ومما أذكره ولا أنساه: زيارتنا للشيخ في مدينة (لكنهو) بالهند، مقر ندوة العلماء ودار العلوم، وذلك حين دعانا الشيخ -حفظه الله- للاحتفال بمرور خمسة وثمانين عاماً على تأسيس ندوة العلماء. وقد استجاب لدعوة الشيخ جمهرة من كبار علماء الأمة، من أقطار شتى على رأسهم فضيلة الإمام الأكبر الراحل الرجل الصالح الشيخ عبد الحليم محمود، شيخ الجامع الأزهر، والذي أبى الشيخ الندوي إلا أن يجعله رئيس الاحتفال، تكريماً وتقديراً للأزهر في شيخه، وحضر معه فضيلة الشيخ الدكتور محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف في مصر في ذلك الوقت، وحضر الشيخ أحمد عبد العزيز المبارك رئيس قضاء الإمارات، والشيخ عبد الله الأنصاري مدير الشؤون الدينية في وزارة التربية بدولة قطر، والشيخ عبد المعز عبد الستار مدير توجيه العلوم الشرعية، وعدد من علماء السعودية وبلاد الخليج.
وكانت أياماً حافلة تلك التي قضيناها في رحاب الندوة، وكان مهرجاناً رائعاً وباهراً، اجتمع فيه المسلمون - والهندوس!! - بعشرات الألوف، وعاش الضيوف في فيض من كرم الشيخ الندوي وإخوانه، حتى قال أخونا الشيخ محمد المهدي البدري: لم يبق إلا شيء واحد يقدمه لنا الشيخ، وهو أن يزوج كلاً منا فتاة هندية مسلمة.
حضر المصورون ليصوروا ذلك المهرجان، وقال الشيخ: إن مذهبنا هو منع التصوير، ولكنا نسمح به اليوم؛ إكراماً لإخواننا العرب الذين لا يرون بالتصوير بأساً.
ألقيت كلمات كثيرة في المهرجان، حرص الشيخ أن يقدم بعض المتحدثين بنفسه، كما فعل معي، وكما فعل مع العلامة الشيخ عبد الفتاح أبي غدة ـ رحمه الله ـ ولقد قال لي بعدها: إن الناس تأثروا بكلامك، وإن لم يفهموه، لأن للكلام روحاً، قد يصل إلى المستمع مباشرة، وإن عجز المترجم عن توصيله.
ولا أنسى قولة الشيخ لي مرة: إن في كلامك روحاً وحرارة خاصة وهذه قلما تترجم؛ لأن المترجم يترجم المعاني والأفكار، ولا يترجم الحرارة والروح إلا مترجم يملك ما تملك.
وقد وجد هذا المترجم يوماً، ممثلاً في الأخ الشاب النابغة: سلمان الندوي من أسرة الشيخ، الذي ترجم كلمتي في (مؤتمر المستشرقين) فقال الشيخ: الحمد لله، لقد نقل سلمان المعنى والروح معاً.
لقد رأينا (ندوة العلماء) وجامعتها المتميزة (دار العلوم) في عقر دارها، تلك الندوة، أو تلك الدار التي طالما سمعنا بها، فعشقناها قبل أن نراها - والأذن تعشق قبل العين أحياناً - فلما رأيناها وعايشناها صدق الخبر الخبر، وأنشدنا مع الشاعر القديم:
كانت محادثة الركبان تخبرنا
عن جعفر بن رباح أطيب الخبر
حتى التقينا، فلا والله ما سمعت
أذني بأحسن مما قد رأى بصري!
إنها الدار التي تغنى بها الشعراء والأدباء، وأشاد بها الدعاة والعلماء، وقال يحييها العلامة الشيخ على الطنطاوي: كم أتمنى لو رددت إلى عهد الصبا، فأعود لأتعلم في هذه الدار، وأتتلمذ على شيوخها، وأرافق طلابها، وأتنفس في رحابها، وأقتبس منها العلم والإيمان، أو كمال قال. إنها الندوة التي اتخذت شعارها: الاستفادة من كل قديم نافع، والترحيب بكل جديد صالح، والجمع بين الإيمان الراسخ والعلم الواسع، والثبات على الأهداف والغايات، والتطور في الفروع والآلات، والأخذ مما صفا من التراث، وترك ما كدر منه. لقد كانت مشكلة التعليم الأساسية في العالم الإسلامي أنه يقوم على نوعين متناقضين من المؤسسات: إحداهما تمثل القديم الموروث ولا تعرف العصر، ولا تحسن التعامل معه، والأخرى تمثل العصر بتياراته ومعارفه وتوجهاته المادية والعلمانية، ولا تعرف التراث وقيمه وعقائده ومثله، كان هناك (التراثيون) الماضويون الذين يقولون: ما ترك الأول للآخر شيئاً، وليس في الإمكان أبدع مما كان! فلا اجتهاد في الفقه، ولا إبداع في الأدب، ولا ابتكار في العلم، ولا اختراع في الصناعة، ولا تجديد في الدين ولا في الحياة.
ويقابلهم (العصريون) الذين يريدون أن يجددوا كل شيء، وهم الذين قال لهم إقبال:: إن الكعبة لا تجدد، وقال عنهم الرافعي: إنهم يريدون أن يجددوا الدين واللغة والشمس والقمر!
وهنا كان الدور المبارك لندوة العلماء، لتقوم بدور التوفيق بين الجانبين، وتطعيم كل واحد منهما بعناصر من الآخر؛ فقامت الندوة فحلت عقدة الصراع بين القديم والجديد، بين الموروث والوافد، بين الماضي والحاضر، وجمعت بين التراث والعصر - أو بين الأصالة والمعاصرة، كما يقال اليوم - ورفعت شعارات الجمع والتوفيق والوسطية التي أشرنا إليها.
ومن حسن حظ الندوة أن الله تعالى هيأ لها - منذ تأسيسها - رجالاً كباراً، أقاموها على قواعد مكينة، وأسس متينة، لا تنهار بسهولة، وقد كانوا كباراً في العلم، كباراً في الفكر، كباراً في الدين، كباراً في الخلق، كباراً في العزيمة والطموح. ابتداء من العلامة شبلي النعماني، والعلامة سليمان الندوي، والعلامة عبد الحي الحسني شقيق الشيخ، إلى العلامة أبي الحسن الندوي، وكلهم قمم شامخة.
هؤلاء الكبار كَوَّنوا تلاميذ لهم أُشربوا روحهم، واقتبسوا من ضوئهم، وتخلقوا بأخلاقهم، فساروا على نهجهم، فأنشأ الله تعالى بهم مناخاً علمياً إيمانياً متفرداً في الندوة، فلا تجده في أي مدرسة أو جامعة أخرى، كما أوجدت المعلم المؤمن برسالته، المحب لمهنته، المتجاوب مع طلبته.
في المدارس والجامعات الأخرى قد تجد المنهج الجيد، والكتاب الجيد، ولكنك لا تجد المعلم الجيد، وإذا وجدته جيداً في الجانب العلمي تجده ميت القلب، جامد الروح في الناحية الإيمانية والتوجيهية.
وهذا ما لاحظناه عندنا في قطر، فقد ألفنا في العلوم الشرعية كتباً جيدة في مادتها ومحتواها، ولكنها لم تجد المعلم الذي يتفاعل معها وينقلها حية إلى الطلاب، بل وجدنا ذلك الذي يميت المادة الحية، ويلقي على حرارتها من ثلجيته ما يطفئ جذوتها ويجعلها رماداً.
ولقد قدر لي أن أسعد بزيارة الندوة ثلاث مرات بعد ذلك، مرة عندما دعاني الشيخ لمؤتمر (المستشرقون والإسلام) في مدينة "أعظم كره" التي تضم دار المصنفين وكان معي الأخوان الكريمان: الدكتور عبد العظيم الديب، والدكتور علي المحمدي، وقد أبى الشيخ وإخوانه ألا أن يشرفوني برئاسة هذا المؤتمر، الذي استمر ثلاثة أيام، فقد كانت فرصة لزيارة محدث الهند العلامة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الذي زرناه في قريته التابعة لأعظم كره، ولهذا نسب إليها الشيخ وقيل الأعظمي وفي العودة مررنا بـ "لكنهو" وجددنا فيها الذكريات.
والمرة الثانية عندما ذهبت بدعوة من الشيخ لزيارة الندوة لمدة أسبوعين، لإلقاء محاضرات على طلاب دار العلوم، والمعهد العالي للفكر الإسلامي، وكانت فرصة ذهبية للعيش في هذا الجو العلمي الإيماني المحبب، الذي يعيش المرء فيه بالله ولله ومع الله، ويتنفس علماً وإيماناً ودعوة.
ومن سوء حظي أن الشيخ أبا الحسن كان غائباً عن لكنهو وعن الهند في تلك الفترة في إحدى رحلاته المباركة، ولم نلتق به إلا في آخر الزيارة في طريقي إلى ديوبند؛ لحضور احتفالها المئوي المشهود وقال لي الشيخ: أخبرني الإخوان أنك سحرت العقول، وأسرت النفوس، قلت له: إنما أستمد من الله أولاً ثم منكم.
والمرة الثالثة: منذ نحو ثلاث سنوات حين دعاني الشيخ لزيارة الندوة ودار علومها وإلقاء محاضرات على أساتذتها وطلبتها، وقد قضيت في رحاب الندوة أياماً أعتبرها من أفضل أيام عمري، وألقيت فيها عدداً من المحاضرات في أصول العلوم الشرعية، أحمد الله -عز وجل- أن وفقني فيها، وكان مما أسعدني وشد من عزمي وجود شيخنا أبي الحسن وحضوره كل هذه المحاضرات.
ثم سعدنا به مرة أخرى في المؤتمر العالمي للسيرة والسنة الذي عقد في قطر، في بداية سنة 1401هـ وكان مقدمة لاحتفال الأمة الإسلامية بالقرن الخامس عشر الهجري، فقد أجمع المؤتمرون على اختيار الشيخ الندوي نائباً لرئيس المؤتمر.
والتقينا به في (ملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر) .
وكنا نلتقي عادة في (مجلس المجمع الفقهي) برابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، حيث نشترك معاً في عضويته.
ونلتقي كذلك في مجلس أمناء مركز إكسفورد للدراسات الإسلامية حيث نسعد برئاسة الشيخ لهذا المجلس. أما قلوبنا وأرواحنا فكانت تلتقي دائماً وأبداً مع الشيخ الجليل، في ظل الحب في الله، وفي رحاب الإسلام العظيم، الذي أكرمنا الله به، وشرفنا بحمل رسالته، وأعباء دعوته، وهموم أمته. عزائي للإخوة الأحبة في ندوة العلماء من شيوخ وطلاب في شيخهم وحبيبهم، عزائي إلى الإخوة المسلمين في الهند في علامة الهند ورمزها الكبير، وعزائي إلى المسلمين في أنحاء الأرض في فقد هذا العالم الداعية الإمام الذي قل أن يجود الزمان بمثله. نسأله جل شأنه أن يأجر أمتنا في مصابها وأن يخلفها خيراً، وأن يغفر للشيخ الندوي ويرحمه، ويجزيه عن دينه وأمته خير ما يجزي به العلماء الربانيين، والأئمة الصادقين. وإنا لله وإنا إليه راجعون