|
الموت الشريف.. يفضله المؤمن الحق على العيش الذليل.. الموت العزيز أفضل ألف مرة من العيش في عقر الدار في قلق واضطراب خوفا من تسلط الظلمة علينا. هو هكذا إذا استغرق في بحر العرفان الرباني، ذلك المسلم العزيز الكريم. ولا يدرك هذا المعنى من يعيش حياة المقابر ميتا في الحياة.
وفي الحقيقة إنه من الصعوبة بمكان أن تتطهر ذنوبنا بشكل آخر. إن الإنسان يعيش مرة ليكسب السعادة في الآخرة. والحال أن حياتنا تمضي غارقة بالذنوب. فكم من مرة يقترف النظر الحرام شاب يجول في الأسواق ويجوب الشوارع، وكم من مرة يموت كل يوم.. كم مرة ينغمس في القاذورات، كم من مرة يغرق في الأوحال، كم من مرة يُنزل الحرام إلى معدته، بل كم مرة يركع ويسجد أمام الحرام، كم من مرة يعصي ربه الجليل، كم مرة يهمل توقير الرسول الحبيب -صلى الله عليه وسلم- بل كم من مرة يزل إلى الكفر بإنكاره القرآن الكريم… فلا ضمان لتطهير هذه الأجساد المليئة بالآثام إلا طريق الشهادة.. البقاء في هذا الشعور والفكر، واغتنام الفرصة متى سنحت والتمسك بها، والسعي للفوز بذلك الموقع المعلى مضطربا اضطراب أبي عقيل.. نعم إن هذا هو أسمى غاية لكل من حمل أمانة دعوة الإسلام العظيمة وينبغي أن يكون هذا. فالشهادة هي غايتنا ومطلوبنا وعشقنا...
إن أفضل ما يعمله من أمضى حياته بالصالحات من الأعمال في منظومة من الشعر الرقيق أن يختمها بقافية الشهادة. وعندما تكسب الحياة قيمة أعظم وأغلى فتتفتح في رياض الجنة إلى ما شاء الله أن تتفتح عن ذخائر مباركة، ألا يكافأ في الجنة على كل عمل من الصالحات.
فالجنة وجهنم حوضان ومخزنان تجمعان أعمال الإنسان، فيتجمع الخير والطيب منه في الجنة والشر الخبيث في جهنم. ومن هذه الجهة فنحن بمثابة من ينسج الجنة وجهنم ويحيكهما خيطا خيطًا.
إن تاج الأعمال الصالحة هو الشهادة بلا شلك. والشهادة هي تسليم من نذر حياته في سيبل الله، وروحه إلى الله على بصيرة وعلم؛ لأن بصره قد تفتح في الدنيا فشاهد ما وراء الدنيا ولما يزل فيها. وقد اجتنى الشهيد ثمرات الجنة لنذر حياته لله. ومن هذه الناحية فهو المحظوظ المختار من بين الناس.
إن من يريد أن يأخذ حظا كاملا من حياة مباركة طبية عليه أن يقطر عليها قطرات من الدم في سبيل الله ويكون شهيدا، كي يظفر بمطلوبه بأفضل ما يمكن، فالحياة التي لا تختم بالشهادة تترك فجوات مهما كانت معمورة بصالح الأعمال. أما الحياة التي أخذت نصيبها من الشهادة بشكل من الأشكال فليس فيها فراغ ولا فجوة فهي كالقصيدة التي اكتملت بقافيتها إلى آخر بيت. ففيها الانسجام والنظام والمحبة. الشهادة مفتاح ذو أسرار، تفتح أبواب الرحمة للسماوات والأراضين على مصاريعها. حيث يمضي الشهيد دون حساب في المواضع التي يحاسب فيها حتى الأنبياء متوجها إلى ما أعد له من العوالم. الشهيد له حصانة، فلباسه الملطخ بالدم يمنحه الامتياز في المرور.
لقد حرص كل مؤمن بالله على الشهادة ختاما لحياته، في جميع المعارك الحاسمة والكفاح المستميت والحركات النضالية الجادة التي مرت في جميع الأدوار. ذلك لأن الله سبحانه يرضى عن أمثال هؤلاء من عباده، كما ذكر في حديث الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "عجب ربُّنا من رجل غزا في سبل الله فانهزم يعني أصحابه فعلم ما عليه فرجع حتى أهريق دمه فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه".
|