|
محتضنا صندوقه .. سائرا به فرحا باتجاه البريد المركزي ليبعثه طردا إلى أهله في العراق، مجتهدا طوال أيام مضت في جمع ما يمكن جمعه وما يمكن أن يكون أهله في ظل الحصار بحاجة إليه .. وهاهو الصندوق وقد اكتملت أغراضه، كما يعتقد، وليس أمامه سوى الذهاب إلى البريد المركزي ليبعثه وهو الآن في طريقه .
كانت قاعة الاستلام ممتلئة بجنسيات مختلفة ..أفارقة ..أوربيون آسيويون .. عرب وأجانب .. والكل مشغول بإرسال طرده إلى بلده، وهو مثلهم لا يختلف عنهم في شيء سوى أن طرده هو عصارة جهد وفكر!! قد يستغرب البعض ذلك ولكن الغرابة ناتجة عن غرابة الوضع القائم في العراق ومأساته .. وقف أمام موظف الكمارك ودفع أليه جواز السفر .. نظر إليه الموظف بعد أن رمق الجواز بنظرة خاطفة وأبتسم له وقال :
ـ أيحتوي صندوقك على الشاي والحليب المجفف والحلويات ؟!!
خشي أن تكون هذه المواد ممنوعة، وخشي على أحلام سبق له أن حلمها وهو يجمع هذه المواد والفرحة التي سيشيعها وصول الطرد إلى أهله ..أباه .. أمه .. أخوته
"أيها الموظف ..أرجوك لا تزد على مأساتي بأخرى" .. قال مخاطبا نفسه
لم يطل الانتظار إذ سحب الموظف ورقة وختمها بختم الكمارك وقال :
ـ أذهب إلى الوزن ..
تنفس الصعداء وهو يسحب الصندوق على المنضدة الطويلة الممتدة من الكمارك إلى الوزن كانت أمامه امرأة بلغارية تضع صندوقها على الميزان ..وما أن أستقر مؤشر الميزان حتى حاول الموظف إفهامها بأن الوزن فوق الحد المسموح وعليها تفريغ بعض ما يحتويه الصندوق .. وما أن أنزلت المرأة صندوقها حتى وضع صندوقه بعدها على الميزان وما أن استقر المؤشر حتى قال الموظف :
ـ الوزن فوق الحد المسموح بنصف كيلو غرام .. عليك أن تقلل الوزن يا أستاذ
شعر بالإحباط .. فهو قد أجتهد طوال أيام خلت في جمع ما يعتقد أنهم بحاجة أليه وخصوصا الأدوية ..أنزل الصندوق عن الميزان ووضعه على الأرض وفتحه .. رمق الحاجيات الموجودة داخله ..
" أي مادة ستخرج ؟!!.." قال مخاطبا نفسه .
وضع يده على خده وهم بإخراج علبة الحلويات "لا بأس الأدوية والحليب أهم .. عذرا أيها الأطفال"
ناداه موظف الوزن :
ـ عراقي .. تعال
اقترب من الموظف الذي ابتدره قائلا :
ـ خيرك .. تبدو حائرا
ـ النصف كيلو الزائدة أصابتني بحيرة، أنه الطرد الأول الذي ابعثه واعتقد أن مواده كلها ضرورية
أبتسم الموظف وقال ..
ـ أحكم إغلاق الصندوق لا تخرج منه شيء، فرح جدا وبان ذلك من القوة التي شد بها على يد الموظف .. أحكم إغلاق الصندوق بالشريط اللاصق وألصق أوراق العنوان على الجهات الأربعة للصندوق ودفعه للموظف .. وأتم بعدها جميع الإجراءات الأخرى .. وخرج فرحا يتخيل كيف سيصل الطرد؟
"بالتأكيد سيتصلون بأبي في مقر عمله .. لقد كتبت رقم هاتفه على ورقة العنوان .. سيخبروه بوصول الطرد .. سيذهب إليهم ويستلمه ويذهب به إلى البيت ليتحلق حوله الجميع .. لتقوم أمي بتوزيع ما فيه وتحمل ضغط الآخرين .. هذا الطرد لعينيك يا أمي لقد راهنت علي ّوفزتِ وفزتُ معكِ .. فعذرا يا أماه مما قد يسببه لك الطرد من إرهاق وتعب"
خرج من مبنى البريد وعب هواء ملء رئتيه .. كأنه ارتاح من شيء ما يثقل كاهله .. لقد أرسل في الحقيقة إلى أهله أول ثمرة من ثمار نجاحه وأن كانت صغيرة ربما لأنه استعجل قطفها ليرسلها لهم .. أخبره الموظف أن الطرد سيصل إلى العراق خلال شهر، لقد كتب لهم أن يرسلوا له برقية حال استلامهم له، ولكن فكرة مزعجة ومضت في رأسه .. ماذا لو لم يصل الطرد ؟ .. هل سيخضع الطرد إلى قرارات الحصار وسيدخلوه في متاهات عدة قد لا يصل عندها أبدا .. يا الهي أيعود إلى الموظف ليسأله عن ذلك ؟ .. ولكن قبله كثيرين أرسلوا طرودا ووصلت فلماذا هو ؟ .. لكن .. تلك الـ "لكن" اللعينة كانت تحيل أفكاره الجميلة إلى أفكار سوداوية مزعجة .. حرك يديه أمام وجهه كمن يطرد الذباب عن وجهه ليطرد تلك الأفكار عن رأسه عسى أن تكون تلك الأفكار كالذباب، حاول بعدها أن لا يفكر في الأمر فالطرد أرسل وأنتهي أما ما بعد ذلك فمشيئة الله سبحانه ولينتظر الشهر وليقلق بعدها إن لم يستلم برقية ما من أهله .. فلا يملك الآن إلا الانتظار وأصعب الأيام هي الأيام الأولي، ولأنه حائر لا يعلم إلى أين يمضي فهو يعتقد واعتقاده صحيح أن الذهاب إلى السكن والارتماء على الفراش سيجعل الأفكار تأتيه من حيث يدري ولا يدري .. قرر السير في المدينة والعودة إلى السكن متعبا لينام، فترك قياد بدنه إلى قدمه تقوده حيثما تشاء .. وقادته قدماه إلى البريد الفرعي الذي فيه صندوقه البريدي وقال لنفسه:
"لأرى ما في الصندوق .."
فتح الصندوق فوجد رسالتين وإشعار برقية .. قلبّ الرسالتين فلم تكونا له .. أما إشعار البرقية فيحمل اسمه .. ذهب إلى شباك استلام البرقيات وقدم الإشعار للموظف الذي أعطاه البرقية وفض بلهفة المظروف وقرأ الكلمات
( أخي العزيز ..
أنا لله وأنا إليه راجعون .. لقد توفت الوالدة قبل ثلاثة أيام بعد أن فقد الدواء الذي تتناوله بانتظام. وقد قمنا بالواجب اللازم .
أخوك )
سار خطوات قليلة مصدوما بكلمات البرقية .. نظره مسمرا إلى الكلمات، أنه بحاجة إلى من يخبره أن الكلمات غير حقيقية وأن البرقية ليست له .. خطوات قليلة سارها كانت كافية لتؤكد له أن البرقية له وأن كلماتها حقيقية لا لبس فيها وأنه فقد والدته قبل أن ترى وتلمس نجاحه ..قبل أن تصل إليها يده بالدواء.. لطم يده بالبرقية على جبهته واستدار ليطلم الحائط بيده قبل أن يضربه برأسه وتخنقه العبرة .. سالت دمعة من عينيه .. لا يملك سواها .. لا يملك إلا البكاء على والدته .. حيث لا يملك البسطاء إلا البكاء على أحلامهم وأحبتهم .. حيث لا يمكن للبسطاء إلا أن يكونوا متأخرين على أحلامهم وأحبتهم، وهذا ديدن الزمان..لا مكان للبسطاء والمستضعفين وفق قوانين البقاء الحالية .
النقد والتعليق:-
الناقد والسيناريست عماد مطاوع
كثيرا ما يضطر الإنسان لترك وطنه وأهله، وربما تكون الأسباب التي تدفعه قوية، لكن يظل حنينه ورغبته في العودة أقوى من أي سبب، فما بالنا إذا كان الأهل في الوطن، في حالة تزيد من الحزن عليهم والشعور بالعجز عن تقديم يد العون لهم، وهذا ما يرصده الكاتب عدنان علي في قصة "الطرد" التي يرصد فيها حياة فرد -أي فرد- يسعى لإرسال طرد بريدي لأهله في ظل ظروف صعبة يحتاجون فيها لأية مساعدة منه، خاصة أن الوطن تحت الحصار، وهذا الوطن هو العراق الحبيب، ولا يهم تحديد اسم هذا البلد، فكل البلدان محاصرة، وبعد تجربته مع مسئولي الجمارك ينجح في إرسال طرده، لكن تأتيه رسالة تخبره بوفاة والدته، بسبب نقص الدواء، وهو ذاته الذي أرسله، لكنه وصل متأخرا، كحال كل شيء، يصل دوما بعد فوات الأوان، وأهم ما يميز هذا النص، هو الدخول السريع والمباشر في الحدث، وعدم اللغو السردي الذي كثيرا ما يثقل كاهل الأعمال القصصية، خاصة والقاص استخدم إطارا تقليديا لعمله هذا، وأعتقد أن استخدامه الحوار بين مسئول الجمارك والبطل لم يكن موفقا إلى درجة كبيرة، وكان أمام الكاتب استخدام الراوي فقط في طرح عالمه، وأيضا بعض الزوائد السردية التي كان الاستغناء عنها واجبا، لأن التكثيف يجعل العمل القصصي سريعا ومتدفقا، بلا أية عوائق تفسد هذا التدفق، وأيضا الكاتب خلف الحكاية وإغفاله عمل حالات قصصية، اللهم إلا في مناطق قليلة من العمل مثل البداية... "محتضنا صندوق... سائر به مزحا باتجاه البريد المركزي ليبعثه طردا إلى أهله في العراق..." وأيضا... "خرج من مبنى البريد وعب هواء ملء رئتيه...".
وأيضا... "صار خطوات قليلة مصدوما بكلمات البرقية..."
وهذه القصة تؤكد امتلاك كاتبها لأدوات القص وقدرته على نسج عالم فني مواز، يحمله بتفاصيل صغيرة، ليفجر بها قضايا كبرى تؤرقنا، وأيضا يبرهن هذا النص على امتلاك كاتبه قدرا عاليا من الوعي السياسي، والمجتمعي، في ظل تشابك وتداخل هذا العالم المعقد، وقصة الطرد، تعكس حالتنا جميعا، ما بين الحصار المضروب من حولنا، والمقيد لحريتنا والمفضي بنا إلى الحاجة لانتظار الخلاص من الخارج دوما، ونظل هكذا ننتظر القادم... لكنه يصل دوما بعد فوات الأوان.
|