English

 

الأربعاء. مايو. 2, 2001

ثقافة وفن » نادي المبدعين » الشعر الفصيح

 

الألَم والحُرقة والأمَل

قصيدة في رثاء الشهيد محمد الدُّرة وهي لسان حال أبيه جمال الدرة وهو يخاطبه قائلا:

بُنيَّ: مِـنْ أيِّ رُزءٍ فِيـــكَأبتَــدئُ

 

وَفِي فؤادِيَ نَــارٌ ليـسَتَنطَــــفِئُ

بُنَيَّ: يا ألقَ الصُّبحِ الـذيانكَسَـــفَتْ

 

شُـموسُه، وغــدَتْ فـِي الأفـقِتَنكفِئُ

بُنَيَّ: يا قطرَةَ العُمــرِ التــينَضُبتْ

 

مَــا زِلتُ أرقَبُها إذْ كَظَّنــيالظَّمــَأُ

بُنَيَّ: يا جُرحِيَ الدَّامــِي علــىكَبِدي

 

بأيِّ ذَنـبٍ لكَ الأعـــداءُ قــَدْنَكَأوا

عَــدَوا عَليـكَ بأحقَــادٍمُؤجَّجــَةٍ

 

تَنــاقَلوها مـِنَ الآبــاءِ إذْنَشَــأوا

مَا فَتَّ فِي عَضُدِ الجَـــانِيتَوسلُنــا

 

وَلَمْ يُحرِّكْ ضَمِيــراً نَحــوَناالمَــلأُ

مَضـى الخلائِقُ كُـلٌ فـِيشَــوَاغلِه

 

وَعدتُ وحــدِيَ فَوقَ الجُــرحِأتكِـئُ

وهَوَّمَـتْ لِلَذيــذِ النَـــومأعينُـهمْ

 

فِي حِين عَيني إلى الأحــزانِتَلتَجــِئُ

قُلوبُهم مِنْ قَليــلِ الحُــزنِفَارِغَــةٌ

 

وَقلبـيَ اليـومَ بالآهــاتِمُمتــــَلِئُ

بُنيَّ : فِـي جَنَّةِ الفِـردَوسِمَوعــدُنا

 

فــاهنأ بعيـشِكَ فِـي أكنـافِ مَنْهَنَئوا

***

 

***

بُنَيَّ: عُمــرُكَ لَمْ يُكمِـلْرِوايتَنـــا

 

إذْ لَمْ يُخبــركَ عن إرهــابِهمنَــبَأُ

قَالــوا: بأنَّ (كَلـــيمَ اللهِ) قُدوَتُـهم

 

وهمْ بِتــورَاتِهِ واللهِ مــاعَبـــَأوا

لَمْ يَفقَهوا فِكـرَة ًمِنْ سَمـْحِشِــرعَتِه

 

وكِلْمَةً مِنْ هُدَى التَّلمـودِ مــاقَـرَأوا

إنْ يزعمــوا أنَّهـم للصُلحِ قـدلجأوا

 

أو يَدعوا أنَّهم سِـلْمٌ ، فقَــدخَسِــئوا

شَريعةُ الغَابِ نَهـجٌ يُؤمِنــونَبِــهِ

 

ومِنْ ســِواهُ وحَــقِ اللهِ قــدبَرِئوا

كَمْ مِنْ رِقَابٍ بِكَفِّ الغَدرِ قَــدنَحـروا

 

وأعيــنٍ بِيدِ الطُّغيــانِ قـــدفَقَأوا

في (دِير ياسينَ) في (قَانا) جَــرائِمُهم

 

تَحكي :بأنـهمُ عنْ دِينــهمصَــبَأوا

قدْ دَنسوا المسجدَ الأقصىوَصــخرَتَه

 

وفوقَ أرؤسِنا بالنَّعـلِ قــَدْوَطِــئوا

ما كانَ خِنـــزيرُهم ( شَارونُ ) أولَّهم

 

بلْ قَبلَه ألفُ خِنـزيرٍ قــدِاجــترَأوا

خَمسونَ عاماً ودُنِيـا البَغِيبَـــارِزَةٌ

 

ونَحـنُ فِـي طُهـرِنا المـزعومِنَختَبِئ

أسيافهم مِنْ بَرِيقِ النَّصــرِلامِعَــةٌ

 

وَسـيفُنا يعتليــهِ الخوفُوالصّـــَدَأُ

سَقَوا لنا الذُّلَّ مِنْ كــأسٍمُصَــبَّرَةٍ

 

حتى إذا ما شــَرِبنا قَطــرَةًمَــلأوا

لَو سَدُّ مَـأرِبَ فِيــهِ بَعـضُخَيبَتـِنا

 

لَمـا بَكَتْ فَقدَهُ بَلقِيــسُ أوســــَبأ

أصــداءُ ( خَيبرَ) دَوَّتْ فِيمَسـَامعِنا

 

وعــادَ ( مَرحَبُ) بالإســلامِيَهتَزِئ

وَدَبَّ في ( الحِصنِ) خَوفٌ منتَجمهُرِنا

 

حَتــى إذا مَــارَأوا رَايـاتِناهَـدَأوا

***

 

***

أبنــاءَ صُهيونَ: والأيـــامُ فيدوَلٍ

 

وليـسَ يبـقَى علـى حــَالاتِهـممَلأُ

إنْ سَرَّكم زَمَنٌ قَدْ سَــاءَغَيــرَكـمُ

 

فَــلا تظنّـوا بأنَّا أُمَّــةٌهــــُزُؤُ

ولا تَظنّــوا بــأنَّ المــوتَيُرهِبُنا

 

فالمسرِعونَ إلى لقيــاهُ مَــافَتِئــوا

جَرَّبتمونا بِلبنانَ التـــياندَحــرَتْ

 

فُلولُكم فَوقَهــا مِنْ بَعــدِ مَــاخَرِئوا

فاسـتَقبلوا قَافِلاتِ المــوتِوَاحِــدَةً

 

فِي إثرِ أُخــرَى على هــاماتِكمتَـطَأُ

سَــيقتلُ الجَــديُ ذئباً فِيتَحــفُّزِهِ

 

وَيصرَعُ الليــثَ فـي إقـدامِـهالرَّشَأُ

النقد والتعليق: 

عبد الرافع مجاهد- باحث أكاديمي في الصرف والعروض

التجربة التي بين أيدينا هي تجربة رثاء الابن، ولكننا لا نستطيع أن نصنفها تجربة غيرية كما لا نستطيع أن نصنفها تجربة ذاتية؛ لأنها تجربة غيرية من حيث إن شاعرنا المجيد وضع نفسه موضع جمال الدرة ورثى محمد نيابة عنه، وهي تجربة ذاتية من حيث إن المصاب مصاب أمة بأسرها تجاوزت المليار وربع المليار، ولكن أطفالها يقتلون عمدا مع سبق الإصرار وفي وضح النهار وعلى أيدي أخبث الأشرار اليهود أعدائنا التاريخيين، ثم في مشهد الدم والدمع واللهيب المشتعل والنيران المتقدة والجرح والآلام ترى في خلفية الصورة أمة صامتة تائهة نائمة "هومت للذيذ النوم أعينها"؛ فخيبة الشاعر في أمته خيبة كبيرة فهو لا يرثي الدرة فقط وإنما يرثي ويؤبن الشهامة والرجولة في أجيال ترى حرمة الأمة مستباحة وهيبتها ضائعة ومع ذلك تراهم "قُلوبُهم مِنْ قَليلِ الحُزنِ فَارِغَةٌ" وهو يبكي أيضا ثروات الأمة المبددة في غير نفع التي لم ترفع للأمة رأسا ولم تنتزع لها عزا، فلو أن بلقيس خاب أملها في سد مأرب كما خاب أملنا اليوم في نفطنا "لَما بَكَتْ فَقدَهُ بَلقِيسُ أو سَبأ" وهكذا لو غاضت بحور البترول التي تتدفق كل يوم في أرض أمتنا ملايين وملايين من البترودولارات فلن تبكيها العروبة ولا الإسلام؛ لأنها لم تحافظ على الأرض والعرض وشرف الأمة وأقصاها الحبيب.

وقد وفق الشاعر كثيرا وأخفق قليلا فهو شاعر تطاوعه الأوزان وتسلم له وقد بسط له بحر البسيط رداءه فأخرج آهاته وآلامه وبكى واستطرد كيف يشاء من غير أن ينكسر له وزن، ولكن غلبته القافية فاضطر في بعض الأحيان إلى اصطياد قافية لا تتناسب مع سمو العاطفة التي عشنا معه فيها مثل قوله "من بعد ما خرئوا" وهو لفظ مع أنه فيه السخرية من مشهد المهزوم الفار الذي كان بالأمس يتباهى بقدراته التي لا تحد وقوته التي لا تقاوم إلا أن فيه إسفافا لا يليق وقد اضطر أيضا بسبب المحاولات المستميتة مع القافية إلى أن يهمز الرشا ليقول الرشأ وإلى أن يستعمل يهتزئ في موضع يهزؤ ويبدو أن القافية أيضا هي التي اضطرته إلى استخدام كلمة ملأ في موضع قوم في قوله

وليسَ يبقَى على حَالاتِهم مَلأُ

وفرق بين الملأ والقوم؛ فالملأ هم أولو الأمر والنخبة الحاكمة، ولا نظن أنه يريدهم هنا وحدهم، والقوم هم الجماعة من الناس وقد كرر الملأ مرتين في القافية وهو عيب في الشعر يسمى "الإقواء".

وفي الصورة أيضا حالفه التوفيق أكثر مما أصابه الإخفاق فهو قد صور المصاب الضعيف الذي لا يجد من بني قومه من يساعده بأنه يتكئ على جراحه وهي صورة لعمري مؤلمة لمن يعانيها ومن يشهدها وكذلك في قوله "قلوبهم فارغة" "وقلبي ممتلئ" استعارتان بليغتان ومعهما محسن بديعي جميل غير مصطنع وهو الطباق ومن أروع الصور قوله "وسيفنا يعتليه الخوف والصدأ" ولست في حاجة إلى شرحها ففي وجوه الكثير من القيادات العربية أوضح شرح لها، لكنه والحق أقول لم يوفق في بيته الأخير عندما استعار للمهزوم صاحب الحق الجدي وصور المغتصب المغرور بقوته في صورة الأسد فالجدي في ضمير اللغة رمز للبلادة وليس رمزا للصمود وكذلك الأسد رمز للشجاعة وليس رمزا للظلم يبدو أنه أراد مقارنة الذئب بالجدي ومقارنة الرشا بالأسد وكان عليه أن يختم ختاما أقوى من ذلك، لكن يشبه قوله قول شاعر أراد أن يفخر بنفسه وبقدراته في الصبر فقال:

إذن لو رأتني أخت جارتنا

إذ أنا في الدار كأنيحمار

ومما يعيبه أيضا أنه يفاجئنا في قصيدته بالخروج من حالة نفسية إلى حالة أخرى من غير تمهيد من مثل قوله:

بُنيَّ فِي جَنَّةِ الفِردَوسِمَوعدُنا

فاهنأ بعيشِكَ فِي أكنافِ مَنْهَنِئوا

فهذا عزاء يعزي به المصاب نفسه في قمة ثورته وحزنه يأتي هكذا من غير تمهيد أو حتى حرف استدراك وهو أيضا لم يوفق في اختيار كلمة تناقلوها في قوله:

تَناقَلوها مِنَ الآباءِ إذْ نَشَأوا

والأفضل لو قال توارثوها، أيضا كان لا ينبغي أن يعدي الأفعال "قال وظن وحكى" بالباء أربع مرات فالأفصح أن تتعدى من غير حرف جر.

وقد أحسن استلهام آيات القرآن الكريم والاقتباس منها في الحديث عن سد مأرب وتشبيه قادة اليهود بالخنازير وهو ما يتناسب مع حرب العقيدة التي تتحدث عنها القصيدة وقد أبدع أيضا في استلهام التاريخ القديم والمعاصر في الحديث عن خيبر وقانا ودير ياسين وخمسين عاما من الاحتلال.

والقصيدة رائعة والتجربة يبدو فيها الصدق وعمق الإحساس بنكبة الدرة الشهيد والأمة المهزومة وشدة الكراهية لليهود.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم