English

 

الأربعاء. أكتوبر. 23, 2002

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

البعض يسير بلا هدف

Image

(1)

احتضن مدخل الشارع الضيق بعينيه، "الموسكي" الذي لا يهدأ صخبه أبدًا، زج بنفسه وسط أتون البشر الملتهب، ترك نفسه تماماً للناس، يدفعونه تارة ويجذبونه تارة، وهو بين هذا وذاك يحاول أن يتفادى تلك العربات البدائية الضخمة ذات العجلتين المحملة بتلال من البضائع والتي يجرها رجال مفتولو العضلات بسرعة خرافية لا تتناسب مع الزحام الشديد للشارع، والذين لا يكفون أبداً عن الترديد: "حاسب يا بيه.. ضهرك يا حاجة.. أوعي يا بت"، يكررونها باستمرار كأنهم يريحون ضمائرهم مسبقاً من أي تأنيب إذا ما حدث - وكثيراً ما يحدث - أن تدهم إحدى هذه العربات أحد المارة.

(2)

لطالما أدهشه عدد المحلات التي تبيع قمصان النوم، ويزيد من دهشته هذا التنوع الهائل في الألوان والتصميمات، وكان كثيراً ما يحاول أن يقنع نفسه بأن هذه المحلات في كساد دائم، الشباب ظروفه صعبة، والزواج طريقه طويل لا ينتهي قبل سن الأربعين؛ فما جدوى هذه القمصان للكهول؟ وعلى الرغم من أنه كان يشعر بالإحباط يسربله عندما ينظر إلى مثل هذه القمصان، فإنه لم يستطع أبداً أن يكف عن النظر إليها.

(3)

التقطها بعينه المدربة وسط الجموع المتكدسة، وحيدة على غير المعتاد هنا، قوامها مصري ملفوف، تسير كالبطة على طريقة "هز يا وز" غير عابئة بالزحام، خطر له خاطر نفضه عنه بسرعة، فقد تذكر فضيحته السابقة في مثل هذا المكان.

(4)

بلغ شارع بور سعيد، فكر أن يقفز فوق السور ويكمل طريقه، غير أنه وجد أنه لا داعي للتعجل، سار إلى اليسار حتى بلغ كوبري المشاة، عبر إلى الضفة الأخرى، ثم قفل راجعاً حتى بلغ بقية شارع الموسكي، كان يحب هذا الجزء من الشارع كثيراً؛ فهذا الامتداد أضيق بكثير من سابقه، وهنا يحس أنه يدفع إلى السير دفعاً، لا يعرف إلى أين يسير أو ما غايته من السير، تماماً كما تدفعه الأقدار إلى المجهول دوماً دون أن يعرف غايته من الوجود أو هدفه في الحياة، وهنا يصير التفاعل كاملاً بين البائع والمشتري؛ فكثيراً ما ترى أحد الباعة "الذي" نصب أمامه كومة من مشدات الصدر زاهية الألوان يغمز بعض الفتيات قائلاً: "يلا يا عرايس على جهاز العرايس"، فيشحن عنه في خفر مصطنع، أو يصرخ آخر بصوت جهوري: "بيّاع الغلابة وصل"، وكأن الزحام قد صهر الجميع في قالب واحد ليصيروا جسداً واحدا.

(5)

علم من ظهور محلات العطارة والعاديات أن الشارع العزيز قد أوشك أن يلفظه إلى الميدان الرحب، وتيقن من هذا بظهور زرافات من السائحين متحلقين حول أحد محلات العاديات، فهم لا يجرءون على التقدم أكثر من ذلك مخافة الاختناق في الزحام.

(6)

الميدان الحسيني أخيرًا، رائحة البخور التي لا يعلم مصدرها، والسقا العجوز القائم أمام باب المسجد العتيق يسقي الناس الماء مزاجه ماء الورد فينفحونه قروشاً قليلة يأخذها باسماً دائمًا، أخذ يرمق وجوه الناس في حيرة، عزم أمره وانحرف يساراً إلى أحد المقاهي، نفث دخان الشيشة باستمتاع، وطفق يتابع بعض السائحات بعينيه الناعستين وهو يطلق صفيراً منغوماً.


النقد والتعليق:

أحمد زين - محرر النادي

إن هذه القضية التي يعرضها كاتبنا "حامد" وهي قضية الرغبة التي تتحرك داخل الإنسان والمثيرات الخارجية.. لا شك قضية مؤرقة، ولا يمكن أن نتغافل عنها بدعوى "العيب" أو "الحرام"؛ لأن الحديث عنها سواء في عمل قصصي أو أي شكل إبداعي آخر ليس مشكلة في حد ذاته.

لكن السؤال: كيف استخدم الكاتب هذه الأزمة؟ هل استغلها للإثارة والتهييج، أم أنه أراد أن يكشف ليدين هذا المجتمع الذي يدفع الشباب للخطأ حين يعقد الزواج، ويحوطه بأسوار شائكة في ذات الوقت الذي يسهل ما عدا الزواج من علاقات.. كما يعمد دائما إلى إلهاب شعور الشباب وإثارتهم؟

وليس أدل على ذلك من أن القرآن قد تناول لحظات الضعف الإنساني كما في قصة يوسف -عليه السلام-، بل الأخطر أن القرآن الكريم تناول العلاقات الشاذة كما في قصة قوم لوط، كما تمتلئ أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالحديث عن العلاقة الخاصة بين الأزواج… وما شابه، ومع ذلك فإن القرآن والسنة قد تصدَّيَا لهذه الأمور دون أدنى خدش لحياء، وما نريد أن نقرره أن المشكلة ليست في تناول أي موضوع، لكن المشكلة فعلا في كيفية التناول وطريقة التصدي. وأترككمع تعليق القاص والسينارست/ عماد مطاوع:

كثيرا ما يسأل الواحد منا نفسه وهو يسير في أحد شوارع القاهرة مثلا: ما الذي يفعله كل هؤلاء الناس؟ ولماذا يجوبون الشوارع هكذا؟ هل هم بالفعل يؤدون عملا ما؟ يقصدون وجهة ما؟ أم تراهم يسيرون بلا هدف؟ ولما لم تكن هناك سوى بعض الإجابات الافتراضية ومعظمها ساخر؟ بالطبع استمر البحث عن إجابة ترضي وتقنع.

من هذا المنطلق تأتي أهمية قصة "البعض يسير بلا هدف"، فهي ترصد ببراعة شديدة قطاعا عريضا من هؤلاء الذين يزحمون الشوارع، ولكن الكاتب هنا وطبقا لطبيعة القصة القصيرة جعل محور عمله يدور حول بطل فرد لم يقم بتحديده؛ ربما لأنه يمثلنا جميعا في الغموض؛ ففي مجموعة من اللقطات القصصية المنفصلة المتصلة تشبع الراوي سير هذا الفرد وسط الزحام هائما على وجهه دونما وجهة بعينها طائفا شوارع عتيدة وهامة من شوارع القاهرة.. ليس لشيء إلا لمجرد السير هكذا وبلا هدف.

ومن خلال رحلته هذه يحتك ويشاهد قطاعات عريضة من الأفراد المكونين لنسيج هذه الشوارع؛ فيستعرض الباعة الجائلين ومحلات بيع قمصان النوم النسائية والسائحات اللوائي يملأن شوارع القاهرة والمقاهي والبخور وكل مفردات الحياة القاهرية المميزة.

ولقد نجح الكاتب في إيجاد رابط قوي بين أجزاء قصته التي بلغت 6 أجزاء، ورغم الوحدة الظاهرة بينها، والتي قد تدفع البعض للوهلة الأولى في التساؤل عن جدوى هذا الفصل وهذا الترقيم.. فإن القراءة المتأنية ستوضح أهمية هذا الفصل الظاهري؛ حيث يمثل كل جزء عالمًا صغيرًا يصغر مع العوالم الأخرى ليصنع عالمًا أرحب وأكثر اتساعًا لهذه القصة المدينة، ولكن مع الإعجاب الشديد بهذه المنظومة القصصية تبقى هناك بعض الملاحظات تنحصر في الرؤية والأسلوب وأدوات الكتابة:

أولا: "الرؤية" مع الإيمان بأن لكل كاتب حقه الكامل في إيجاد رؤية خاصة به عند تناول أي شريحة ما في إطار عمله الفني؛ فإننا نلاحظ أن كاتبنا "حامد" قد اقتفى أثر الكثيرين من قبله والذين كتبوا عن نفس الجو تقريبًا، وبدون حصر مثلا سنذكر منهم "نجيب محفوظ"، وإن كانت حارة محفوظ خير مثال على هذا العالم القاهري في التناول، ولهذا أجدني في حيرة شديدة من أمري.. فكيف لم يوفق كاتب يكتب في هذا العصر إلى ذكر جديد يختلف عما كتب منذ عقود طويلة مضت؟

ثانيا: "الأسلوب" فرغم نجاح الكاتب في نسج هذه الحالة الفنية الجميلة؛ فإننا نلاحظ تركيزه الدائم على الجانب الحسي الشبقي في الكثير من أجزاء القصة؛ فهو يفرد الجزء (2) للحديث عن محلات بيع قمصان النوم النسائية، رغم محاولته الحديث عن مشكلة هامة من خلالها، وهي تأخر سن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة في النساء والرجال على حد سواء، وفي الجزء (3) يصف لنا بشكل مباشر للغاية متابعته لإحدى الفتيات التي يصفها بأنها قوامها مصري ملفوف تسير كالبطة على طريقة "هز ياوز " غير عابئة بالزحام، وفي الجزء (4) يعود ثانية للحديث عن مشدات الصدر وعن الكلمات المراوغة التي يلقيها الباعة على أسماء الفتيات والسيدات.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد ويرقب السائحات، وأرجو ألا يظن الكاتب أنني أتعامل معه من وجهة نظر أخلاقية، ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الحنكة الفنية حتى يستطيع قول ما يريد، ولكن في إطار قصصي يأسرنا ولا نشعر معه بمباشرة أو بفجاجة كما شعرنا أحيانا.

ثالثا: "الأدوات" تعتبر اللغة من أهم الأدوات التي يستعين بها الكاتب وتظهر براعته، وتظهر تفرد أي كاتب عن الآخر من خلال علاقته الخاصة بهذه اللغة وكيفية تعامله معها وتشكيله لها، والحق أن كاتبنا "حامد" كان موفقا في بعض أجزاء القصة في استخدام اللغة وتشكيلها، إلا أنه في بعض الأجزاء الأخرى تعامل معها بتقريرية شديدة.

وهناك بعض الجمل قد أضرت كثيرا في التتابع القصصي، نذكر على سبيل المثال جملة من الجزء (4) أحدثت ارتباكا عند قراءتها (غير أنه وجد أنه لا داعي للتعجل)، ولاحظ معي ما أحدثه تكرار أنه، وقد كان يمكن للكاتب اللجوء لوسيلة أخرى تمكنه من قول ما يريد حتى تكتمل متعتنا بهذا العمل الذي يؤكد امتلاك صديقي حامد لعين راصدة مدققة تركز على أشياء صغيرة وحادة تثري عالمه القصصي، وهو يحتاج إلى مزيد من الرؤية والتأمل والغوص في هذه العوالم المتشابكة، وأيضا السير وسط الجموع والالتحام معها، ولكن هذه المرة على وجهة محددة وهي القصة والإبداع الجميل بالطبع.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم