذ على اهتمام بحثي وأكاديمي كبير لما له من أهمية في تطوير وتجديد الفقه والتفكير الإسلامي، وبث روح الحيوية والفاعلية فيه، من أجل الخروج من دائرة الجمود الذي أصيب به في فترات التقليد والتراجع الفكري، بما يقدمه هذا العلم القديم الجديد من أدوات منهاجية في تحليل نصوص الوحي تحليلاً ينفذ إلى مقاصدها في جلب الصلاح والمصلحة، ودرء الفساد والضرر، وفى التوسل بمقاصد الشريعة في الاستدلال على الأحكام الشرعية وتعليلها ببيان أوجه المصالح الثاوية فيها.
يرى الإمام الشاطبي في "الموافقات" أن الضروريات الخمس أصول المصالح، إذ يقول: "اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والنسل، والمال، والعقل،… ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد" . ومن ثم اشتهرت بالمقاصد العامة للشريعة الإسلامية.
و"مقاصد خاصة للشارع في أبواب المعاملات وهي الكيفيات (المصالح) المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، لأن مقاصد الشريعة هي المعاني والأسرار أو الحكم التي هدف الشارع إلى تحقيقها، سواء عند كل حكم من أحكامها، أو في مجموع أحكامها وبنائها الكلي، والتعبيرات المستعملة في التعريفات التي سبقت -معاني، أسرار، حكم، غايات- هي مصطلحات خاصة يستخدمها علماء المصلحة من الأصوليين والمقاصديين، ويعنون بها وجه المصلحة المقصودة للشارع في شرع الحكم أو الباعث على تشريعه. وفى ذلك يقول الآمدى: "المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة، أو مجموع الأمرين بالنسبة إلى العبد، لتعالي الرب تعالى عن الضرر والنفع".
ويرى الإمام القرافي أن موارد الأحكام على قسمين: مقاصد وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، ووسائل وهي المفضية إليها. ويستنتج من هذا أمران:
أحدهما: أن العلاقة بين مقاصد الشريعة ومفهوم المصلحة -على ما يرى القرافي- علاقة تضمن، بمعنى أن مقاصد الشريعة تستوعب مفهوم المصلحة وتحتويه. وبعبارة أخرى فإن مقاصد الشريعة هي وعاء المصالح، وهذا يؤكد ما سبق من القول بتطابق مفهوم المصلحة مع مقاصد الشريعة.
ثانيهما: أحكام الشريعة كلها مشتملة على مقاصد الشارع، وهي المصالح والمنافع التي يثمرها تنفيذ الأحكام في الخلق. وبذلك تبدو الشريعة الإسلامية وكأنها نظام أو بنيان من "أحكام تنطوي على مقاصد، ومن مقاصد تنطوي على أحكام"، بمعنى أن هذا البنيان من الأحكام ينطوي على مقاصد هي مصالح كامنة يهدف التشريع إلى تحقيقها من وراء تنفيذ هذه الأحكام، كما أن بنيان المقاصد ينطوي على أحكام لكل ما يمكن أن يقع من حوادث ومستجدات ليس عليها نص معين من الكتاب أو السنة، فيستمد لها الحكم المناسب بالرجوع إلى هذه المقاصد الشرعية الكلية، التي هي خلاصة استقراء مجموع نصوص الشريعة.
وبناء عليه فإن الشريعة الإسلامية بمجموع نصوصها وأحكامها بنيان من المقاصد الشرعية يرتكز على أعمدة مصلحية خمسة: هي الدين والعقل والنفس والنسل والمال، وهذا البنيان المقاصدي يدور حول مقصد كلي يمثل القاعدة لهذا البنيان، وهو يعتبر مقصد المقاصد، ومن الوجه المصلحي فإنه يعتبر الغاية العليا التي تتضافر على تحقيقها أمهات المصالح وركائزها السابقة، فما هو المقصد الكلي أو المصلحة العليا في الشريعة؟
إعمار الأرض الغاية المصلحية العليا في الشريعة
لقد تبين من النظر المصلحي عند الأصوليين أن الشريعة الإسلامية بمجموع نصوصها وتكاليفها تتغيا مصالح الناس، إما بدرء المفاسد أو جلب المنافع، ومن ثم يرى ابن تيمية في الفتاوى أن مدار الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
ويوضح ابن القيم في إعلام الموقعين هذا المعنى المجمل بقوله: "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل… وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها…".
هذه نظرة كلية ومجملة لغاية الشريعة في جلب المصالح، ودرء المفاسد؛ تعبر عن عدد لا ينحصر من مفردات المصالح التي يُؤمر بتحصيلها، ومن مفردات المفاسد التي يُـنهى عن إتيانها، وهي تؤدي إلى غاية مصلحية عليا من إنزال الشريعة وهي "عمارة الأرض، بحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة.
وكما يرى ابن عاشور أن استقراء موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع يتبين أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه.
وبناء على هذا فإن العناصر المستهدفة بالصلاح والحفاظ على استدامة هذا الصلاح بدرء الفساد الذي يعرض لها هي:
1- الإنسان المستخلف في هذا الكون بصلاح عقله وصلاح عمله.
2- موجودات العالم التي بين يدي هذا الإنسان المستخلـف مـن المـوارد الطبيعيـة وغيرهـا.
3- نظام الأمة أو نظام التعايش وهو ما يعني النواميس والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
صلاح هذه العناصر يؤدي في النهاية إلى تحقيق غاية استخلاف الإنسان في الأرض، وهي الغاية المصلحية العليا من إنزال الوحي، ألا وهي عمارة الأرض التي حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: ]هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها[ (72)، أي طلب منكم عمارة الأرض بتحصيل منافع موجوداتها واستبقاء هذه المنافع، وهذا يتحقق عن طريق حفظ ورعاية أسس وأمهات المصالح الخمس وهي "الدين، والعقل، والنفس، والنسل، والمال"، وذلك بإقامة أركانها وتثبيت وجودها في الواقع، ثم تحصيل نفعها واستبقائه بالمحافظة عليها من أن يلحقها ضرر أو فساد، على نحو ما أمرت به الشريعة ونهت عنه.
وعلى هذا فإن حفظ دين الأمة؛ وحماية عقول أبنائها وفكرها من الانحراف والحفاظ على حياة الإنسان ماديا ومعنويا؛ وصيانة الأعراض والحرمات من الانتهاك المؤدي إلى اختلاط النسل، وصيانة الأموال عن الإتلاف أو الضياع في أغراض غير مشروعة، والعمل على تنميتها واستثمارها، هذه جميعاً نعم ومصالح يتم بها بناء الحياة وعمارة الدنيا.
وبهذا يتبين أن حفظ مقاصد الشريعة المتمثلة في أصول المصالح ينتهي إلى تحقيق المقصد المحوري والغاية المصلحية العليا، وهي عمارة الأرض. وبعمارة الأرض على هذا النحو تتحقق الغاية النهائية من خلق الإنسان واستخلافه في الأرض، والمسطورة في قوله تعالى: ]وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[ (73).
ثالثا: أنواع المصالح وأقسامها
إن بحث أنواع المصالح المقصودة وأقسامها المختلفة يساعد على مزيد من تأصيل مفهوم المصلحة العامة من ناحية بيان مضمونه واستجلاء إطاره المعرفي. وقد تحدث علماء المصلحة في الشريعة الإسلامية عن أقسام وأنواع عديدة من المصالح تنم عن ثراء التفكير المصلحي في الشريعة الإسلامية ويقتصر البحث على أهم هذه التقسيمات.
أقسام المصلحة وفقا لمدى الحاجة إليها في قيام حياة الأمة
تقسيم المصالح على أساس معيار مدى الحاجة إليها في قيام حياة الأمة؛ يعني مدى قوة هذه المصالح في ذاتها، وهي لا تعدو ثلاثة أقسام تمثل فيما بينها مراتب أو درجات تصاعدية لأهمية المصالح في قيام حياة الأمة -تعود الدراسة إلى ترتيبها التصاعدي في موضع قادم- لكن الاهتمام هنا ينصب على تحديد المفاهيم.
1- المصالـح الضروريـة:
الركائز الخمس للمصالح هي حفظ الدين، العقل، النفس، النسل، المال.. وحفظ هذه الركائز يقع في مرتبة الضروريات، ولذلك تسمى المصالح الضرورية أو الضرورات الخمس، وهي كما وصفها ابن عاشور "التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، فإذا اختلت تؤول حالة الأمة إلى فساد وتلاش، وهذا لا يعني هلاكها واضمحلالها كلية، بل تصير أحوالها شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها. وقد يفضي بعض ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها".
إذن حفظ هذه الركائز الخمس هو الحد الأدنى الضروري لإقامة النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على نحو تستقيم به الحياة الإنسانية، ويحفظ للإنسان بقاءه وكرامته، ولو فقدت بعضها اختل نظام الحياة الإنسانية وفسدت أمورها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث تصير فوضى تستحيل معها الحياة الاجتماعية، ومن ثم كان تحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق.
2- المصالـح الحاجية:
هي ما يفتقر إليها من حيث التوسعة والتيسير ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة السابقة، ولذلك فهي لا تبلغ في مدى الحاجة إليها، وتأثير فواتها على النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وانتظام حياة الأمة؛ مبلغ المصالح الضرورية، فالمصالح الحاجية، إذن، هي ما تحتاج إليها الأمة لتسير حياتها على وجه حسن ليس فيه معاناة من ضيق أو مشقة، ومن ثم فهي مصالح ترتبط بالعيش في مستوى من الحياة أرقى منه في مستوى المصالح الضرورية.
وإذا كان المستوى السابق يمثل الحد الأدنى الضروري الذي يجب تحصيله من منافع أصول المصالح وأعيانها السابقة حتى تنتظم الحياة الاجتماعية، فإن المصالح الحاجية هي في النهاية مستوى أرقى في تحصيل وتحسين منافع أصول المصالح الخمس بحيث ينتفي الضيق والحرج والمشقة في الحياة الاجتماعية، وهذا المستوى تعبير عن مطلوب مرحلة الإنماء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
3- المصالـح التحسينيـة:
وهي المصالح التي لا ترجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة بالمعنى السابق، ولكنها "تقع موقع التحسين والتزيين والتيسير (في الحياة) للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات". إنها "ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم، حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبا في الاندماج فيها أو في التقرب منها". وبعبارة أخرى فإن المصالح التحسينية تعبير عن مطلوب مستوى الرفاهة والكمال في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومدار هذا المستوى حول أصول المصالح.
وعلى هذا فإن هذا التقسيم يدور أساساً حول مستويات حفظ وتحسين منافع أصول المصالح وأعيانها.
وعن كيفية ثبوت هذه المراتب أو الأنواع الثلاثة للمصالح يقول الشاطبي: "هذه المراتب الثلاث للمصالح لا يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع، وأن اعتبارها مقصود للشارع، ودليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية، وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة، على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض، بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة… فلم يعتمد الناس في إثبات قصد الشارع في هذه القواعد على دليل مخصوص، ولا على وجه مخصوص، بل حصل لهم ذلك من الظواهر والعمومات، والمطلقات والمقيدات، والجزيئات الخاصة، في أعيان مختلفة، ووقائع مختلفة في كل باب من أبواب الفقه، وكل نوع من أنواعه، حتى ألْفَوا أدلة الشريعة كلها دائرة على الحفظ على تلك القواعد، هذا مع ما ينضاف إلى ذلك من قرائن أحوال منقولة وغير منقولة".
|