|
رغم أعوامي التي لا تتعدى السابعة، فإنني أشعر بأن هناك حركة غير عادية في منزلنا، فإخوتي الكبار دائما أمام شاشة التلفاز يستمعون باهتمام لتصريحات من هنا وهناك، وصوت المذياع لا يتوقف في حينا يذيع الأناشيد الوطنية الحماسية، كما أن أبي صار يعود مبكرا إلى منزلنا محملا بأكياس عديدة من "الخزين" (من الزيت والسكر والدقيق) تكفينا لعدة شهور، وليس فقط لعدة أيام مثلما تعودنا في الأيام العادية. ثم يعود وينزل مرة أخرى ولا يأتي إلا عندما أكون نائمة.. كم افتقدته فلم أعد أراه إلا يسيرا، وحينما أسأل أمي عنه تقول: إنه يعد نفسه للقتال، فأتعجب، فالذي أعرفه أن أبي شديد الطيبة ومسالم جدا.
حتى أمي هي الأخرى لقد اعتادت أن تخرج كل يوم إلى السوق لتعود هي أيضا محملة بمزيد من الأطعمة المحفوظة والمعلبات.
اليوم جاء والدي بلعبة أو هكذا اعتقدت؛ فهي شيء بلاستيكي مغلف، منعني أبي من فتحه أو اللعب به، قائلا: "ليس الآن بنيتي.. فإن له استعمالا آخر"، وعندما سألته: "متى أستطيع فتحه؟" قال لي: "في غضون يوم أو يومين"، والغريب أنني سمعته يهمس لأمي: "يجب أن نأخذ احتياطاتنا، فقد يستعملون الأسلحة الكيميائية في غزوهم".
أيقظتني أمي مفزوعة، رأيت جميع من حولي يهرولون نحو المخبأ الذي اعتدنا اللجوء إليه عندما ينوي العدو إطلاق بعض صواريخه لإرهابنا منذ ما يزيد عن عشر سنوات مثلما كانت تحكي لي جدتي، عندما كانت تجلس بجواري قبل نومي، فقد تعودت أن تحكي لي قصص الشهداء الذين سقطوا خلال هذه السنوات. ولكن الأصوات هذه المرة كثيرة على غير العادة، إنني أبغض هذه "الصفارات" التي تزعجني، أين أمي؟ أريد أن أحتمي بأحضانها لأستكمل نومي.
غريب..! أين أنا؟ ما هذه الوجوه العديدة التي تحيط بي، وتملؤها الإصابات والجروح، مالي لا أستطيع الرؤية بوضوح، وجه أمي يتراقص أمامي، أمد يدي إلى أمي، فتربت على وجهي ورأسي "ما ألطفك يا أمي".
حالتي اليوم أفضل؛ فأستطيع أن أميز الوجوه بوضوح. أمي كم افتقدت إخوتي وأبي، أريد أن أراهم، فترد علي: "رويدا حبيبتي، غدا أو بعد غد ستكونين معهم".
آه.. كم افتقدت اللعب في مدخل بيتنا، أريد أن ألعب "الاستغماية"، لعبتي المفضلة، لقد كنت ماهرة في الاختباء من إخوتي وأولاد جيراننا حتى يملوا ويتعبوا من البحث عنى.
سمعت اليوم الطبيب يقول لأمي بأنني أستطيع الخروج فحالتي الآن تسمح بذلك، كما أن عدد الجرحى في تزايد مستمر وهم في حاجة إلى الأسرة.
بالفعل لم أستطع أن أفهم كل كلامه، ولكنني بالتأكيد سوف أعود لبيتي وإخوتي. لكن ما أثار دهشتي هي تلك الدموع التي لمحتها في عين أمي، ترى.. أهي تفضل البقاء في المستشفى عن الاختباء في المخبأ؟!
أردت أن أقوم من سريري لأبرهن لأمي على قدرتي على الحراك، والخروج من هنا، ولكنها تمنعني قائلة: "حالا سيأتي والدك وستخرجين بصحبته". لا أعلم سر هذه النبرة الحزينة في صوتها، ولكن كل ما يشغلني الآن هو رجوعي لمنزلنا.
يدخل أبي.. أبي كم افتقدتك جدا، أحاول أن أخرج من رقدتي لأستقبله كعادتي، وأجري نحوه ليأخذني في أحضانه. ولكن ثمة ألم في ساقي يمنعني من الحراك.
وفجأة تدخل الممرضة وهى "تجر" أمامها كرسيا متحركا، بالتأكيد إنه لأحد المرضى الذين يشاركونني في الغرفة، ولكن عجبا إنها تدور حول سريري، وتقف بجواري، وهنا يحملني أبي ويضعني عليه وأنا في حالة تشبه الإغماء، ما هذا؟ أنظر إلى قدمي، لكنني بالتأكيد أخطأت في العنوان، فما وجدت سوى نصف ساق فقط!
النقد و التعليق:
الناقد والسيناريست: عماد مطاوع
إن أفضل القصص هي القصة مبتورة المقدمة أي التي تلقي بك وسط أحداثها مباشرة بلا أي مقدمات أو زوائد سردية، وهذا ما نجده في "نصف ساق" فالقاصة تمسك بأيدينا وتدخلنا عالم بطلتها (الطفلة ذات السنوات السبع). وكم هو معقد وشائك هذا العالم، لقد اختارت القاصة مطردة الحرب لتغزل بها قصتها القصيرة وتعبر بتركيز شديد وتكثيف عال عن الحالة النفسية لطفلة يتفتح وعيها على مشاهد التوتر، استعدادا لمجابهة هجوم وشيك من الأعداء، وتعايش حالة الاضطراب واللجوء للمخابئ.
نجحت القاصة في الغوص داخل التركيبات النفسية لشخوص قصتها، واستطاعت التمهيد للفجيعة التي حلت ببطلتها؛ حيث بترت ساقها، ويمكن أن نلحظ جوا كافكاويا -نسبة لفراتز كافكا، رائد الاتجاه السوداوي في القصص- يعبر بجلاء عما تريده القاصة، ونلحظ ذلك فيما يلي:
"يدخل أبي.. أبي كم افتقدتك جدا، أحاول أن أخرج من رقدتي لأستقبله كعادتي وأجري نحوه ليأخذني في أحضانه، ولكن ثمة ألم في ساقي يمنعني من الحراك. وفجأة تدخل الممرضة وهي تجر أمامها كرسيا متحركا".
مع الهمس للقاصة بأن "تجر" لم تكن في موضعها السليم، والأفضل لو استخدمت "تدفع".
لقد نجحت القاصة في نسج لحظات قصصية بالغة الروعة عالية التكثيف، مثل:
ما هذه الوجوه التي تحيط بي، وتملؤها الإصابات والجروح، مالي لا أستطيع الرؤية بوضوح...
هذه القصة جيدة بناء ومضمونا، وتدعم خطا الكاتبة على طريق القصص، ذلك الفن الجميل المراوغ، ولقد تابعنا من قبل عملا للقاصة عبر نادي المبدعين، مما يدعم القول بأنها أصبحت ممسكة بقوة بتلابيب الكتابة، وأنها تحرز تقدما واضحا، ولهذا أجدني أطالبها بإعادة النظر في استخدام جملها الحوارية، كما أطالبها بالتركيز على الخاص -بل الشديد الخصوصية- من خلجاتها؛ لأن الفرد جزء من كل، فعندما يعبر بصدق عما يعتمل بداخله من مشاعر خاصة وهواجس وأطماع وأحلام، فسيعبر عن جيل كامل، وعن إنسان هذا العصر الذي يحيا وسط عالم جامد معقد. والتفاعل الحقيقي للمبدع يكون في انتهاجه مشروعا إبداعيا بعينه، يضع فيه كل طاقاته وقدراته، وعندما يفعل ذلك فسيجد أنه لم ينسلخ عن العالم، بل سيكون وسط بؤرته تماما.
|