|
قد ضاق صدري ولم أعد أحتمل، هذه الأرض أصبحت أكرهها لم أعد أطيق العمل بها،
متى سأتحرر من هذا القميص البالي وهذا السروال اللعين، كرهت الفلاحة والاستيقاظ مع شروق الشمس، كرهت الفقر وهم المحصول والطقس والبهائم والبستان وكل شيء.. كل شيء.
"ماذا أنتظر؟ حقيبة سفري أصبحت مُعَدَّة، سأسافر إلى المدينة.. نعم سأسافر".
حمل حقيبته وغادر منزله دون توقف فهو خائف، إن توقف سيفكر، وإن فكر فسينصب جل تفكيره على زوجته وأبنائه وبستانه الغالي، وإن فكر بهم سيترك إصراره على السفر ليأخذ المدينة ويرحل بها بعيدا عن تفكيره، بَيْدَ أنه لم يضع في ذهنه أي احتمال سوى السفر، وصار أمامه المنقذ الأعظم الذي سينقذه من الفقر لذا حمل حقيبته وتابع سيره مندفعا، وصور أبنائه تتوالى أمام عينيه… اشتاق إليهم قبل سفره، لا يعلم إن كان فرحا لأنهم لم يروه مغادرا أم أنه يريد رؤيتهم علَّهم يستطيعون ردّه عن الرحيل.
وقف متسمرا بباب البستان لا يستطيع حراكا، لديه رغبة شديدة في النظر إلى الخلف، يريد أن يودع بستانه الذي أمضى حياته فيه، يريد أن يودع أطفاله، يريد أن يترك اعتذارا لزوجته التي تحملت حياتهم المتقلبة مرة في يسر ومرات في عسر، تأمل أن يراها تبكي وتقول: "لا … لا تذهب أرجوك" ما زال يقف بباب البستان يحاول الحراك وعرقه الذي طالما سقى ثرى البستان
الصادي يسيل على وجنتيه، يحاول المسير وقدمه متشبثة بأرض البستان، يريد الرحيل ولا يريد، يريد أن يرحل هو وأولاده وزوجته وبستانه بل و قريته كلها إلى المدينة أو تأتي المدينة إليها، وما زال يحاول طرد تلك الأفكار من رأسه فزعا منها كيف سيذهب إلى المدينة؟ ما العمل الذي يتقنه هناك؟؟ ما الحياة التي تنتظره؟؟؟ كل ذلك لا يعلمه ومع ذلك يريد السفر، وما زالت الأفكار تنهال على رأسه ويطردها حتى جاءت حمامة السلام التي أنهت الحرب بينه وبين أفكاره، جاءت
منى الصغيرة، وببراءتها المعهودة قالت: "بابا خذني معك" حتى إنها لم تسأله إلى أين يذهب وهذا ما أشعره بالخجل من نفسه، بكى… بكى وتدفقت دموعه، لم يجرؤ على النظر في عينيها البريئتين، لا يعرف إن كان فرحا بقدومها أم حزينا، لا يعلم.. هل يتركها تبكي ويمضي هو في طريقه الوعر أم يضمها لصدره معتذرا عن تفكيره الأناني، لم يستطع إلا البكاء.
"اتركيه ياحبيبتي فهو لا يريدنا يريد المدينة فحسب… اتركيه فحياته انفصلت عن حياتنا مذ خرج من باب هذا البستان يحمل حقيبته".
"خديجة! … نعم إنه صوتها المحزون الذي كانت كل كلمة منه تغرس في قلبي خنجرا، إنه صوتها تبكي".
ثقلت الحقيبة في يده.. دموعه حبست في عينيه.. صوته كالقنبلة في جوفه تريد التحرر.. أصابعه تأبى التمسك بهذه الحقيبة… تركتها… رمتها على باب البستان لتضم ابنته إلى صدره وينفجر صوته قائلا: "أنا لم أخرج بعد… أنا على باب البستان لم أخرج" حمل منى باكيا ودخل يركض مسرعا نحو أشجاره يقبل هذه ويبكي على غصن تلك، يقبل أولاده واحدا تلو الآخر… مسح دموعه… تذكر زوجته، بحث عنها فوجدها تقف أمام باب البستان تنظر للحقيبة نظرة غريبة، كانت تشعر أنها عدوتها.. اعتقدت للحظة أنْ هذي هي المدينة التي ستحرمها وأطفالها زوجها، كأنه شعر بما تموج به أفكارها قام فحمل الحقيبة ورمى بها، بكت… فرحت ولم تعلم ما تقول ولم تجد أبلغ من الدموع للتعبير عن فرحتها وإغلاق باب البستان.
النقد والتعليق:
عماد مطاوع- قاص وسيناريست
مرت القصة القصيرة العربية بمراحل عديدة طبعت نموًا وتطورا عليها، وذلك لأن القصة كفن قد اجتذبت الكثير من الأقلام لارتباط الذائقة العربية بفن القص والحدوتة والحكي، وإذا كانت القبائل قديمًا تولم الولائم وتوقد النيران عندما يبزغ وسطهم نجم شاعر، فإننا نحتفي بشدة بكل قاص يثبت تميزه وامتلاكه لأدوات كتابة القصة.
وميساء الأمير كاتبة قصة "باب البستان" تنبئ عن قاصة واعية برسالة هذا الفن ولديها حس درامي يقظ، إنها في قصتها تلك ترصد حالة فرد يحيا وسط ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة، ورغم أنه يكدح ويكد في رعاية بستانه وأرضه محتملا في سبيل ذلك النصب فإنه يرمي بضيق الرزق ويتطلع إلى المدينة/ الحلم بالثراء، ويقرر الفرار إليها حتى يستطيع الخروج من ربقة الفقر والحاجة، لكنه يفكر مليًا في حال أسرته من بعده، وعند باب البستان تستوقفه ابنته الصغرى ثم زوجته فيقرر عدم الذهاب والبقاء متحملا كل ما يلقاه من صعاب.
والحالة الإنسانية التي تعرضها ميساء الأمير هنا حالة شديدة الواقعية كما أنها مرهفة الحس.
إلا أن اهتمامها الزائد بالحدوتة جعلها تتجاوز عن الكثير من الضوابط الهامة لكتابة مثل هذه النصوص، فهي قد استخدمت أكثر من صوت للراوي دونما حاجة فنية لذلك، بل لقد أحدثت تضاربًا أوقع المتلقي في حيرة شديدة.
ففي المقدمة تقول بلسان ضمير المتكلم/البطل.. "قد ضاق صدري ولم أعد أحتمل هذه الأرض أصبحت أكرها، لم أعد أطيق العمل بها".
ثم في المشهد التالي مباشرة نجد راويًا يتحدث بصوته مراقبًا/ ناقلا للأحدث.."حمل حقيبته وغادر منزله دون توقف، فهو خائف إن توقف سيفكر"وعقب سرد قليل نفاجأ بصوت ثالث للزوجة، ثم يعاودنا الراوي ثانية، ويستمر الحال هكذا على امتداد القصة التي تحفل بدرامية ناجحة من هذه النوعيات التي تلقى استحسانًا لدى المتلقي العربي المغرم في الكثير من الأحوال بالقصص الرومانسية الفاجعة.
وكلل هذا كله معجمها اللغوي المنساب في سلاسة، الحافل بالكلمات الرقيقة الجاذبة التي تعكس الحالة النفسية الخاصة لبطل هذه القصة، وتتجلى براعتها في استخدام الكلمات والجمل، في المشاهد التي تصف فيها الحالة الداخلية لهذا البطل عندما استوقفته ابنته، وكأنما كان في حلم وأيقظته هي منه وجعلته يتساءل عن جدوى رحيله إلى هذا المجهول تاركًا وراءه أسرته وأرضه..."يريد الرحيل ولا يريد، يريد أن يرحل هو وأولاده وزوجته وبستانه بل وقريته كلها إلى المدينة، أو تأتي المدينة إليه، ما العمل الذي يتقنه هناك ما الحياة التي تنتظره؟ كل ذلك لا يعلمه ومع ذلك يريد السفر وما زالت الأفكار تنهال على رأسه ويطردها حتى جاءت حمامة السلامة أنهت الحرب بينه وبين أفكاره جاءت منى الصغيرة".
ويجب أن تستثمر ميساء الأمير صغر سنها ـ الذي لا يتعدى السادسة عشرة ـ في الانكباب على قراءة المنجز القصصي العربي، العالمي كيما تقف على حقيقية ما وصل إليه فن القصة عمومًا، حتى تستطيع مسايرة الأساليب الحديثة للكتابة، بل وتعمل بجهد كي يصبح لها طابعها الإبداعي الخاص، وأظن أن هذا سيحدث بالفعل إن هي أخلصت للقص قراءة/إبداعًا، خاصة وهي رغم حداثة تجربتها تمتلك أدوات القص بالفعل كما تمتلك حسًا إنسانيًا مرهقًا، ووعيًا بقضايا مجتمعية وحياتية هامة، ولديها القدرة على استنبات اللحظات الدرامية بشكل جيدًا، ويمكنها بالمثابرة والدأب أن تصبح من المعدودات في كتابة القصة القصيرة في ساحة تمتلئ بالكثير من المدعيات للكتابة،
وفي انتظار الجديد من أعمالك وأخبارك.
|