English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

خيال الظل.. قتلته السينما

تعبير التراث عن الحكمة الشعبية

النطاق الثقافي

لو قلت في ساعة تجلٍّ: "إن أمريكا تحرك بعض العرب كالدمية" لفهم المتلقي فورًا المغزى السياسي للتشبيه بالدمية، ولو ذكرت أن "فلانًا يمشي كالأراجوز" لضحك البعض سخرية وغضب آخرون من تشبيه هزلي لا يصح، "فالأراجوز".. أو "القراقوز" شكل من فنون الفرجة التراثية ما زال يتردد على قرى البلاد العربية من حين إلى حين فلم ينسه الناس بعد.
أما إذا قلت: إن "فلانًا مثل خيال الظل" فسيتوقف الجميع لبرهة بحثًا عن صورة "خيال الظل" في أذهانهم حتى يفهموا التشبيه، ورغم أنه عميق في التراث الأدبي وحاضر في الأمثال الشعبية اليومية: إلا أن صورته دائمًا في حاجة إلى التوضيح بعد أن اندثر من أدبنا العربي أو كاد!.
ويقول الروائي خيري شلبي رئيس تحرير مجلة الشعر: إنه فن قديم جدًا والنصوص التي بقيت لنا منه عبر العصر الحديث تثبت أنها وليدة تراث عريق في هذا الفن، فهي نصوص تطورت من التسلية والترفيه المحض إلى ما يمكن اعتباره أدبًا رفيع المستوى يتجادل مع المجتمع ويأخذ منه موقفًا نقديًا، ويسهم في عملية التنوير الثقافي والاجتماعي، ونصوص خيال الظل المسماة "بابات" تدخل في باب الأدب، ويتسم التأليف البابي بالهوية الأدبية العربية، التي عرفت فنون القص منذ وقت مبكر جدًا عن طريق ما سمي "المقامة".
 الفنون العروسية

الدكتور إبراهيم حماد أستاذ الدراما المسرحية، وصاحب الدراسة الوثائقية عن خيال الظل التي نشرتها سلسلة الدراسات الشعبية في العدد 32 يوضح أن الفنون العروسية الثلاثة (الدمية - القراقوز - خيال الظل) وثيقة القربى بعضها ببعض، وخيال الظل تحديدًا من الناحية اللغوية هو مصطلح عربي شائع اتخذ معناه المستقل وانصهر في ضمير الشعب وحياته التعبيرية اليومية حتى اكتسب دلالة خاصة، والمقصود من المخايلة هو الصورة الظلية التي يعكسها الخيال المادي أمام الضوء الخلفي، ولهذا فالأصح لغويًا أن تُعكس الكلمة فتصبح "ظل الخيال".
تنبه لذلك البحّاثة "مترل" عند حديثه عن مادة خيال الظل في دائرة المعارف الإسلامية، فأثبت أن لخيال الظل اسمًا آخر هو "ظل الخيال" وهو الاسم اللغوي المفترض للعبة بدلاً من خيال الظل أو خيال الستارة كما اشتهر في بعض الاحيان، لكن يبدو أن العادة في كثير من المركبات الشعبية الشائعة أن العامة تألف شيئًا مختلفًا فتكسبه صنعة مصطلحية بين أهله حتى وإن لم يستقم لغة.
ويؤكد الدكتور إبراهيم حمادة أن خيال الظل كان له في حياتنا الترفيهية في القرون الوسطى مجالات عامرة وحلقات سامرة، أكدت شأنه كتعبير ثقافي عن الحكمة الشعبية، ولكن عندما انحدر به الزمن ظل يغالب سرعة الحياة وقسوة التطور الاجتماعي، حتى أفضى به الضعف والضيق إلى الانكماش والهزال، ثم الانقراض في أوائل القرن العشرين.

 ليالي المخايلة

كان مسرح "خيال الظل" عبارة عن حاجز خشبي بعرض الصالة يفصل المشاهدين المصفوفين عن اللاعبين، ويرتكز هذا الحاجز على الأرض ويرتفع فوقها حتى قبيل السقف بقليل، وفي وسطه -على بعد متر ونصف من الأرض- فتحة طولها نحو المتر وعرضها متر ونصف تقريبًا، وقد شدت عليها ستارة من القماش الأبيض الرقيق الشفاف، وفي أسفل الشاشة من داخل المسرح -جهة اللاعبين- ثبت قضيب مفرّغ من الخشب ليحمي الدمى المشتركة في اللعب، وعلى الأرض صندوق كبير يحوي مجموعة من شخوص العروض التمثيلية، وهي عبارة عن أشكال طول كل منها حوالي قدم، ولهذه الشخوص الجلدية مفاصل وثقوب نفذت بقدر ولغرض محقق، يدفع اللاعب فيها عصيه لتحريكها وتمثيل الشخصية المذكورة في النص.
عند العرض تطفأ أنوار الصالة وتغلق النوافذ والأبواب ثم تثبت الشخوص في القضيب الخشبي فتغدو ملتصقة بالشاشة، ثم يضاء من داخل المسرح مصباح زيتي أو مجموعة من الشموع تحبس أنوارها بواسطة حواجز أو برانيط تمكن الضوء من أن يتركز على الشاشة، وعندئذ تظهر ظلال الشخوص على الشاشة وتنعكس من الجهة الأخرى، فيراها المتفرجون واضحة، فيبدأ اللاعبون تحريكها بعصيهم وهم يؤدون بأصواتهم الجهيرة حوار القصة التمثيلية، وفي بعض الأحيان تصحب اللعب أنغام موسيقية يوقعها المساعدون والفرقة.

 السينما قتلته

مع ظهور السينما في العالم العربي لأول مرة بمصر عام 1897 كانت خطوة حضارية في تاريخ البشرية إلا أنها حملت خيال الظل على الانسحاب من الميدان والانزواء في الدروب الشعبية بالمدينة، ثم التقهقر بعيدًا عن العاصمة. وسرعان ما عمت موجة التجديد والتطور النفسي والاجتماعي والحسي أنحاء الوطن، ولم يجد خيال الظل لنفسه مخرجًا من هذا الحصار، فاستسلم للاختناق والموات، وبقيت السينما تتضخم وتتعاظم فنيًا وآليًا، لتناطح فنًا آخر سبقها في الوجود بزمان، وأصبح اليوم أثرًا بعد عين رغم قيمته الفنية والثقافية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم