English

 

السبت. ديسمبر. 22, 2001

ثقافة وفن » حدث في العام الهجري » شخصيات » فقهاء ومحدثون

 

علي الخفيف.. ملامح من مسيرة فقيه

(في ذكرى وفاته: 6 من شعبان 1398هـ)

إعداد - أحمد تمام

Image
كان الشيخ الجليل "علي الخفيف" واسع الاطلاع في الفقه، بصيرًا بالعربية وآدابها، حاذق الرأي فيما يعرض له من مسائل الخلاف في الفقه الإسلامي، قادرًا على النظر في المعضلات التي ترهق عقول الفقهاء، له جهد متواصل في التعريف بفضل السلف العظيم من فقهاء الشريعة، وعقد مقارنة بين آرائهم الصائبة، وما انتهى إليه المُشرِّعون وعلماء القانون الوضعي، وعُرف الشيخ بشغفه الدائب بإبراز المبادئ الأساسية السامية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية الغرَّاء، وقبولها للتطور وصلاحيتها لتنظيم شؤون الناس، ولا شيء يحول بين الفقيه والاجتهاد ما دام قد ملك أدواته، وتهيأ له العقل البصير والتفكير العميق.

المولد والنشأة

في بلدة "الشهداء" التابعة لمحافظة المنوفية بمصر وُلد "علي الخفيف" سنة (1309هـ= 1891م)، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف بالقاهرة سنة (1321هـ= 1903م)، وظل به ثلاث سنوات، ثم التحق سنة (1325هـ=1907م) بمعهد "الإسكندري" الديني الذي افتُتح ليكون رافدًا من روافد الأزهر، لكنه لم يمكث به سوى بضعة أشهر عاد بعدها إلى القاهرة؛ ليلتحق بمدرسة القضاء الشرعي، وهي المدرسة التي أنشأها عاطف بركات؛ لتجمع بين القديم والجديد، وتُلائم بين الماضي والحاضر، وظل بالمدرسة حتى تخرج فيها سنة (1334هـ= 1915م)، ولما كان في طليعة المتخرجين فقد عُيِّن مدرسًا بها.

الوظائف العلمية

ظل "علي الخفيف" يعمل في مدرسة القضاء الشرعي حتى سنة (1340هـ= 1921م)؛ حيث نُقل قاضيًا في المحاكم الشرعية، وبقي في خدمة القضاء حتى سنة (1348هـ= 1929م)، ثم عُيِّن محاميًا شرعيًا لوزارة الأوقاف، ثم مديرًا للمساجد بها حتى سنة (1358هـ= 1939م)

وفي هذه السنة عُيِّن أستاذًا مساعدًا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة القاهرة ، ثم رُقِّيَ أستاذًا سنة (1364هـ= 1944م)، وظل يشغل هذا المنصب حتى سنّ التقاعد سنة (1371هـ= 1951م)، غير أنه لم يكن للكلية أن تستغني عن علمه الغزير الواسع؛ فانتدبته للتدريس لطلبة الدراسات العليا، وظل يعمل بالكلية، وهو موفور النشاط، حاضر الذهن حتى وفاته.

ولم يقتصر نشاطه العلمي على كلية الحقوق؛ فقد سعت إليه الهيئات العلمية والمجامع والمعاهد العلمية للإفادة من تضلُّعه في علوم الشريعة، واجتهاده المحكم، ونظراته الصائبة في الفقه، فاختير في سنة (1373هـ= 1953م) أستاذًا بمعهد الدراسات العربية العالية التابعة لجامعة الدول العربية، وعُيِّن عضوًا في مجمع البحوث الإسلامية (البديل عن هيئة كبار العلماء التي ألغيت بعد صدور قانون تطوير الأزهر)، ثم اختير عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر سنة (1387هـ= 1967م)، وعضوًا في موسوعة الفقه الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، ثم اختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1389هـ= 1969م).

نشاطه العلمي وآراؤه

كان الشيخ "علي الخفيف" من صفوة الأساتذة الذين تولوا تدريس الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق، ومن ذلك الرعيل العظيم الذي بذل جهودًا مُخلصة في تقريب أحكامها وتنظيم دراستها، من أمثال الشيخ أحمد إبراهيم، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ محمد أبو زُهْرة، وكان لهؤلاء فضل السبق في استخلاص نتائج آراء الفقهاء العظماء من بطون الكتب المستفيضة والشروح الواسعة، وتيسير الإطلاع على ما تنطوي عليه، وتضمه من آراء قيمة ونفائس علمية، مع تقديم ذلك كله في أسلوب عربي مبين، وتقسيمات منطقية متسعة، تسهل النفع منها.

وكان لالتقاء أساتذة الشريعة الإسلامية مع أساتذة القانون في كلية الحقوق وعملهم معًا أثر لا يُنكر في تبادل النفع والفائدة، وإجراء المقارنات بين ما يسوقه علماء القانون من آراء ونظريات في مختلف المسائل، وما سبق وأدلى به الفقهاء السابقون.

وقد تميزت الفترة التي قضاها "علي الخفيف" في كلية الحقوق بنشاط حركة الدراسات المقارنة، والتعرف على ما لدى الآخر من فكر قانوني ونظم تشريعية، وتحديد أوجه الشبه والخلاف بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية ونتائجها، ولم يقتصر هذا النشاط على قسم الشريعة؛ بل عمَّ جميع أقسام الكلية، وكثرت الأطروحات العلمية التي تعالج هذا الميدان الجديد.

معالجة قضايا جديدة

وكان الشيخ "علي خفيف" واحدًا من أبرز الأساتذة الذين سلكوا هذا الميدان، وجاء إنتاجه العلمي غزيرًا متنوعًا؛ فجاء بعضه في معالجة مسائل قديمة في الفقه الإسلامي، وجاء بعضه في دراسة مسائل جديدة، أظهرتها التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأصبح من الواجب التعمق في فهمها، وتحديد طبيعتها ودواعيها، ومبلغ الحاجة إليها، مثل: بحثه عن "التأمين" في الفقه الإسلامي؛ حيث رأى جوازه في بعض أنواعه مثل: التأمين التعاوني الذي يتحمل به المستأمنون أنفسهم بعضهم ببعض، والتأمين الاجتماعي الذي تقوم به الحكومة خدمة للمرضى والعجزة والمحالين إلى التقاعد، وفصل القول في التأمين ضد الحوادث وضد المسؤولية، وأوضح أن الضرر فيه يسير لا يحول دون صحته، ومن أبرز أبحاثه الجديرة بالتنويه مجموع محاضراته التي ألقاها بالمعهد العالي للبحوث والدراسات العربية بعنوان "الملكية في الشريعة الإسلامية"، عُني فيه بتأصيل حق الملكية في الشريعة الإسلامية، وبيَّن أن الأموال كلها ملك لله تعالى، وأوضح أن للإنسان حقَّ التملك، ولكن تملكه اختصاص يتيح له الانتفاع بما يملكه مع مراعاة المصلحة العامة للمجتمع وعدم الإضرار به، وقد فرض الشرع على المالك طائفة من التكاليف والالتزامات بما يحقق العدالة في المجتمع، وقارن الفقيه المتمكن بين المبادئ الإسلامية التي قررها الإسلام والمبادئ الوضعية التي يغالي بعضها في حماية أنانية الفرد، وإطلاق حريته في الملكية، أو التي تهدد حق الملكية للأفراد.

وكان الشيخ الجليل ممن يهتمون بكل ما ييسر على الناس حياتهم من الأحكام الشرعية ما دامت في حدود أوامر الدين ونواهيه، ويرى في التيسير صلاحًا لحالهم وضمانًا لتقدمهم، ولعل الذي عزز فيه هذا الاتجاه عمله بالقضاء؛ فوقف على أحوال الناس ومشكلاتهم وقضاياهم، وصبغ ذلك تفكيره؛ فلم يغرق في النظريات أو الفروض، وجاءت حلوله عملية ومبنية على أصول شرعية.

مؤلفاته وبحوثه

وقد ترك الشيخ "علي الخفيف" ثروة ضخمة من المؤلفات القيمة والبحوث العميقة، التي نُشر معظمها في مجلة "القانون والاقتصاد"، التي يصدرها أساتذة كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ونُشر بعضها في مجلة "معهد البحوث والدراسات العربية"، وغيرها من الدوريات، وقد بلغ عدد مؤلفاته اثني عشر مؤلفًا هي:

  • الخلافة
  • أحكام الوصية
  • أحكام المعاملات الشرعية
  • الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي
  • نظرية النيابة عن الغير
  • فروق الزواج
  • الحق والذمة
  • البيع في الكتاب والسنة
  • الشركة والحقوق المتعلقة بها
  • الشركات في الفقه الإسلامي
  • الملكية في الشريعة الإسلامية

أما عن بحوثه فمن أهمها:

  • التأمين في الشريعة الإسلامية
  • المنافع في الشريعة الإسلامية
  • تأثير الموت في الالتزام
  • الوقف الأهلي وأسانيده في الشريعة الإسلامية
  • تأثير الموت في الحقوق
  • رعاية المصلحة الشرعية
  • حكم شهادات الاستثمار من الوجهة الشرعية الفقهية
  • الفكر التشريعي واختلافه باختلاف الشرائع
  • المسئولية المدنية في الميزان الفقهي الإسلامي
  • الاجتهاد ونشأة المذاهب الفقهية
  • السنة التشريعية

وشارك "علي الخفيف" بكتابة عشرين مادة في موسوعة الفقه الإسلامي، هي "إجارة، وادعاء، وإذن، وارتفاق، وأرش، واستبدال، واستنابة (إنابة)، واستيلاء، واستناد، وإسلام، وإقطاع، والتزام، وانقراض، وإيمان، وأمير وإمارة، واقتصاد، واعتقال، واعتصار، وأهل الحل والعقد، ودين".

وللشيخ بحوث قيمة تقدم بها في مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية التي كانت تنعقد بالقاهرة، وقد أهَّله هذا الإنتاج العلمي الكبير الذي يحمل سمات التجديد لجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية سنة (1396هـ=1976م).

وفاة الشيخ

وظل الشيخ يؤدي عمله على الرغم من كبر سنه، وتعدد نشاطاته في الهيئات والمجامع العلمية حتى لقي ربه في (6 من شعبان 1398هـ=12 من يوليو 1978م) بعد حياة حافلة بجلائل الأعمال.

هوامش ومصادر:

  • محمد مهدي علام ـ المجمعيون في خمسين عامًا ـ الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ـ القاهرة ـ (1406هـ= 1986م)
  • محمد مصطفى القللي ـ علي الخفيف (كلمة في استقباله في مجمع اللغة العربية) ـ مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ـ العدد (25) ـ (1389هـ=1969م)
  • أحمد الحوفي ـ علي الخفيف (كلمة في تأبينه) ـ مجلة مجمع اللغة العربية العدد (45) ـ القاهرة (1400هـ= 1980م)
  • حسين خلاف ـ علي الخفيف ـ مجلة مجمع اللغة العربية ـ العدد (47) ـ القاهرة ـ( 1401هـ= 1981م).
 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم