|
لقد قام عدد كبير من العلماء المسلمين بتأريخ المواقع والغزوات والأحداث التاريخية؛ حيث اتخذ كل منهم منهجًا علميًّا لهذا التأريخ، فقام الطبري مثلاً بإثبات الغث والسمين في كتابه، فكان منها الأساطير والحكايات الشعبية والإسرائيليات، وقام عز الدين بن الأثير (ت 630هـ) بالتأريخ السياسي، وهو الذي عاصر نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي وبداية حروب التتار في العالم الإسلامي.
وقام أبو الفداء الدمشقي (ت 774هـ) المؤرخ العقائدي الذي استند على كتابات من سبقه بمقياس العقيدة، فيما قام ابن بطوطة بنوع آخر من التأريخ فيما يشبه المشاهدات من خلال عينه الثاقبة وأسلوبه الشيِّق في الرواية، وقد افتتح علمًا كاملاً يسمى الآن في عصرنا الاستطلاعات.
أما ابن خلدون فهو المؤرخ الذي أثار إعجاب العلماء وأسس علم الاجتماع والتركيبات الاجتماعية؛ حيث حلَّل كل ما حدث في التاريخ اجتماعيًّا.
قطعًا سيكون عند ابن كثير شهر الجهاد الذي جرت معظم المعارك فيه، وبما أن معارك هذا الشهر كانت حاسمة فسيكون عند ابن الأثير شهر الحسم والنصر، وسيكون عند ابن خلدون شهر العلاقات الاجتماعية والتكافل، وعند ابن بطوطة شهر الاحتفالات التي وثَّقها في كل بلد أظله فيها شهر رمضان، فلندخل مع هؤلاء المؤرخين في أرجاء رمضان في لبنان هذا العام.
يقول ابن كثير..
ولما كان رمضان سنة 1421هـ، أمَّ المسلمون مساجدهم وانصرفوا إلى العبادة والذكر، وقراءة القرآن الذي آلى كل فرد على نفسه أن يختمه مرة واحدة على الأقل في جماعات بعد الفجر أو منفردًا، كما أن صلاة التراويح باتت تنقل مباشرة على الفضائيات التلفزيونية (وهو سلاح فتَّاك في الخير والشر بحسب جهة استعماله)، وبسبب غياب انتصارات المسلمين في رمضان هذا العصر، أكثروا من إقامة الاحتفالات بذكرى بدر وفتح مكة وغيرها من المعارك الرمضانية الحاسمة.
أما ابن الأثير فيقول:
وفي رمضان 1421هـ، ما زالت الخلافات السياسية العربية تطغى على واقع المسلمين، وليس هناك مركز للخلافة، فقد أثبتت التجربة أن خلافة ضعيفة خير من عدمها، وانقسم العرب إلى أكثر من عشرين دويلة، والمسلمون إلى أكثر من خمسين، تقسمهم المصالح ولا يجمعهم إلا دماء الشهداء، التي سقطت هذا العام في غزة هاشم وبيت المقدس.
وما زال هلال رمضان يتأثر بالتحالفات السياسية بين عدد من الدول، فبين الحجاز والمغرب العربي أكثر من موعد لرمضان، وما زالوا على الخلاف نفسه رغم التقدم العلمي في عصرهم (لدرجة أن مركبة فضائية كانت تهبط في تلك الفترة على سطح كوكب المريخ).
وما زالت هذه الدويلات تتحالف مع الأعداء ضد بعضها البعض، وبيت المقدس الذي من المفترض أنه تحرر على يد صلاح الدين أعيد إلى الأسر مع حملات الفرنج الجدد من اليهود.
ولكن ماذا يقول ابن خلدون؟!
ولما أظلّ بيروت رمضان عام 1421هـ، تسابقت الجمعيات الخيرية مع الأحزاب إلى إقامة الإفطارات العامة للأغنياء، من أجل جمع التبرعات ، فالتركيبة الاجتماعية في هذا العصر قد أنتجت الجمعيات الكثيرة في بلد كثر أيتامه وفقراؤه بسبب حرب أهلية ألمّت به على مدى عشرين عامًا (وابن خلدون لا ينظر إلى الحرب بالسلاح فقط، بل بالبعد الاجتماعي لها). كما أن النظام السياسي عندهم أنتج أحزابًا وجمعيات اجتماعية تستغل شهر رمضان، حتى لقد بات غير المسلمين يولمون للآخرين على موائد الإفطار. الأمر الذي جعل كثيرًا من الصائمين لا يجدون ما يفطرون عليه، وكثيرًا من المفطرين يفطرون على الموائد الدسمة.
أما ابن بطوطة فيقول:
في العام 1421هـ فقد وصلت إلى بيروت قبل شهر رمضان، ففوجئت بالناس تشكو قبل رمضان بأيام بغلاء أسعار الخضار؛ حيث تضاعفت أسعار بعضها كالخيار الذي كان الكيلو منه بألف ليرة من عملة البلد فأصبح قبيل رمضان بألفين وخمسمائة ليرة، وينسحب ذلك على غيره. وقد شهدت تململاً شعبياً وتحركاً يكاد يشكِّل ما يطلق عليه هنا بالمظاهرة، احتجاجًا على غلاء الأسعار والوضع الاقتصادي الصعب كما قيل لي.
وقد صادف سنتئذٍ أن تزامن رمضان مع الأعياد النصرانية في ذلك البلد الخارج حديثاً من حرب طائفية، وقد بدأت زحمة المركبات السيارة في المناطق ذات الأغلبية المسيحية، ومن طريف ما شاهدت أن كل الشوارع والحوانيت مزينة عند كل الطوائف، بل إن بعضها قد زين واجهته بأهلَّة رمضان والواجهة الأخرى بثلج الميلاد.
وفي هذه البلاد عادة تسمى سيبانة رمضان، يخرج فيها الناس في آخر يوم عطلة تسبق رمضان في رحلة ترفيهية أخيرة قبل الاعتزال إلى الصوم والعبادة. والأصل في اسمها أنها تصحيف لكلمة استبانة، وهي ما كان يسمى في عصرنا بيوم الرّكبة الذي يسبق يوم الشك، حيث يستبين الناس هلال رمضان. ولكن العادة سبقت العبادة عندهم وباتوا يخرجون للنزهة بدل استبيان الهلال، فأضاعوا زمانه ومكانه وهدفه.
ولكن أغرب ما رأيته في تلك البلاد، هي تلك القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية، فكلها تنشط في هذا الشهر بين المسابقات والاستعراضات والبرامج والمسلسلات وغيرها، مما لا يليق بفضائل هذا الشهر، مثل: (الشاشة الأفضل للشهر الفضيل) و(رمضان أحلى مع..) وغيرها. ومن غرائب هذا الشهر أن كثيرًا من ناسه استعاضوا عن التراويح في المساجد بالسهر في الخيام، وهي عادة اقترنت برمضان من حيث الصيام والقيام على طريقة الشيطان، وسمَّاه بعض فقهاء ذلك العصر تهكمًا (صيام مودرن) يعني عصريًّا.
وما يبهر في هذا العصر هو التطور الذي وصلوا إليه، ولكنهم - المسلمين - لم يستفيدوا منه حتى الآن، الأمر الذي يجعل صيامهم في يوم واحد أمرًا صعبًا، فلم يتمكنوا حتى الآن من توحيده والالتزام به.
هذه إذن آراء بعض المؤرخين والرحالة كما كان متوقعًا، أرجو أن أكون قد نقلتها بأمانة للأجيال القادمة من المؤرخين وهواة الاستطلاعات.
|