|
شعرت بالهواء الساخن الداخل من باب الخيمة يلفح وجهها ويهز أوتاد الخيمة من حولها بقوة وكأنه لهب خارج من فم مارد غاضب، تلفتت من حولها فرأت الصحراء تلف المكان إلى مدى الأفق البعيد، حاولت أن تتبين الأفق بتكوير أجفانها على مآقيها علها تبلغ مدى أبعد ولكن عبثاً ذهبت محاولاتها فبياض السراب يكاد يأخذ الأبصار…
رددت في نفسها ياإلهي أغثني فمن لي في هذه الخلوة والوحدة وأنا في شهري التاسع ويكاد المخاض يأتي بين لحظة وأخرى … انجدني يارب.
وبينما هي في هذه الهمهمات والتمتمات إذا بهالة من الغبار تلوح من بياض السراب الذي يغطي الأفق… ياألله رددت لعلها النجدة من الله… ياألله
تكورت هالة الغبار وانشق عنها فارسٌ ملثم متشح بالبياض من رأسه حتى إخمص قدميه… يقترب منها بشخصه يسبقه قرع قدمي فرسه الأسود الذي يشق صمت الصحراء كهديل المطر في ليلة شتائية ماطرة، تملكتها السكينة وغشيتها الطمأنينة مع وقوفه أمام باب الخيمة…
بادرها قائلاً بعد أن أماط اللثام عن وجهه سلام عليك أختاه ستلدين الليلة مولوداً ذكراً سميه (( ثائر)) وإليك هذا القِراب فيه لبن (الناقة) اشربي واسقي مولودك منه…
كان وجهه كالقمر ليلة البدر وليس عليه من وعثاء السفر ما يدل على أنه ابن تلك الهالة من الغبار التي انشق عنها وسرعان ما اختفى كلمح البصر ما إن أنهى كلماته.
تناولت من لبن الناقة جرعة فوجدته أحلى من العسل وأعذب من الزلال فما لبث أن سال في بلعومها حتى جاءها المخاض على ميعاد معه بين لحظة وأخرى….
اعتصرتها آلام المخاض وأفاقت لتجد نفسها في البيت بجانب زوجها الذي أعد العدة لهذه الحظة، مدت إليه يدها ونادت عليه محمود …. محمود …..محمود
- خيراً إن شاء الله ..
- إنه المخاض يا محمود … فنادى بصوت مستجير ياألله ….
كأن صرخة ياألله قد اخترقت أذني كل من في البيت وأوقفتهم على باب غرفتها، وكأن يد العناية الإلهية تتدخل في تيسير الأمور إذ لم يكن محمود من أصحاب الأصوات الجهورية… والكل يعرف عنه أن صوته منخفض وبالكاد يسمع …
- القلق بادٍ على الجميع، والدي محمود ووالدي زوجته …لأنهم يعرفون أن الحمل خطر عليها بسبب مرض القلب الذي تعاني منه وقد نصحت طبياً بعدم الحمل …ولكن قدر الله وما شاء فعل.
- مرت لحظات الانتظار ثقيلة على الجميع موشاة بالصمت لا يبدد صمتها إلا قرع حذائي محمود وهو يخترق الصالة جيئةً وذهاباً …..
- في غمرة الصمت والانتظار والقلق جاءت البشرى من طبيبة المشفى مبروك سلامات ….
- بادرها والد محمود………. والجنين؟
- ذكر ولله الحمد في تمام العافية …
- دس محمود يده في جيبه وأخرج حافظة نقوده وأعطاها لها
- كلها لك.. كلها لك.
- كم هو جميل ذلك المشهد ….. الأم مستلقية علىسرير الولادة وابنها بجانبها موشحاً بالبياض …يحيطه الأحباب بدائرة من الفرح والسرور .
- بادرت والدة محمود بالقول ها ماذا ستسمونه …؟
- محمود ثامر …
وما إن نطق بالاسم حتى شعرت زوجته بريح باردة تسري في أوصالها وعادت إليها صورة الرؤيا …
- قالت بل ثائر
بدا التعجب واضحاً في ملامح وقسمات محمود فقد اتفقا منذ لحظات الحمل الأولى على اسم ثامر …. فما الذي استجد؟
احست زوجت محمود بتعجب زوجها …
فراحت تحكي له وللسامعين ما رأت في منامها
عجت الردهة بأصوات الله أكبر تخرج من أفواه الجميع ……
التفتت أم ثائر إلى ضيوفها المتحلقين حولها وحول زوجها أبو ثائر وبادرتهم بالقول اشربوا يا أولادي قهوتكم فقد بردت ….
كانت عيون الشباب التسعة قد اغرورقت بالدموع … وخنقتهم العبرات وأجهش بعضهم بالبكاء …فراح أبو ثائر يصبرهم ويثير فيهم روح الشجاعة والإقدام ، وهم الذين كانوا قد جاءوا كي يعزوا والدي ثائر .
النقد والتعليق:
عماد مطاوع إن أهم ما يميز كتابة القصة القصيرة عن مثيلاتها من الكتابات النثرية (الرواية – المسرحية) هو الاقتصاد الشديد في استخدام الجمل والكلمات والتكثيف الشديد أيضا في الصورة والوصف والعمل على جعل الحالة القصصية بارزة.
وهذا ما نجده في قصة "ثائر"، فهي قصة محكمة البناء الدرامي، رغم تداخل الأزمنة السردية (الحلم – الميلاد – العزاء) حيث اعتمدت القصة على الشكل التقليدي للكتابة؛ إذ استهل الكاتب عمله بحلم يجنح إلى الفانتازيا مستعديا الفارس – لاحظ دلالة الفارس في القصة مع اسم البطل "ثائر" – الذي يبشر المرأة التي تمر بالمخاض، يبشرها بأنها ستلد مولودا ذكرا.. وأعطاها قربة بها لبن الناقة، وأوصاها أن تسمي المولود "ثائر" ويختفي الفارس، كي تقوم الأم فزعة من نومها وتخبر زوجها بأنها في حالة ولادة… وينتقل بناء الكاتب إلى "العقدة" حسب التناول التقليدي للقص، ونرى الأم والأب يقصان هذه القصة ثم نجد المفاجأة الهامة وهي أنهما يقصان ذلك كله على مجموعة من الناس أتوا كي يقدموا لهما العزاء في وفاة ولدهما ثائر.
ويبدو أن اهتمام الكاتب بذلك التداخل المحكم البناء جعله يغفل ذكر دور ثائر أو سر موته الذي كان سينير القصة أو على الأقل سيعطي مبررا لاختيار هذا الاسم الذي أُلقي إليهما (الأم – الأب) عبر وسيط باطني شديد الأهمية وهو الفارس، الذي تم استدعاؤه من اللاوعي الخاص بالأم مع اللاوعي الجمعي أيضا خاصة أن صفة الفارس لها الكثير من الدلالات الهامة التي تقدم لنا الكثير من الإيحاءات حول دور هذا الثائر وموته. لقد وفق الكاتب في استخدام جمله الحوارية وتراكيبه اللغوية وتتجلى براعته تلك في حديث الأم مع الفارس، ثم حديثها مع الأب – ثم جلسة العزاء في ختام القصة.
إلا أنني أهمس في أذن الصديق محمد صادق أمين منبها إلى أن استخدام الحلم كمدخل أو كبداية للعمل القصصي قد بات حيلة قديمة ومستهلكة – رغم الاعتراف بأهميته – إلا أن إعجابي بقدرة محمد صادق أمين على الكتابة يجعلني أطالبه بضرورة التجريب في الأشكال المختلفة الأخرى للكتابة القصصية خاصة أن أساليب الكتابة عامة والقصصية خاصة قد تعددت وتنوعت بحيث أصبحت تتيح لكل قلم جاد وأصيل أن يخط لنفسه النهج الخاص به، كما يضمن التفرد والنبوغ، فما الداعي لأن نسير على خطى السابقين دونما تجديد وابتكار، إن جل ما يسعى إليه أي كاتب – فنان – أن ينحت لنفسه دربا خاصا به هو يضيف من خلاله لمسيرة الإبداع، ولن يتأتى له هذا إلا بإخلاصه لإبداعه وموهبته مع قضايا وطنه وأمته، وأخيرا أود تحية محمد على هذه الروح الوثابة التي تضفي أملا وحياة، والتي تجلت في ختام القصة، عندما نرى هذه الأم الثكلى وهي رابطة الجأش متماسكة تحتسب ابنها عند ربها واهتمت بضيوفها الذين أتوا لتعزيتها فجعلهم تصرفها هذا يمتلئون شجاعة وإقداما، ويجعلنا أيضا نعبر فوق كل أحزاننا كما نتابع حياتنا التي يجب أن تستمر رغم كل الأحزان وكل المعوقات.
|