English

 

السبت. مارس. 10, 2001

ثقافة وفن » مجاهيل ومشاهير » دعوية

 

(أبو الحسن الندوي .. بقلم د.القرضاوي)

الندوي في مصر ومع المصريين

بقلم - د. يوسف القرضاوي

    اتصل بي بعض الإخوة الهنود الذين يدرسون في مصر، وقالوا لي: هل تعرف الأستاذ أبا الحسن الندوي ؟ قلت لهم: أليس هو صاحب كتاب ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) قالوا: بلى، قلت: وما شأنه ؟ قالوا: سيصل إلى القاهرة يوم كذا. قلت: أرجوكم أن توصلوني إليه عند حضوره، وما هي إلا أيام حتى حضر الشيخ، ومعه اثنان من إخوانه ورفقائه الندويين أحدهما: الشيخ معين الندوي، والثاني نسيت اسمه.
كان الشيخ ومن معه يسكنون في شقة متواضعة في زقاق من أزقة شارع الموسكي بحي الأزهر؛ فالشيخ لا يقدر على سكنى الفنادق ولا يحبها وإن قدر عليها- وفي اجتماعات مجلس رابطة العالم الإسلامي بالمملكة العربية السعودية يَدَع الفنادق التي ينزل فيها الضيوف - وهي من فنادق الدرجة الأولى - وينزل عند بعض إخوانه.
كما أنه يرفض النزول ضيفًا على بعض الكبراء من الأغنياء والموسرين؛ لعل ذلك للشبهة في أموالهم، أو لئلا يكون أسيراً لإحسانهم.
كان الشيخ حين زار مصر في شرخ الشباب، لحيته سوداء، ووجهه نضر، وعزمه فتي، وروحه وثابة، وغيرته متوقدة، كان يحمل حماس الشباب، وحكمة الشيوخ، يحمل فكر العالم الموفق، وقلب المؤمن الغيور في آن واحد.
ذهبت لزيارة الشيخ في مسكنه المتواضع أنا وأخي وصديقي ورفيقي - محمد الدمرداش مراد رحمه الله - رفيقي في الدراسة، ورفيقي في الدعوة، ورفيقي في المحنة، ورفيقي في السكن، ودعوناه إلى بيتنا في شبرا؛ ليلتقي ببعض إخواننا من شباب الأزهر الملتزمين بالدعوة في صورة ما يسميه الإخوان (كتيبة) وهو تعبير عن ليلة جماعية تقضى في العلم والعبادة والرياضة، وقليل من النوم، وكان الشيخ حريصًا على أن يستمع منا، كما نستمع إليه، فكان يسأل عن حسن البنا، وكلامه وطريقته، ومواقفه وتصرفاته في الأمور المختلفة، كبيرة كانت أو صغيرة؛ مما كون معه فكرة عن الشيخ البنا، وأنه كان (إمامًا ربانيًّا) بحق، ولم يكن مجرد زعيم يطالب بحكم إسلامي، بل كان قبل كل شيء (مربيًا) يريد أن ينشئ للإسلام (جيلاً جديداً) يحسن الفهم له، والإيمان به، والالتزام بتعاليمه، والدعوة إليه، والجهاد في سبيله.
وتكرر لقاؤنا معه، ولقاؤه معنا، نحن شباب الدعوة الإسلامية (أنا والأخ أحمد العسال والأخ الدمرداش وآخرون).
كانت أيام الشيخ أبي الحسن في مصر أيامًا خصبة مباركة، لا يكاد يخلو يوم منها عن محاضرة عامة يدعى إليها، أو درس خاص يرتب له، أو لقاء خاص يعد له.
ألقى محاضرة تحت عنوان (المسلمون على مفترق الطرق) في دار الشبان المسلمين على ما أذكر عن (محمد إقبال) شاعر الإسلام في الهند في كلية دار العلوم، كان له تأثيرها ودويها، والشيخ من المعجبين بشعر إقبال، ويحفظ منه الكثير الكثير، وقد أخرج كتابًا عنه بعنوان (روائع إقبال)، التقى الشيخ في القاهرة بكثير من العلماء والدعاة والمفكرين، وسجل عنهم ملاحظاته الدقيقة في كتابه الذي أصدره بعد رجوعه: مذكرات سائح في الشرق العربي.
التقى بالأديب الكبير الناقد الشهيد سيد قطب، وأعجب به الشهيد، وكتب مقدمة أخرى لكتابه (ماذا خسر العالم ؟) أنصف فيها الكتاب وصاحبه، وقدره حق قدره.
والتقى كثيرًا بالشيخ محمد الغزالي ورافقه في بعض رحلاته الدعوية، وأعجب كل منهما بصاحبه، وكتب عنه الشيخ في (مذكراته) تلك .
وأذكر أن الشيخ الندوي كان قد اصطحب معه عدة رسائل من أوائل كتاباته الإسلامية الدعوية، وهي جملة رسائل تعبر عن حس رقيق وفكر عميق، وبيان أنيق، وعن رهافة الحاسة الأدبية، وعمق الحاسة الروحية عند الشيخ .
وأذكر أن الشيخ الغزالي قرأها ومنها رسالتان، إحداهما: من العالم إلى جزيرة العرب، والأخرى: من جزيرة العرب إلى العالم.
وفيهما يستنطق الشيخ ما يريده العالم من الجزيرة من الهدى ودين الحق وهو ما قدمته الجزيرة قديمًا للعالم، ورد الجزيرة على هذا التساؤل.
قال الغزالي معقبًا: هذا الإسلام لا يخدمه إلا نفس شاعرة محلقة، أما النفوس البليدة المطموسة فلا حظ لها فيه.
لقد وجدنا في رسائل الشيخ لغة جديدة، وروحًا جديدة، والتفاتاً إلى أشياء لم تكن نلتفت إليها، إن رسائل الشيخ هي التي لفتت النظر إلى موقف ربعي بن عامر -رضي الله عنه- بين رستم قائد الفرس وكلماته البليغة له، التي لخصت فلسفة الإسلام في كلمات قلائل، وعبرت عن أهدافه بوضوح بليغ، وإيجاز رائع: إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. أبو الحسن الندوي - فيما أعلم - هو أول من نبهنا إلى قيمة هذا الموقف وهذه الكلمات، ثم تناقلها الكاتبون بعد ذلك وانتشرت.
وقد لقي الشيخ أستاذنا البهي الخولي وقد أعجب به الأستاذ البهي غاية الإعجاب، وسجل ذلك في رسالة سطرها إليه، كما لقي الأستاذ صالح عشماوي وغيره من قادة الإخوان، وجلس إليهم وتحدث معهم حديثاً نشره في رسالة بعد ذلك، عنوانها: أريد أن أتحدث عن الإخوان المسلمين. ولقي كذلك أستاذنا العلامة الدكتور محمد يوسف موسى، وقد كتب له مقدمة لكتابه (ماذا خسر العالم ؟).
كما لقي الأديب الداعية الشيخ أحمد الشرباصي، الذي سجل معه مقابلة عن سيرته نشرت في مقدمة (ماذا خسر العالم ؟) ومما ذكره في هذه المقابلة: أنه سئل عن أغرب ما رآه في مصر؟ فكان جوابه: أني وجدت العلماء حليقي اللحى! ولا ريب أن هذه صدمة شديدة لعالم لم ير في حياته في وطنه عالماً واحداً حليقاً، وحلق اللحى عندهم من شأن المتفرنجين، والبعيدين عن الدين، أما أن يكون هذا هو الطابع العام للعلماء في بلد، فهو الشيء الغريب ! ومن العجب أن بعض شيوخ الأزهر المتحمسين لإعادة الأزهر إلى مكانته القديمة يحاولون أن يفرضوا على الطلبة لبس العمامة، وهي مجرد تقليد! ولا يفكرون أن يفرضوا عليهم إطلاق اللحية، وهو سنة إسلامية بلا ريب!
ولم يكتف شيخنا بالنشاط والحركة في مدينة القاهرة على سعتها، بل امتد إلى مدن أخرى، سمعت بالشيخ فدعته إلى زيارتها ولقاء الجمهور المسلم فيها.
ومن ذلك: مدينة (المحلة الكبرى) التي كنت أخطب في أحد مساجدها، وقد دعاه إليها الدكتور محمد سعيد - رحمه الله - رئيس الجمعية الشرعية بمدينة المحلة، وهو طبيب أسنان معروف، نذر حياته لإحياء السنة، والدعوة إلى الله على طريقة (إخواننا في الجمعية الشرعية) وقد عرف الشيخ أن بينه وبين الإخوان شيئاً، فهو يأخذ عليهم أنهم لا يلتزمون بالآداب التي يلتزمونها هم من إعفاء اللحية، وإحفاء الشارب، وإرخاء العذبة، وإطالة الصلاة، وقال الشيخ للدكتور : (إن دعوة الإخوان دعوة عامة، مهمتها أن تجمع الجماهير على الأصول الكلية للإسلام، ثم تربيهم بالتدريج على الآداب الخاصة. ( ولابد أن يكون في الأمة المنهجان: النهج العام للإخوان، والنهج الخاص كالجمعية، واستراح الدكتور سعيد - رحمه الله - لكلام الشيخ ودعاني معه على الغداء عنده.
ولكن سرعان ما كاد هذا يذهب هباءً، عندما ذهبنا مع الشيخ إلى بلدة (نبروه) وتكلمت كلمة أغضبت الدكتور سعيد - غفر الله لنا وله - ولا أدري: لماذا ؟ ولكن الشيخ تدارك الموقف بهدوئه وحكمته وبات الناس تلك الليلة في المسجد سجداً وقياماً، بدعوة من الشيخ واستجابة كثيرين من الحضور.
كانت زيارة الشيخ لمصر هي بداية لقائي به، ومعرفتي به، ثم زادتها الأيام قوة على قوة، بيد أن هناك فترة انقطعت فيها أخبار الشيخ عنا، وذلك بعد ظهور ثورة يوليو، وصدامها الدامي مع الإخوان، ودخولنا المعتقلات والسجون، والحيلولة بيننا وبين كل نشاط يتصل بالجماهير من تعليم وتدريس أو وعظ وخطابة، وإن أجبرتهم الأقدار أن يستعينوا بنا حين وقع العدوان الثلاثي على مصر، وقد صنف الشيخ الندوي وزميله الشيخ المودودي على أنهما من أعداء الثورة المصرية، وخصوم الناصرية، ولهذا حين صدر قانون إنشاء (مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر) وهو ينص على أن يضم علماء بارزين من أقطار العالم الإسلامي، استبعد اسما الرجلين الكبيرين مع أنهما كانا أولى المرشحين بذلك، لمكانتهما العلمية والعالمية.
ثم شاء القدر أن أعار من مصر إلى قطر، بعد عشر سنوات من زيارة الشيخ لمصر (1381هـ-1961م) وقد سعدنا بزيارة الشيخ للدوحة، بعد أشهر أو سنة - لا أذكر - من قدومي إلى الدوحة، وكانت تلك الزيارة تجديداً وتأكيداً للصلة السابقة والمستمرة. وقد أشرت إليها فيما سبق.
ثم ظللت أتصل به عن طريق ما يصدره من كتب، وما ينشره من رسائل ومحاضرات، وعن طريق مجلة (البعث الإسلامي) التي كنا نعتبرها لسان الدعوة الإسلامية في الهند، ويقوم عليها أخوان كريمان من تلاميذ الشيخ ومن رجال الدعوة، وهما: الأستاذ محمد الحسني رحمه الله، وتقبله في الصالحين، وهو ابن أخ الشيخ، والأستاذ سعيد الأعظمي بارك الله في عمره ونفع به. ولا يكاد يخلو عدد من المجلة من كلمة للشيخ أو بحث، أو من تلخيص لمحاضرة، أو نحوه مما ينفع الناس، ويمكث في الأرض.
ومن أهم الكتب التي ظهرت للشيخ في تلك الفترة :
رجال الفكر والدعوة في الإسلام. . الجزء الأول منه، وهو كتاب يعتبر نسيج وحده.
وهو - في الأصل - محاضرات عن كل شخصية من الشخصيات المجددة التي اختارها الشيخ، وألقاها على طلاب كلية الشريعة في دمشق بدعوة من عميدها الداعية الفقيه الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله.
وقد أعدها الشيخ الندوي إعداداً جيداً، وبينت مدى عناية الشيخ بالتاريخ الإسلامي، ومراحله المختلفة، وعمق معرفته بخصائص الرجال المجددين للدين، والمؤثرين في الأمة، وأن كلا منهم جاء في أوانه، وسد ثغرة في جانب من الجوانب لم يكن ليسدها غيره. وقد أتبع الجزء الأول بأجزاء بعد ذلك تحدثت عن عدد من الأعلام، مثل الحافظ ابن تيمية، وشيخ الإسلام ولي الله الدهلوي، والإمام أحمد بن عرفان الشهيد، وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه (المرتضى).
ومن الكتب التي ظهرت في تلك المرحلة :
الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، وهو يبين كيف دخلت الفكرة الغربية ديار المسلمين، وصارعت الفكرة الإسلامية، التي هي الأصل وصاحبة الدار وكيف كادت تنفرد بالتأثير والتوجيه فترة من الزمن، ثم قيض الله للفكرة الإسلامية من يجددها ويدعو إليها ويذود عنها، لتتبوأ مكانتها.
ومنها: الأركان الأربعة، وهو كتاب يتحدث عن العبادات الأربع الكبرى: الصلاة والزكاة والصيام والحج، بلسان الداعية المعاصر الذي يخاطب العقل والقلب معاً.
ومنها: ربانية لا رهبانية:
وهو كتاب يتحدث عن الجانب الروحي أو السلوكي في الإسلام، لا حديث الصوفي المتأثر بفلسفة الحلول أو الاتحاد، ولا بالطرقية المرتزقة، بل حديث المسلم الملتزم بالكتاب والسنة، العارف الذائق الذي خاض التجربة الروحية، فلم يغرق في بحار القوم، بل خرج بلآلئ وجواهر انتفع بها، ولم يحجبه عنها المصطلحات التي قد تنفر ولا تبشر، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء، وبالمضامين لا بالعناوين.
ثم كان للشيخ بعد ذلك كتب ورسائل سارت بذكرها الركبان، وتلقاها المسلمون بالقبول في كل مكان  

اقرأ: - مع الشيخ في مسقط رأسه

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم