|
أشارت كتب إيرانية كثيرة إلى ما يُسَمَّى بالمسرح التقليدي خلال الحديث عن تاريخ الملك الساساني بهرام الخامس، كانت تُعْرَض عليه القصص الأسطورية التي حفل بها تاريخ الفرس منذ قديم الزمان التي جمعها بعد ذلك الشاعر الفردوسي في ملحمته الشهيرة الشاهنامة، ولم تتحدث هذه الإشارات عن شكل المسرح أو خصائصه إلا أنه يقام في الأعياد والاحتفالات الرسمية على مستوى خاص، يحضره الملك وعِلية القوم، ويبدو أن هذا المسرح قد استمر حتى نهاية العصر الساساني. (أحمد محمدي: نگاهي بتاريخ نمايش. مجلة هنر ومردم .عدد 129)، وتشير كتب تاريخ سيستان وتاريخ بُخارَى والفهرست لابن النديم وشاهنامة الفردوسي وأشعار نظامي الگنجوي إلى أن القصص الحماسي والعاطفي والترفيهي كان يُشَخَّص من قبل مشخِّصِين جوَّالين بعد الفتح الإسلامي لإيران وحتى العصر الصفوي، وقد تزامن هذا مع مسرح العرائس الذي انتقل إلى إيران في عهد الملك بهرام الخامس أيضًا، لكن أحدًا لم يهتم بتطوير مسرح العرائس باعتباره مسرح العامة.
ظهر مسرح التعزية في إيران مع دخول المذهب الشيعي إليها، ويذكر ابن كثير أنه ظهر في عهد معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي عام 352هـ 963م ، وما إن قامت الدولة الصفوية في إيران عام 906هـ 1501م وأعلنت المذهب الشيعي الإثنا عشري مذهبًا رسميًّا، حتى اهتمت بهذا المسرح وجعلته وسيلة للترويج للمذهب الشيعي.
أما المسرح الحديث فقد غرست جذوره في أواسط عهد الدولة الصفوية بدءاً بالمسرحيات المضحكة التي كانت تعتمد على تقليد القرويين السُّذَّج والشخصيات الغريبة في المجتمع الإيراني، ثم ازدحمت رويدًا رويدًا بالأحداث البسيطة والجزئية وركزت على نماذج حية من الحياة والمجتمع، وقد ارتبط هذا الفن بالبلاط وانتقل إلى منازل الأشراف والأغنياء في عهد ناصر الدين شاه القاجاري، ثم انتقل بعد ذلك إلى المقاهي وظهر بذلك مسرح القهوة، وبعودة المبعوثين من أوروبا بدأ تمثيل المسرحيات الغربية المترجمة، وأقيمت المسارح الحديثة في إيران، وكان أولها مسرح مدرسة دار الفنون الذي بُنِيَ بأمر ناصر الدين شاه القاجاري. (إدوارد براون: تاريخ الأدب في إيران. الترجمة الفارسية لرشيد ياسمي ج 4 ص 328)، وقد ظهرت بعد ذلك مؤسسات مسرحية صغيرة كان أولها شركة الثقافة المسرحية وكانت تعرض مسرحياتها في الحدائق، ثم تكوَّن المسرح الأهلي عام 1913م، وبدأ المثقفون في نشر مقالات عن المسرح أدت إلى اجتذاب اهتمام الناس والمسؤولين، وأسس سيد علي نصر المسرح الكوميدي الإيراني بعد عودته من أوروبا بتصريح رسمي من وزارة المعارف، وهو أول مسرح يقوم على أسس علمية في إيران، وكان يعرض مسرحياته مرتين كل شهر على مسرح فندق جراند أوتيل، ويرجع إليه الفضل في إشراك الفتيات والنساء في التمثيل، كما ظهرت مؤسسة تربية الأفكار عام 1919م، وبها إدارة خاصة باسم إدارة المسرح تضم أول مدرسة حقيقية للتمثيل في إيران وضعت برامجها على أساس برامج الكونسرفتوار في باريس.
انقلاب مسرحي
وبعد الحرب العالمية الثانية حدث انقلاب في المسرح الإيراني وازدهر التأليف والترجمة للمسرح وظهرت الفرق المسرحية القوية. ( أبو القاسم جنتي عطائي: بنياد نمايش در إيران ص 87 - 88) ومع دخول التليفزيون إيران زاد الاهتمام بالمسرح، فأنشأ التليفزيون إدارة الفنون الدرامية التي أعدت مسرحًا لها واستفادت فيه من الممثلين المثقفين وخريجي الجامعة، ومع إنشاء وزارة الثقافة والفنون عام 1964م أنشئت كلية فنون المسرح والسينما، كما أنشأت جامعة طهران كلية الفنون الجميلة وخصصت بها قسمًا للمسرح، كما أنشأت وزارة الثقافة والفنون عددًا من المسارح في طهران وبعض المحافظات، وافتتحت دار الأوبرا المعروفة بقاعة رودكي عام 1967م، وكان التليفزيون من أهم العوامل التي ساعدت على نشر الثقافة المسرحية في أنحاء إيران، وقد انضمت إيران إلى المركز العالمي للمسرح بعد إنشائه عام 1961م، وأقامت المركز القومي للمسرح التابع لليونسكو، واهتمت الجامعات الإيرانية أيضًا بالمسرح فصار يدرس في كليات الآداب والفنون الجميلة وكَوَّنت كل من هذه الكليات فرقًا خاصة بها تعرض النصوص المسرحية المحلية والعالمية، ولم يهمل نظام الجمهورية الإسلامية المسرح بل وجد فيه وسيلة صالحة لعرض فكر الثورة الإسلامية وتوعية المواطنين بتوجهات النظام، فوَفَّر الإمكانات اللازمة لتطويره وشجع الكتاب على وضع النصوص التي تتفق مع الثقافة الإسلامية، واهتم بالمسرح التقليدي والمسرح التجريبي، كما اهتم خاصة بمسرح الطفل الذي نضج وارتفع مستواه إلى الحد الذي مَكَّنَه من الفوز بجوائز عالمية.
مسرح التعزية.. شخصية قومية
يعتبر مسرح التعزية من الأركان والعلامات المميزة للمسرح الإيراني على مرَّ العصور؛ حيث يجمع إلى جانب الفن المتميز جانب الالتزام القومي والمذهبي، ومن ثَمَّ فهو يَلْقى دعمًا متواصلاً من المسؤولين وإقبالاً متزايدًا من الجمهور وتطويرًا مناسبًا من المسرحيين، وقد استطاع هذا المسرح منذ ظهوره في العصر الصفوي أن يُعَبِّر عن الشخصية القومية للإيرانيين بنفس القدر الذي عَبَّر به عن المعتقدات الشيعية وخاصة ما يتعلق بحادثة كربلاء.
يقول جنتي عطائي: تُعَدُّ التعازي أشهر آثارنا الدرامية الأولى، بل يمكن أن نسميها أولى تراجيديات إيران المسرحية. (بنياد نمايش در إيران ص32)، وقد بدأ مسرح التعزية بسيطًا يعرض في الشوارع والميادين، يقول الدكتور حسين مجيب المصري: إذا حل المحرم جد الجد، وقامت الحركة على قدم وساق لإقامة التعزية فهيئت الأفنية وضربت الخيام في الشوارع والميادين؛ لتمثيل مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بها، ويتولى الإنفاق على ذلك أهل الجاه والتقوى، ويبدأ الاحتفال في الثامن من المحرم؛ فيجتمع الناس في خيمة عظيمة مترامية الأرجاء وقد لبسوا السواد وتعطلوا من كل زينة وأرسلت الشموع ضوءاً شاحبًا وساد سكون تقطعه بين الحين والحين همسات وزفرات. (فارسيات وتركيات – باب التعزية)، ويصف نصر الله فلسفي المقاهي التي كانت تُتَّخَذ أحيانًا مسرحًا بقوله: كانت واسعة جدًّا وجدرانها بيضاء نظيفة وأبوابها تفتح من الجهات الأربع، وفي أركان المقهى أماكن مخصصة للملوك والأمراء وكبار رجال الدولة، وقد فرشت المقاهي بالبُسُط وكان الرواد يجلسون على الأرض، وفي الليل كانت المصابيح المدلاة من سقف المقهى تبعث ضوءاً شاحبًا ينعكس على مياه الحوض الكبير الذي يتوسط المقهى وتسيل مياهه الصافية من أطرافه، وكان المسرح يُعَدُّ من الأرائك الخشبية وسط المقهى. ( چند مقاله تاريخي وأدبي ص 275 – 276)، ويبدأ العرض المسرحي عندما يعتلي المنشد خشبة المسرح، ويبدأ في قراءة قصة استشهاد الحسين بصوت رخيم رقيق يلقي الخشوع في القلوب ويستقطر الدمع من العيون، فيقوم من يحمل قارورة ومزعة من قطن ويطوف على الباكين ليكفكف دموعهم بالقطن ويعصرها في قارورته، ولا يفرغ من هذا الصنيع حتى تمتلئ قارورته، ويؤمن الإيرانيون بأن القطرة من هذا الماء لها أثر شفاء الجروح، ويزفر الحاضرون من قلب محزون ويضربون على صدورهم ضربات يناغمون بها وقع ألحان يسمعونها من أحد المنشدين، ثم يبدأ التمثيل فيدخل رجل جسيم كاشفًا عن نصف جسمه الأعلى يَهُزُّ عمودًا غليظًا يتدلى من وسطه ويتبعه آخر له مثل هيئته ويتلوهم سقَّاء يحمل قربة مليئة ينحني تحتها ظهره العاري، وهذا رمز واضح لموت الحسين بن علي ظمأ، ثم يُؤتَى بنعش يتهادى على أكتاف ثمانية رجال في مقدمته حلية بديعة من نفيس الجوهر وعلى ظهره نجم متلألئ افْتَنَّ الصاغة في صياغته، ويسمون هذا النعش قبر النبي، وتساق أربعة من أكرم الجياد المزينة، يتبعها رجال في قمصان بيض ملطخة بالدماء، يصرخون بملء صدورهم، ويمثلون أصحاب الحسين الذين قتلوا وهم يدافعون عنه، وبعد مدة يظهر للناس فرس أبيض عليه سرج أسود عليه آثار الجراح، وكأن السهام رشقت في جسمه حتى كادت تخفي كل موضع فيه، وهو الفرس الذي كان يمتطيه الحسين في كربلاء، ويرتفع العويل وتنهمر عبرات الناس لدخول الحسين ونسائه وذوي قرباه، ثم يرقد الحسين مستسلمًا للموت، ويحمل عليه القتلة فيغضب المشاهدون وتشتد غضبتهم ويصيحون مستنكرين جازعين، ويخرجون عن طورهم وصبرهم ويتمثلون الخيال حقيقة فيرجمون القتلة قبل أن يولوا هاربين، قيل وقلما يرضى الممثلون بالقيام بدور قتلة الحسين خشية استهدافهم لحجارة قد توردهم موارد التهلكة، ويعرض مشهد آخر هو حريق كربلاء، فتضرم النار في بعض أكواخ من قصب، وهناك مشهد لا يخلو من روعة، وهو مشهد جثث الشهداء وأشلائهم، ولتمثيل ذلك تحفر حفرة لمن يدفنون أنفسهم إلى رؤوسهم أو يدفنون رؤوسهم ويظهرون بعض أعضائهم، وكأن رؤوسًا من غير أجساد وأجسادًا من غير رؤوس. (فارسيات وتركيات. باب التعزية).
|