English

 

الاثنين. مايو. 21, 2001

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 

السجين

سعد جبر

Image

اصطدمت روحه بجدار الواقع الأليم بينما كان يحاول التحليق بها في العالم الفسيح.. فاستيقظ على أثرها فزعا مرتعشا.. استجمع ما تبقى من قوة في هيكله النحيل مستندا على ركبتين خشبيتين لم يبق له منهما سوى أنين متقطع عند الثني والمد.. اهتز بشدة.. كاد أن يسقط على الأرض لكنه تماسك جاهدا.

استرق النظر للنافذة الضيقة العالية ما زالت الشجرة العتيقة ملتفة الأغصان تكون باخضرارها الباهت منظرا جميلا يبدو كلوحة زيتية معلقة أعلى الجدار لكن الشجرة تُلقي بظلالها الكثيفة على واقع الغرفة المر فتزيده كآبة…

ما زالت الأوراق الجافة تتساقط واحدة تلو الأخرى..  تتحداه.. تدخل له من نافذته الضيقة العالية.. يعد معها خريف أيامه.

كان يتمنى لو توقفت الأوراق عن التحدي وتوقف هو عن العد.. ما زالت النغمات الجافة المختنقة تخرج من حناجر الأغصان المبحوحة كلما حاول الهواء جاهدا مداعبتها.. تشعل الوجدان حزنا وكمدا.. يتمتم معها –مرغما- بيتا  قديما من الشعر كان يحفظه عن الحرية.

تسلل شعاع برتقالي من شمس الضحى الدافئة لغرفته الرطبة محاولا بث الحياة فيها.

استقبلته نظراته بالترحاب.

تمتم يخاطبه: ماذا تريد؟

عاد ينظر للنافذة الضيقة العالية.. جحظت عيناه  همهم متعجبا: يا إلهي ما هذا الذي يتحرك!! إنها.. إنها قطة صغيرة كانت عيناها اللامعتان تبرقان.. لونها البني يجذبه إليه لقد كان قبل اليوم يسمع صوتها دون ما يراها، تمتم: يا إلهي ما زال في الدنيا حياة.

كانت تقاتل الأوراق تبحث عن لا شيء تقفز تدور حول نفسها تداعب ذيلها الصغير تعبث محدثة جلبة تخيف سكان الشجرة من العصافير  الصغيرة.

احتدت نظراته لها لمعت عيناها. دمعت عيناه اختلطت نظراتها بالأسى والتعجب.. خافت منه.. رأت فيه ما تخشاه.. رأى فيها ما يعشقه ويتمناه رآها الحياة.. ورأته الموت.

رأى فيها الناس وهم يلهثون وراء السراب يحسبون أنهم في جد، لكنهم يلعبون، رآها نسمات الحرية التي حُرمها خلف هذه النافذة الضيقة العالية الكريهة.

تمتم: ما أسعدك! اغرورقت عيناه بالدموع تلاشت الصور.. استحالت ضباباً.

سبح في الضباب بذاكرته رأى نفسه يحطم قيود الأخلاق.. يعربد لا يلوي على شيء.. يجني على نفسه يتعثر في طريق الغواية تتلقفه يد العدالة يهرب منه أصدقاء الطريق.. تتلاشى وعودهم بمساعدته يراهم يهربون بسيارته وهو يواجه المصير وحيداً.. كسته اللعنات ثوب العار.. ودَّع بعدها الدنيا.

وابتلعته هذه الغرفة الرطبة ذات النافذة الضيقة العالية.. تحجرت دموعه  فترة ثم انخرط في بكاء مرير كما لم يبك من قبل إنه ينتحب.. تداخل نحيبه مع حفيف الأغصان المتزايد مع حركة الريح.. خارت قواه.. تلقفته أرض الغرفة الصلبة بذراعها القاسي. احتضنه الفراش الرديء تلاشى إحساسه بالزمن ثم عاد للحياة من جديد.. حاول أن يرفع رأسه المتصدع لم يستطع حاول مرة أخرى. لاحت منه نظرة للنافذة الضيقة العالية.. .. .. يا الهي!! رآها خضراء تملؤها خضرة باهتة من بعض أوراق الشجرة العتيقة.

ما زال يتمتم: الأمل في الله كبير.. انحدرت حبات دموع أخرى أشد حرارة كأنما خرجت من قلبه لا من عينه تسلل شعاع برتقالي آخر لمعت فيه حبات الدموع فاستودعها أسرار الحياة.. وانصرف متسللا كما جاء.. انتفض كمن لدغته عقرب.. ارتعش كعصفور الربيع المبلل بالمطر.. توقدت عيناه.. حاول أن يكفكف دموعه اعتدل بصعوبة بالغة.. استقبل القبلة رفع كفيه المرتعشتين نادى بصوت مكلوم: التوبة يا رب.


النقد والتعليق:

القاص والسيناريست عماد مطاوع: إن أثمن لحظات يمكن للمرء أن يغتنمها في هذه الحياة هي تلك اللحظات التي يتوقف فيها مع نفسه قليلا كي يراجعها في تصرفاتها ليعيد ترتيب أوراقه، ويحصي نجاحاته وإخفاقاته، وكثيرا ما يلجأ إلى العزلة أو الابتعاد عن الناس حتى يتمكن من القيام بهذه المراجعة، ودائما كانت العزلة هي التربة الخصبة لأعمال عظيمة على مستويات كثيرة، ففيها يتأمل المرء فيما يجري من حوله، وفيها يقف على أشياء كثيرة هامة، ربما كانت الحياة قد صرفته عنها بإيقاعها اللاهث العبثي.

لكن عندما تُفرض هذه العزلة على المرء يجد نفسه يدور في فلك آخر.. ويرى الحياة من منظور يختلف تماما عن أيامه السابقة، ولهذا أجدني متحمسا للغاية أثناء قراءتي لقصة "السجين" لكاتبها "سعد جبر"؛ فهذه القصة تتعرض لحالة شخص قادته رعونته وغوايته إلى الخروج على القانون.. فكان لزاما أن ينال جزاء ما اقترف من شرور وآثام، وبهذا انتهى به الأمر إلى أن يصبح سجين غرفة ضيقة، رطبة تلفها الكآبة، وكانت هناك نافذة أصبحت هي البوابة الوحيدة التي ينظر من خلالها على العالم الخارجي، لكن هذه النافذة ضيقة وعالية لا تسمح له بالراحة في رؤيته.

ومن خلال سجنه هذا يقيم مع كل ما يحيط به علاقة من نوع خاص فنجده يحاور الشجرة القابعة خارج محبسه.. كما يحاور أشعة الشمس.. وفي هذا دلالة هامة على حالته النفسية وانعكاس فعل الحبس وتقييد الحرية عليه.. ثم يرى قطة صغيرة على أفرع الشجرة.. فيبدأ في إعادة نظرته لأشياء كثيرة.

إن بطل "سعد جبر" يعاني من أزمة شديدة.. فالسجن بمعناه المباشر يقضي بنا إلى سجن آخر وهو التشرنق داخل الذات، وربما سجن المرء لنفسه داخل مجموعة من التصرفات والعادات، إن البطل هنا يعاني من أزمة خطيرة في التواصل مع مجتمعه، ولم يكن السجن بمعناه المباشر السبب في منع هذا التواصل، بل إنه هو نفسه كان سببا هاما من قبل عندما اختار منهجا فرض على الجميع الابتعاد عنه.

لكن "سعد جبر" لا يترك الأمر معلقا هكذا.. بل نراه يصل بالكاتب إلى مرحلة هامة وحاسمة، إنه يوصله إلى طوق النجاة أو الملاذ الآمن.. فنراه يقوم بهيكلة النخيل ليقف أمام ربه مستقبلا القبلة ليعلن التوبة، كما لو أن الكاتب يعلن لنا أن طريق الخلاص دائما هو طريق الله.. وهل هناك طريق آخر؟!

فها هو البطل بعد انسياقه وراء هواه.. يحاول التواصل مع كل ما يحيط به في محبسه كي يقيم نوعا خاصا من الحياة في هذا المكان الرطب الكئيب.. ها هو يعود إلى فطرته السليمة التي لوَّثتها شهواته وأطماعه.

والكاتب هنا يمتلك حسا قصصيا عاليا.. كما أنه يمتلك أدوات القص بكفاءة هائلة.. وأخيلته وصوره محكمة دقيقة لفت نظري منها أنه حين يستخدم الأخيلة الشائعة فإنه لا يحرمنا من لمسات جديدة تضفي عليها جدة وجمالا كقوله: "… ارتعش كعصفور الربيع المبلل بالمطر"؛ فالصورة قديمة، ولكن إضافة الربيع للعصفور تركيب جاء جديدًا متميزًا، بالإضافة إلى جزئية هامة في تقنيته الفنية وهي تسلسل الحدث بمنطقية وقدرة رائعة على الرد والانتقال الناعم بين محطات العمل، فتذكره للماضي جاء عبر الضباب المتكون نتيجة دموعه الطاهرة إثر إحساسه بالندم والوحشة… وهكذا في تسلسل بديع متقن.

ويمكنني الجزم أن "سعد جبر" قاصٌّ جيد، لكنني أيضا أرجوه أن يتخلص من بعض "الوعظية" التي نراها تظهر من بين بعض ثنايا النص، وأرجو أن أتابع إنتاجه القصصي؛ لأن هذا الإنتاج سيكون إثراء لنادي المبدعين، كما أظن أيضا أن "سعد جبر" سيكون عضوا فاعلا في فن القص، ذلك الفن الجميل المراوغ.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم