يُعد الرثاء من أقدم وأهم فنون القول التي مارسها الإنسان لارتباطه بحقيقة كونية كبرى هي الموت، ولارتباطه بحاجات نفسية إنسانية أساسية منها الحزن الذي يصاحب حقيقة موت إنسان عزيز، ومنها رغبة الإنسان في الخلود، أو أن يبقى ذكره حتى بعد موته ممثلاً في تمثال خالد، أو مقبرة عظيمة، أو كتاب، أو الذكر الحسن الذي تخلده قصيدة رثاء!! وبين يدي كتاب فريد عن "المراثي الشعبية.. العديد" للدكتور عبد الحليم حفني ، وهو كتاب يهتم بفن الرثاء في صورته الشعبية (العديد) .. جمع الباحث مادته في الستينات عندما كان هذا الفن الشعبي يؤذن بانقراض … ونشره في الثمانينات عندما كان قد انقرض بالفعل.
و"العديد" هو الرثاء في صورته الشعبية تقوله المرأة في حالة موت شخص ما، وقد تقلصت أغراض الرثاء في العديد، فأصبحت غرضًا واحدًا أساسيًا هو إثارة الحزن واللوعة على الفقيد عن طريق الصورة الشعرية.. وكان العديد يقال في المآتم عن طريق سيدات يحترفنه هن "الندابات" أو "الشلايات" هذا بالنسبة لطبقة الأثرياء، أما الطبقات غير الثرية فقد كانت تنشر "العديد" إحدى السيدات اللاتي تحفظنه..
ولقد تناولت دراسة الدكتور عبد الحليم حفني "العديد" كأحد فنون القول الشعبية مبينة دوره في حياة المرأة الشعبية كمعبر أساسي عن ثقافتها وعقليتها وكحاصل لهذه الثقافة والعقلية، وعامل أساسي في تكوينها أيضًا.. وكان هذا الفن يتركز في المآتم إلا أنه يتناول معظم ظروف الحياة التي تعيشها المرأة الشعبية، كما أنه يشبع حاجة الحزن لديها، ويشبع أيضًا سليقة طبيعية هي "الشاعرية" التي يوجد منها قسط لدى كل إنسان..
ويتميز العديد بقوة التصوير لأن الصورة هي سلاحه الأساسي في تحقيق غرضه، وهو إهاجة الحزن في النفوس.
وقد أكد الباحث أن "العديد" صورة تنعكس فيها حياة المجتمع، وتنطبع عليها أفكاره وطابع حياته، فهو يسجل في حياة الشعب ناحيتين.. عقلية الشعب وأفكاره.. حياة الشعب الاجتماعية والسياسية .. كما يساعد العديد على الإحاطة بأسلوب حياة وعادات وتقاليد ومناسبات وملابس ومأكل وأثاث… إلخ الطبقات الشعبية التي شاع فيها هذا الفن، وبذلك سدَّ العديد ثغرة في التاريخ الرسمي الذي سلط أضواءه على ما يخص الطبقات الأعلى متجاهلاً الطبقات الشعبية..
والعديد يتألف من مقطوعات، كل مقطوعة تتكون من بيتين، وكل بيت يتكون من شطرين فيكون مجموع المقطوعة أربع شطرات، ولكن من حيث المعنى نجد المقطوعة تتكون من بيت واحد، أما الثاني فهو تكرار للأول لا يختلف عنه إلا في نهاية الشطرتين بكلمتين مرادفتين غالبًا لمثيلتيهما في البيت الأول، وعندما تتكون المقطوعة من أكثر من بيتين - أحيانًا قليلة- تكون كلها تكرارًا للبيت الأول بنفس الطريقة أيضًا.. ولا تلتزم المقطوعات اتحاد أواخر الشطرات اتحادًا تامًا بل قد يكفي التقارب بين أواخر الكلمتين في مخارج الحروف والنغم والموسيقى، ويحاول العديد الالتزام بالأوزان الشعرية، ولكنه لا ينجح دائمًا فتعوض "المعددة" ذلك الأمر بإلقاء "العدودة" في نغم موسيقي بلا نشاز.
ولا بد هنا من إبراز تأكيد الباحث على موقف الدين من العديد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم "قد نهى نهيًا شديدًا عن مظاهر الحزن في الحديث الشريف " ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ولكنه لم يرد قط أنه نهى عن الكلام الذي يقال لمجرد التعبير عن الحزن سواء أكان شعرًا أم نثرًا، بل كان يستمع إلى مثل هذا، وأحيانًا يطلب الاستزادة في السماع، كما فعل صلوات الله عليه وسلامه، وهو يستمع إلى أشعر شعراء وشواعر الرثاء والتعديد "الخنساء"، وكانت كلما توقفت عن الإنشاد استزادها بقوله (هيه يا خناس) يعني استمري في الإنشاد يا خنساء. ومن البدهي أن العديد ليس إلا رثاء"…
ولكن فات الباحث أن الرثاء يقال في حزن وقور بدون المظاهر المنهي عنها، أما العديد فيعتبر اللطم وشق الجيوب وحمل الطين والتراب على الرؤوس من ألزم لوازمه لدى المرأة الشعبية، لذلك شدَّد رجال الدين في محاربة العديد بسبب لوازمه ومصاحباته حتى وإن كان هو نفسه لا بأس به.. وقد يكون هذا من الأسباب الرئيسية لاندثار العديد، بالإضافة إلى ارتفاع درجة التعليم ومستوى الثقافة والانفتاح على العالم عن طريق الإذاعة والتليفزيون، وما صاحب ذلك من تغير في سلوك وعادات المرأة الشعبية، وطرق تعبيرها عن مشاعرها الفرحة والحزينة على السواء فأصبح مستهجنًا اليوم لديها ما كانت جدتها تعتبره ضروريًا..
وقد جمع الباحث 38 نوعًا من العديد تشمل معظم مناسبات الحياة بداية من عديد المرضى والعديد على الرجال والأطفال، وعديد الشباب والغسل والجنازة والعروس والمتعلمين والشجاعة والغريب، وعديد الذي لم يعقب أولادًا. والمرأة التي مات كل أولادها، والمرأة التي ماتت في الولادة، وعديد المناصب، وعديد الغريق واللديغ والمحروق والسجين وصريع العربات.
وقبل أن نقدم نماذج من هذا العديد لا بد أن نشير إلى وجود العديد لدى كل الشعوب بصور متقاربة تقارب ثقافات تلك الشعوب، فإذا تشابه المستوى الثقافي والاجتماعي للمرأة في شعبين تشابه أيضًا العديد، بل وتشابهت مصاحباته ولوازمه كذلك..