|
"جدك يا ابنتي كان يحب القراءة" تلك كانت إجابة جدتي عندما سألتها عن هذا الصندوق القديم الذي تحتفظ به وعمَّا يحتويه. وقد كانت إجابتها كافية لِأَن أَهُمَّ بفتح هذا الصندوق لكي أرى ما كان يقرؤه جدي (رحمه الله) وكم كانت فرحتي وأنا أقلِّب صفحات تلك الكتب التي تزكم رائحتها الأنف، وينعكس لون صفحاتها الصفراء على عيني، ووجدت نفسي أتساءل ماذا يحدث إذا لم نحتفظ بهذه الكتب الأمهات؟! وما هي الأهمية الحقيقة لهذه المخطوطات القديمة ؟! … وسرعان ما تأتي الإجابة.
تكون الفن الإسلامي في فترة وجيزة لا تزيد عن قرن من الزمن، وذلك بعد الفتوحات التاريخية للعرب الذين امتدت سيادتهم لتشمل فسيفساء من الشعوب المختلفة ما بين الهند والمحيط الأطلسي.
فكان طبيعيًّا أن يلتقي الإسلام بحضارات ذات أنظمة سياسية واجتماعية متنوعة، كما كان طبيعيًّا أن يحتضن ويهضم الفن الإسلامي الناشئ التراثَ الفني المتنوع للبلاد التي تكونت منها الإمبراطورية الإسلامية الجديدة. تلك البلاد التي كانت مراكز حضارات عريقة ازدهرت فنونها قبل العصر الإسلامي، نذكر منها الحضارة الفرعونية والأشورية والبابلية والفينيقية والساسانية والقرطاجنية والإغريقية والبيزنطية.
وسرعان ما انتقلت الأنواع المختلفة من الثقافات واندمجت في موضوعات إسلامية جديدة كونت لدى الشعوب المعتنقة للإسلام لغة فنية وثقافية موسعة.
حمل الإسلام فكرًا جماليًّا شديد الصلة بقيمه العقائدية، واستطاع عبر ذلك الفكر بلورة النماذج الفنية الموروثة عن الشعوب والحضارات الأخرى، وإعادة صياغتها في نَسَقٍ تشكيلي جديد له قوانينه ومعاييره ولغته الجمالية التي نشرت بهاءها عبر الزمان والمكان.
من بين تلك الفنون نجد فن زخرفة المخطوطات الذي تولدت عنه مجموعة تشكيلية متنوعة وغنية، تكشف عن إحدى الجوانب المهمة والمتفردة للقيم الجمالية الإسلامية.
فملايين المخطوطات نُسِخَت وزُخْرِفَت، وكانت محل عناية منذ بدايات "العصر الذهبي" للإسلام الذي يستلهم من القرآن الكريم قيمة المعارف المكتوبة ويجعل منها ضالة الإنسان. وعُرِفَت مؤلفات الكُتَّاب الذين قدَّموا إسهامات رئيسية في مجالات العلوم والفلسفة والأدب والفقه وغيرها من ألوان المعرفة المختلفة بما في ذلك فن الموسيقى أو فن المطبخ، عناية فائقة من طرف الرسامين والمزخرفين والخطاطين، فكانت موضوع إنجازات تشكيلية اعتبرت بحق تحفًا فنية خالصة.
ولا عجب إن كان القرآن الكريم أول الكتب التي عرفت عناية نادرة، إذ عكف كل الخطاطين على تـدوينه وتـزيين سوره. ويُعَدُّ الوزير أبو علي محمد بن مقلة (المُتَوفَّى سنة 328 هـ/ 939م) وعلي بن هلال المشهور بابن البواب (المُتوفَّى سنة 413 هـ/ 1022م) وياقوت المستعصمي (المُتوفَّى سنة 698 هـ / 1298م) من أشهر أولئك الخطاطين.
تقدم لنا المخطوطات التي سلمت من كوارث الأيام صورة مشرقة للفن الإسلامي، كما تعرض علينا مجموعة كبيرة من الإنجازات الفنية وتمنحنا نظرة متكاملة عن القواعد الجمالية الإسلامية. إننا نجد الأشكال التزيينية المعتمدة في المخطوطات قريبة جدًّا من تلك المستعملة في العمارة، بل إن لها من القِدَم ما يجعلنا نتساءل عن المصدر الأول للنماذج الجمالية، أهو المخطوط أم الديكور المعماري؟! وإذا كان الخط الفاصل بين هذين الصنفين من الفن ليس واضحًا، فإنه يجب التأكيد على أنهما منذ القرن التاسع الميلادي عاشا وتطورا متزامنين وتداخلت عناصرهما الزخرفية بكثافة نادرة.
وتظهر الزخرفة في نسخ المصاحف خاصة والكتاب العربي بصفة عامة كإحدى الواجهات الرئيسية التي تجلت من خلالها القيم الجمالية الإسلامية، بحيث مَنَحَتْنا صورة صادقة ونماذج تمثل إلى حد كبير عبقرية الفن الإسلامي، سواء أخذت تلك النماذج من العمارة أم ابتدعتها يد مُزخْرِف المخطوط.
أهم المراكز العلمية التي ساعدت في نشر المخطوطات:
وقد تكوَّن فن الكتاب ونَمَا في ظل مؤسسات التعليم والبحث التي شيدت بالشرق انطلاقًا من نهاية القرن الثامن الميلادي، التي انتشرت بسرعة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي. وهكذا تجلت في كل واحد من تلك المراكز آثار تطوره التاريخي وظروفه المحلية والإمكانيات الخاصة لكتابه والعبقرية الخلاقة لفنانيه.
والمدارس - وإن اختلفت باختلاف أساليب عصورها - يمكن تشبيهها بما نصطلح على تسميته اليوم بالجامعات، أما مُشَيِّدو المدارس فهم بالأساس الملوك أو الأمراء أو المحسنون من الأثرياء الشغوفين بالثقافة والمتحمسين لها.
وهكذا أسس المأمون في القرن الثامن أكاديمية "بيت الحكمة"، وفيها قام علماء مشهورون بدور أساسي في الترجمة والشرح والتعليق على النصوص الفارسية الإغريقية والفارسية القديمة. كما احتوى "بيت الحكمة" على مرصد للمراقبة الفلكية.
وشيد الحاكم بأمر الله في القرن العاشر "دار الحكمة" بالقاهرة، وكانت مكتبتها تضم ما يناهز مليون مخطوط مكمِّلَة بذلك مجموعات جامع الأزهر الذي شيده الفاطميون سنة 972 ميلادية.
أما في أيام صلاح الدين الأيوبي (القرن الثاني عشر الميلادي) فقد عرفت مكة المكرمة مدرسة حنفية وأخرى شافعية، كما كان بالمدينة المنورة مركز للدراسة والبحث احتوى على مكتبة غنية.
وفى المغرب العربي نجد مدرسة تونس أسسها الحفصيون في القرن الثالث عشر الميلادي، ومدرسة تلمسان التي درس بها المؤرخ المغربي الكبير ابن خلدون، التي ظلت مشهورة إلى عهد قريب.
أما مدينة مراكش التي شيدها السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين فقد تطورت بشكل كبير في أيام حكم المرابطين، وأصبحت أحد أهم المراكز الثقافية بالعالم الإسلامي.
إنها لنشوة حقيقة تلك التي تعترينا ونحن نقلب صفحات علاها الاصفرار وزكمت الأنوف منها رائحة الغبار، إنه فعلاً ذلك الماضي المجيد بجَوِّه المغمور بدفء الحنين، فلا غرو إذن، إذا منح فن الكتاب سحرًا يتجلى في تناسق الألوان وروعة التَّذْهيب، وجعله منارة فنية شامخة شاهدة على عظمة الماضي الحضاري الإسلامي.
|