|
عقارب الساعة تتحرك.. عقرب الثواني يدور ويدور ويتقدم معه عقرب الدقائق والساعات.. يشعر بالأرق والضيق من كل ما حوله.. صراع يدور بين العقارب داخل هذه الدائرة الصغيرة.. القوي السريع يطأ في طريقة الضعيف المتلكئ.. يصول ويجول داخل غرفته في حيرة من أمره..
يرى الساعة مرة أخرى عن قرب.. الوقت يمر كالبرق.. ألقى برأسه وحاول أن ينام فلم يستطع.. أنين العقارب يدب إلى مسامعه.. يفزع وينظر إليها.. يخلعها من يده ويلقي بها أمامه على الطاولة.. أخذ ينظر بخوف.. أمامه كتاب انطوى معه أفكار قصة الأمس وذكريات لأيام عصيبة مرت به وهو صغير في مدينة السويس الباسلة تلك المدينة وغيرها من مدن القناة (اللاتي تعرضن) للعدوان في عام 1967.. عقارب الساعة تعود للوراء.. الظلام يملأ الغرفة.. وفي داخل هذه الدائرة يرى العقارب وكأنها تتحرك إلى الماضي.. الدائرة تتسع.. تحولت الدائرة إلى ميدان قتال..
طائرات تدك البيوت.. صواريخ تنطلق وفي انطلاقها هدم وتدمير.. مدافع تطلق وتقتل.. دبابات تهجم.. قذائف تحرق.. قنابل تنفجر.. النساء يصرخن ويركضن حاملات أطفالهن.. أصوات مفزعة.. الرجال يهرعون إلى الشوارع.. الأطفال يصرخون وفي صرخاتهم نجدة واستغاثة.. الآلاف من القتلى ملقاة جثثهم على الأرض.. وجرحى يزحفون.. ونساء يسبحن في دمائهن.. المدينة تحولت إلى خراب ودمار.. نيران.. صراخ..
عقارب الساعة تدور.. هاجر إلى القاهرة بمفرده تاركاً بلدته.. لقد دمروا منزله وقتلوا والده وماتت أمه وأخوته تحت الأنقاض.. لم يتبق له شيء سوى الثأر.. والحزن الذي يملأ صدره.. واصل دراسته حتى تخرج وعمل صحافياً.. لم ينس ثأر والده وأمه وأرضه التي اغتصبها عدوان غشيم.. نادى بالصحف.. الثأر.. هدد الصهاينة.. الثأر يراوده..
عقارب الساعة تدور.. فاجأه رئيس التحرير يوماً: أنك ستذهب إلى رحلة السلام مع وفد إعلامي كبير لإجراء حديث صحفي.. تساقطت الكلمات على جسده منهمرة كطلقات الرصاص.. كيف يذهب ليضع يده في أيدي مدنسة بدماء أبرياء ويسالم من قتل أباه وأمه وأخوته ومن شرده من وطنه ليعيش غريباً في وطنه؟..
حاول الرفض فعجز.. ذهب إلى رحلة السلام والتقى بأحد الصهاينة.. (عينيه) بهما شيء من الدمار.. تحدث معه.. أسنانه بها بقايا من الدماء.. إلى أن انتهى الحديث.. ثم قال له الصهيوني: انتهى اللقاء أليس كذلك؟ ونظر إلى الساعة.. نظر إليها في رعشة.. النظرة تنحدر رويداً رويداً.. صرخ.. لا.. لا.. لم أنس الثأر يا والدي.. لم أنس الثأر يا أمي.. لم أنس الثأر يا أخوتي.. لم أنس الثأر يا وطني.. اختلطت كلماته ببكائه.. تحول صراخه إلى همس.. لم أنس الثأر بعد.. دموعه تنهمر وتمتزج بكلمات مكتوبة على ورقة بمداد قلمه.. إنها ورقة الاستقالة.. كتبها عن تراض منه، وقال في نفسه: سيأتي يوم الثأر حتماً..

النقد والتعليق:
الأستاذ أسامة الرحيمي - محرر الصفحة الثقافية بالموقع، صحفي بالأهرام
يا صديقنا الطيب، سأكون صريحا معك جدا.. لسبب أولي أنك في التاسعة والثلاثين ويفترض فيك أنك قرأت كما كبيرا من القصة والنقد بما يكفي لجعلك كاتبا كبيرا، ولكن للأسف يبدو أنك فضلت الكتابة دون القراءة، وثق أن هناك قانونا دائما لا يمكن أن يختلف عليه أحد أبدا وهو: لا كتابة بلا قراءة أبدا، ودعني أكرر أبدا.
وأيضا الإبداع لا يتحقق بالنيات الحسنة فقط، فيجب توفر الموهبة، وحتى لو توفرت المشاعر الصافية والحس المرهف والوجدان المتأجج والذاكرة الساخنة المليئة بالأحداث والتفاصيل!! كل هذا يصلح لصناعة موقف وطني واضح تجاه عدو غاشم أو كما أسميته "غشيم" لكنه لا يصنع أدبًا..
ثانيا: اللغة تراكم من القراءات والبحث، والواضح من لغتك الاستسهال والاستبساط، وهذا يضعف أي نص مهما كانت القصة جادة وخطيرة وفائقة الحساسية.
وانظر معنا مرة أخرى فيما كتبت حتى لا تظن أننا نزعم ما ليس في عملك، الاستخدام غير الدقيق للكلمة التي تُعبر عن صوت دورات العقارب، وهي "الدق" وليس "الدبيب"؛ فالأخير يُنسَب للنمل عادة لا لصوت الأقدام "دبيب الأقدام".
وفي القصة عادة يجب الاقتصاد في اللغة فإذا استطعت الاستغناء عن عدة كلمات واستبدالها بكلمة واحدة، فلتفعل فورا، فعندك مثلا يخلعها من يده ويلقي بها أمامه على الطاولة أليس الأفضل أن تقول: ويلقيها على الطاولة. ثم قلت أمامه كتاب انطوى معه أفكار الأمس أليس الصحيح انطوت. وقلت: "مدن القناة اللاتي تعرضن"؛ أليس الصحيح التي تعرضت.
ومن الركاكة القادحة ما هو معروف تكرار الكلمات أو المعنى، وعندك الاثنان، مثل: صواريخ تنطلق، وفي انطلاقها هدم وتدمير؛ أليس الصحيح صواريخ تنطلق فتهدم وتدمر. ثم عددت الطائرات والصواريخ والمدافع والدبابات والقنابل، ثم قلت وقذائف تحرق؛ أليس كل ما تلقيه هذه الأشياء قذائف، أم لها أسماء أخرى؟ ثم نقول أليست كلمة يصرخون وسط كل هذا الدمار تكفي، ثم نقول الآلاف من القتلى ملقاة جثثهم على الأرض؛ ألم يكن أفضل الاختصار والتكثيف بكلمات قليلة مثل آلاف الجثث ملقاة، وأيضا جرحى يزحفون ونساء يسبحن في دمائهن وما هو للتفرقة بين الجرحى والنساء؛ ألم يكن ممكنا ضمهما في كلمة واحدة مثل الجرحى.
وبعد هذا كله تأتي لتقول مجملا كل تفصيلاتك السابقة: "المدينة تحوّلت إلى خراب ودمار .. نيران وصراخ"، عجبا وماذا نسمي كل ما سبق.. هل يختلف عن الخراب والدمار.. ألم تذكر النيران والصراخ من قبل ..، اسمح لي ثانية عجبا!!.
وكذلك عدت للكتابة بالطريقة نفسها "لقد دمروا منزله وقتلوا والده وماتت أمه وإخوته تحت الأنقاض، السؤال هنا: هل مات أبوه في مكان وبقية أهله في مكان آخر، أما ماتوا جميعا تحت الأنقاض، فإن كان؛ فما الداعي لتكرار كلمة الموت والقتل والفصل بين الأب والأهل، هل لتبشيع الألم ومضاعفة الإحساس بالفجيعة لدى البطل والمتلقي أم أن الركاكة تمكنت من حياة الكتابة، عموما أنت أدرى منا بالحقيقة.
ولا نحب أن نستطرد في استعراض الأمثلة الباقية التي امتدت إلى نهاية النص الذي أستكثر عليه وصف قصة لانعدام الصلة، وأرجو ألا تغضب؛ لأننا نتمنى أن تعيد قراءة عملك بنفسك، وانظر ماذا ترى أظنك سترى عجبا.
يا صديقنا الطيب، نرجوك أن تقرأ إذا كنت تصر على الكتابة، ودعني أقسم أن نياتك حسنة وطيبة، ولكنك تعلم أن النيات الحسنة لا تكفي، ويقول البعض بأنها تؤدي إلى النقيض.
وإن استثـقلت كلامنا، فقد تقتنع يوما أن الصدق شاف مهما بلغت مرارته، وأن الحق رائع وإن أوجع.. نرجوك أن تقرأ وتقرأ وتقرأ، والإبداع لا يتوقف عند سن معينة تحياتنا، ونرجو لك التوفيق.
|