|
"أماه لقد حان وقت سداد الدين فباركيني".
تنظر الأم إلى طفلها الذي لم يتجاوز الثامنة وتتساءل يا ترى عن أي دين يتحدث؟ يكمل حديثه وكأنه شيخ كبير عركته الحياة: "لقد منحتني الحياة أمي لكنها أمانة يجب أن أردها لصاحبها يجب أن أبذلها من أجل أعظم أم بالوجود".
تقترب منه وقلبها مقبوض من شدة القلق وتتساءل من جديد: "يا ترى هل أصابه مس من الجنون، أم أصابته الحمى فصار يهذي بعد وفاة والده وأخيه وخاله العزيز الذي يحبه جدا؟
تقبل جبينه الصغير، وتقول: ولدي نضال ماذا حدث لك؟ عم تتحدث؟ وأي دين هذا؟ أنت ما زلت طفلا أ...
يقاطعها وقد ابتعد عنها قليلا: "لست طفلا أمي.. لست طفلا بل لا يجوز لي أن أكون طفلا وأنا أرى أمي تغتصب، تهان، تدنس، تصرخ طالبة العون ولا أحد يجيبها، أي طفولة هذه التي تتحدثين عنها أمي أي طفولة هذه؟".
تسيل دمعة حارقة من عينيها تحفر خدها من شدة الألم، وتقول وقد تملكها الخوف من كلمات طفلها: "ولدي الحبيب ماذا تقول؟".
يرد: "أماه لقد ولدت رجلا، وأشعر الآن بأنني شيخ كبير، ولكنني أحمل قوة الشباب بداخلي، أمي الحبيبة أرضي تنادي وقد دنسها الغاصب إذا لم نهب لنجدتها ونحن أبناؤها فمن سيفعل؟!".
تصرخ بحرقة بعد أن فهمت ما يدور بعقله الكبير المختبئ بذلك الجسد الصغير: لا... لا...
يمسح دموعها وهو يضمها ويقول: "هي أمي أيضا، وتطلب أن تضمني مثلك تماما، ولكنني لن أضمها إلا وجبيني عالٍ أمي كما فعل خالي العزيز ووالدي وأخي لقد أدوا أمانتهم، أمي لا تبكي يجب أن تكوني سعيدة وفخورة فأنت أم شهيد، وزوجة شهيد، وأخت شهيد، أي شرف هذا الذي تنالينه، ومن تظنين منحك هذا الشرف إنها هي أمنا فلسطين بمعونة من الخالق".
تهمس بألم: "ما زلت طفلا ولدي صبرا... صبرا..."
يبتعد عنها ليقول بغضب: "لست طفلا أخبرتك بذلك لست طفلا، وهي أيضا تعرف أنني صرت رجلا انظري لعيني أمي انظري".
ترفع رأسها ببطء والألم يعتصرها تنظر لعينيه الواسعتين: إلهي ماذا ترى؟
لقد رأت الشرر يتطاير منهما، رأت الغضب وقد استعمر تلك العينين وصارت داكنة بلون الظلام المخيف حاولت البحث عن طفلها بداخلهما، طفلها الذي كان يلعب مع رفاقه منذ بضعة أشهر، طفلها الذي لا ينام إلا بحضنها، لكن دون جدوى، لم تستطع العثور عليه لقد رحل ذلك الطفل وحل مكانه شخص آخر شخص آخر، وضعت يدها على صدرها بعد أن أدركت أن ذلك الطفل لم يعد لها الآن، وأنه يطلب أمه الحقيقية، يطلب حضنها دفأها، أغمضت عينيها لتفتحهما من جديد وقد ملأتهما الدموع تعود لتنظر لتلك العينين وقلبها يصرخ: "أين ذهبت يا صغيري؟ أين؟" تهز رأسها وتبكي.
يخرج نضال ليعود بعد قليل حاملا معه حفنة من رمل رطب يقترب من والدته يضع يده اليسرى على كتفها ويقول: "أعطني يدك أمي".
مدت إليه يدا مرتجفة وضع بها الرمل الناعم، نظرت إليه باستغراب من وراء دموعها وكأنها تسأله: "ما هذا؟".
أجابها قبل أن تسأل: "شميه أمي، شمي رائحته.. هيا".
قربت يدها من أنفها، وشمت ذلك الرمل الرطب أحست بنشوة غريبة، أحست بالقوة تسري بجسدها، أحست بأن روحها تتبدل ولم تعد هي، لاحظ نضال تغيُّر لون والدته وهدوءها المفاجئ، وقال: "إنها تناديني أمي، وأنت تعرفين ذلك من رائحتها الطاهرة" صمت قليلا ثم تابع: "حبات الرمل تلك جزء من جسدها الذي أرغب بأن يحتضنني، ذلك الجسد المنتهك من قبل الأعداء" .
تبعد الأم المتألمة يدها عن أنفها ويتابع نضال: "أمي صدقيني هي أيضا تحبني وتحبك؛ لأنك حافظت على أمانتها وجعلت منها سلاحا بوجه أعدائها، إنها ممتنة لك فقد منحتها من قبل زوجا وأخا وابنا، أمي لا تبكي إلا من الفرح، فأنت تقلدت أعظم الأوسمة مذ أصبحت أما وزوجة وأختا للشهداء" كانت صامته تابع: "أمي كل أخوتي أمانة لديك ستطلب منك يوما من الأيام فكوني مستعدة لرد تلك الأمانة بل قومي أنت بنفسك بتجهيزها عندما يحين الوقت" تسيل دمعة متمردة على خدها يمسحها بأصابعه الصغيرة، ويقول: "لا تبكي أمي، لا تبكي فما عاد البكاء ينفع بشيء، جهزيني أمي.. قبليني.. باركيني".
تشهق الأم المكلومة من الألم، وكأن أحدا يحاول أن ينزع روحها، وتتساءل مع نفسها: هل تستطيع أن تحتمل فراق طفل آخر من أطفالها؟ هل يوجد بها مكان لجرح جديد؟ أو ربما ستعتاد روحها على الألم لكثرة الجراح بها؟ هل هذا هو ثمن حبها لأرضها؟ هل...؟
وفيما هي غارقة بالتفكير يأتيها صوت نضال لينتشلها من حيرتها قائلا: "{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} صدق الله العظيم" .
تهدأ قليلا، يمسك نضال بيديها، ويشد عليهما ويقول: "أمي لا تحزني سأكون بخير، سأكون سعيدا وفخورا بك، أمي إن والدي وأخي وخالي وكل الشهداء ينتظرون أن ألحق بهم، أمي أي معنى للحياة وأرضي محاصرة؟ وأي كرامة ستكون لنا، ونحن نذل كل يوم ويداس على أنوفنا، وتمزق ملابس أمنا ويهتك عرضها؟ أي كرامة هذه التي تسمح بأن نرى الذئب ينهش بلحمها ويفصله عنها شيئا فشيء وهي تصرخ متألمة. أمي الحبيبة هذا الجسد لا يقارن بحبة رمل من ثراها فكيف تستغلينه أنت عليها؟ أمي.. أمي بالله عليك ابتسمي فأنا لك، وروحي فداك وستظل معك للأبد".
تصرخ وتمسك بطفلها الصغير تبكي بحرقة: هل ستسمح أن تنزع نطفة أخرى من جسدها.. من روحها؟ وهل ستحتمل ألم ذلك النزع؟ لكن ماذا باستطاعتها أن تفعل؟ كل كلمة يقولها صغيرها حقيقة واضحة. دمه يحن لأمه الحقيقية. لقد كبر ابنها قبل أوانه، يجب أن تفخر بذلك وترفع رأسها بعلياء وكبرياء، إنه وسام آخر سيضاف إلى صدرها، ونطفة أخرى سيصبح لها شأن، وهدية عظيمة ستهديها لأرضها. أجل هي من جاءت به إلى الحياة؛ إذن دمها هي الذي يجري بعروقه، وروحها هي التي بداخله؛ فكيف تظهر أمامه ضعيفة، وهي مَن أرضعته الشجاعة منذ مولده؟ لا.. لا يحق لها أن تمنعه؛ فهو أمانة لديها، وهاهي أمه وأمها تطلب رد الأمانة، أجل ستعيدها لها بكل فخر مرفوعة الرأس.
تبتعد قليلا عن فلذة كبدها، تمسح دموعها، تمزق جزءا من ثوبها الأبيض وتربطه كعصابة على رأس ابنها الحبيب، ثم تقبل جبينه، وتقول: "لقد كبرت يا ولدي، كبرت وأنا فخورة بك كثيرا. اذهب وسدد دينك وأنا سأنتظر عودتك".
يمسك بيديها ويقبلها ويسأل بتردد: وإذا لم أعد أمي؟
تغمض عينيها ويسود صمت قاتل للحظات، ولكنها تفتح عينيها وتبتسم ثم تقول: وقتها سأعرف أن والدك سيهتم بك، وأن والدتك التي أهديتها روحك ستحتضن جسدك بكل فخر، وستكون حنونة عليك أعرف ذلك، لكن يجب أن ترفع رأسي أنا أيضا، ولا تجعل روحك رخيصة، اجعلها سلاحا مدمرا، وقتها سأرفع رأسي عاليا"، تحتضنه من جديد وتقاوم دموعها بقوة حتى لا تتساقط أمام طفلها فيرى ضعفها، ما هي إلا لحظات فيبتعد عنها ويقول: ستفخرين بي أمي، أعدك بذلك، ستفخرين بي. ثم يجري للخارج، تحاول اللحاق به فتتعثر وتسقط على الأرض لتنشب أظافرها بالرمل الرطب وتصرخ: "هاهو ابنك عائد إليك.. سيرحل ويتركني من أجلك.. آآآآآآآهٍ كم هو مؤلم هذا الفراق.. آآآآآآآآآآهٍ كم هو صعب نزع الروح... عديني أيتها الأرض أن تكوني له أمًّا حنونة.. عديني ألا يشعر بالوحدة بحضنك.. عديني أن تفخري به كما سأفعل.. عديني.. عديني..
النقد والتعليق:-
الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:-
إن العبرة في الفن تكمن في كيفية تناول الفكرة/الموضوع، وليست في الموضوع ذاته؛ حيث إن الأفكار مطروحة في الطريق كما قال الأقدمون.
وهذا ما نلمسه في نص "سداد الدين" للكاتبة موزة راشد البلوشي؛ فالكاتبة تقدم نصا أدبيا به جهد لغوي واضح، نسجت فيه علاقة متشابكة بين صبي وأمه من جهة، والأرض/ فلسطين من جهة أخرى، وأرادت الكاتبة أن تكون القضية الكبرى جواز مرورها للمتلقي، لكنها لم تبحث عن وسيلة التناول الجيدة لهذه القضية، فقدمت لنا "ميلودراما" حافلة بالخطابة والصوت الزاعق. ولنتأمل مثلا ما تقول على لسان البطل/ الصبي:
"لست طفلا يا أمي.. لست طفلا بل لا يجوز لي أن أكون طفلا، وأنا أرى أمي تغتصب، تهان، تدنس، تصرخ طالبة العون، ولا أحد يجيبها، أي طفولة هذه التي تتحدثين عنها، أمي أي طفولة هذه".
واستمرت على المنوال ذاته في عملها الطويل نسبيا، والذي جاء تقليديا، اعتمد على المقدمة ثم الحبكة ثم الخاتمة.
ولست أقلل هنا من قيمة ونبل القضية التي تحدث عنها النص، بل كان من الممكن للكاتبة بقليل من التكثيف أن تقدم نصا جيدا، خاصة أنها تمتلك قدرة عالية على رسم الصورة القصصية وإدارة حوار فني، وإدراكها الأبعاد المختلفة لشخصياتها، ولهذا أجدها تمتلك أدوات كتابة السيناريو السينمائي؛ فليتها تهتم بهذا الجانب من موهبتها، والكاتبة لديها موهبة حقيقية، لكن عليها التروي ومراعاة الوعاء الأدبي الذي تصب فيه عملها، وأظنها مطالبة بالوقوف على الأجناس والأشكال الأدبية المختلفة؛ حتى تتمكن من تحديد الجنس الأدبي الملائم لها؛ مما يؤدي إلى تفردها وعدم تكرارها لما قدمه الآخرون.
وعليها أن تقترب من نفسها أكثر، وتبحث عما يؤرقها ويؤرق جيلها لتقدمه في عمل فني يبرز موهبتها تلك.
|