|
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة عندما دخل إلى بيته، كم كان يوما شاقا بالنسبة له، في أحد زوايا الغرفة الواسعة كانت لا تزال هناك تنتظره، تقلب محطات التلفاز التي لم تكن تراها، نظر إليها وحياها ثم دلف إلى غرفة المكتب، ألقى حمله على المكتب فتناثرت الأوراق والمظاريف من تلك الحقيبة المسطحة، تهاوى جسده المنهك على كرسي المكتب، وبملل أخذ يمسح شعره ووجهه، قام بكسل وهو يتمطى ليذهب إلى غرفته، رآها تستعد للنوم.
قالت: هل أحضر شيئا تأكله؟
قال: شكرا، أحتاج للراحة فقط، هناك رسائل يجب أن أتم قراءتها..
قالت: تصبح على خير.
في ساعة متأخرة من الليل قام ليتم أعماله، هو محرر في أحد المجلات المشهورة، وعمله في الرد على المشكلات الاجتماعية والنفسية التي ترد إلى المجلة من القراء، إنه إنسان ناجح ومحظوظ؛ لأنه قد استطاع وفي سنوات قليلة أن يكسب ثقة القراء فلمع نجمه في المجلة، بمهارة أخذ يرد على القراء ويسدي إليهم النصح ويصوغ الحلول لمشاكلهم المعقدة.
ها قد أنجز قدرا كبيرا من عمله، لم يبق له سوى عده مظاريف لم يفتحها بعد، نظر إلى تلك الكومة فرآه أنه هو بألوانه الزاهية، بلهفة أخذ الظرف وفضه بسرعة، فكر في نفسه، أي طيش هذا الذي تقوم به.
لكنه التهم كلماتها بسرعة.
كانت البداية عندما أرسلت إحدى القارئات بمشكلتها مع زوجها الذي كان يغيب عنها كثيرا وما تحسه من فراغ مستمر، رد عليها بموضوعية في ذلك العدد إلا أنها عاودت الكتابة إليه تشكره على عدم إهمال أوجاعها التي لم تزل مستمرة، بعث إليها برد خاص على صفحات المجلة، يوصيها بالصبر وبأن تشغل وقتها بما يفيد.
بعد فتره عاودت الكتابة إليه، لكن بخصوصية أكبر وكأنها وجدت في قلمها متنفسا وفي ردوده سلوى لنفسها المعذبة، توالت الرسائل فيما بينهما، هو لا يدري كيف انساق وراء كلماتها التي كانت تحمل كل عذابات الأنثى وضعفها.
كان في نفسه يستعذب ألمها وحنينها إلى العاطفة التي تفتقدها وتجدها في كلمات فارسها الجديد هو نفسه كان يطرب لهذه المشاعر الجديدة التي لم يحسها من قبل، لقد أيقظت في نفسه إحساسا بالمغامرة اللذيذة.
اليوم حملت رسالتها الكثير من التوسل والآهات وطلبت أن تقابله -لقد وقعت أخيرا- واعترفت بحبها وحاجتها إليه.
اللعبة تزداد خطورة، لكنه يحب هذا النوع من المخاطر، فليكن، الموعد والمكان محددان مسبقا في الرسالة، والمكان يبدو مألوفا.
وفي اليوم التالي، في مكتبه بالمجلة...
ها قد اقترب الموعد، إحساس غريب يعتريه، لماذا تطفو صورة زوجته على سطح خيالاته؟
ركز الآن على الآتي، إنك لم تقابل فتاة في حياتك، ابتهج.
رتب الأوراق أمامه بعشوائية، فتح درجا عميقا في مكتبه وألقى أوراقه وتلك الحقيبة وأغلقه بحركة سريعة.
رن الهاتف. صوته المزعج انتشله من أفكاره.
- نعم؟
- هذا أنا يا عزيزي.
خفق قلبه.
- من؟
- أنا زوجتك، كنت أريد أن أقول لك إنني ذاهبة مع رفيقتي إلى السوق.. هل تسمعني؟
- نعم، آه نعم حسنا.. سأتأخر الليلة.. لدي عمل.
- موفق، إلى اللقاء.
أغلق الهاتف كان لا يزال مضطربا، هل علمت؟!! لا طبعا كيف لها أن تعلم.
في طريقه إلى ذلك اللقاء، كانت كلماتها تترد في أذنيه (موفق إلى اللقاء) شعر وكأنها تعني شيئا، هل قصدت!
هل أنت متردد؟ _ حادث نفسه_ لا بالطبع ولماذا التردد!
حديقة العاصمة، ها قد وصل، اجتاز أسوار الحديقة العالية، أخذ يجيل النظر فيما حوله. الحديقة تبدو مزدحمة اليوم، كيف سيعرفها؟ آه لا بد أنها ستعرفه من صورته على صفحات المجلة.
لا يدري كم من الوقت استغرقه وهو يجيل النظر في كل الوجوه، وأخيرا رآها وميز وجهها.
كانت هي، إنها زوجته، شقت طريقها نحوه بهدوء وعلى وجهها تلوح ابتسامة مشرقة، دارت الأرض به، وشل تفكيره تماما.
اقتربت منه لفحت وجهه بعينيها الدافئتين، وأخذت يده بين يديها تحثه على السير إلى جانبها
كانت هي إذن؟!
اختلجت في صدره المشاعر، أحس بألم عميق يلسع فؤاده، نعم يا زوجتي الحبيبة إنها أنت من يعيش تلك العذابات، أراد أن يقول شيئا، أن يعبر لها كم هو خجل من نفسه، لكنها أخذت بيده وجلسا على كرسي خشبي، ثم قالت له:
- أتذكر؟ هنا كان أول لقاء؟
نظر في عينيها.
قالت له: اليوم هو ذكرى زواجنا
ضحكا بجذل ثم قاما ليغادرا الحديقة.
كانت أصداء ضحكاتهما تملأ فضاء الكون لتصل إلى مسمع السيدة التي جلست هناك، تنتظر موعدها مع محرر في زاوية قلوب حائرة!
النقد والتعليق:-
الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:
ستظل التركيبة الإنسانية بالغة التعقيد وملغزة للكثيرين، وسيظل الإنسان من أكثر الكائنات استعصاء على الفهم، خاصة فيما يتعلق بالوحدات المجتمعية التي يكونها، ممثلة في الزواج والأسرة، وتلك التبدلات والتحولات التي تصيب المشاعر في ظل مؤسسة الزواج بفعل الزمن والملل أحيانا، ولقد تعرضت الفنون منذ بدايتها وعلى اختلاف أجناسها لهذه الإشكالية.
وهذا ما تعاملت معه قصة "الرسالة الأخيرة" للقاصة رانيا زكريا الأشقر، فالقصة قدمت لنا علاقة جدلية بين زوج وزوجته، العلاقة بينهما آلية للغاية، يكاد يكون الرابط بينهما الواجبات الحياتية فقط، نلمح ذلك في الحوار القصير في بداية القصة...
قالت: هل أحضر شيئا تأكله؟
قال: شكرا، أحتاج للراحة فقط، هناك رسائل يجب أن أتم قراءتها.
قالت: تصبح على خير.
ولأن طبيعة عمل الزوج كصحفي كانت تستدعي تعامله مع مشكلات القراء، تعاطف أكثر مع مشكلة سيدة تعاني إهمال الزوج، وبعد توالي الرسائل شعرت بالميل تجاهه وطلبت لقاءه، وفي الموعد المضروب بينهما فوجئ بزوجته تلقاه، وكأن القاصة تريد أن تقول بأن الإنسان يزهد فيما يملك ويتطلع دائما للبعيد عنه، وكأنها الرغبة الدائمة في سبر أغوار المجهول.
ولقد جاءت القصة تقليدية طويلة المقدمة -الفرشة- واستخدمت مقاطع سردية زائدة لا حاجة إليها مثل... "كانت البداية عندما أرسلت إحدى القارئات..."، و...."و في اليوم التالي، في مكتبه بالمجلة...".
واختتمت القاصة عملها بخاتمة مربكة، حيث قالت: "كانت أصداء ضحكاتهما تملأ فضاء الكون، لتصل إلى مسمع السيدة التي جلست هناك، تنتظر موعدها مع محرر في زاوية قلوب حائرة".
ولا أدري هل تريد بذلك الإيحاء بأن الحديقة ممتلئة بالسيدات اللاتي يعانين بالملل والإهمال، أم أن لقاء الزوجة أنسى الصحفي موعده، فسارا معا، ليكملا حياتهما، وليت القاصة اختتمت قصتها بلقاء الزوجين وتدارك الأمر.
وهذه القصة قدمت "رانيا زكريا" ككاتبة تستطيع نسج مجموعة علاقات وصور قصصية متداخلة -رغم الإسراف السردي بالطبع- وقدرتها على عمل حور، وأن تطلب المقطع الحواري الأخير بعض التكثيف.
ولقد قدم نادي المبدعين أعمالا عدة تناولت هذه الجدلية من زوايا متعددة، لعل آخرها قصة الكاتب "علي منصور"، "خيانة أون لاين"، وربما كان تطرق الكاتب لهذه الإشكالية نابعا من تصدرها قاموس حياتنا اليومي، فما دام هناك بشر إذن ستوجد منظومة علاقات ومن ثم ستحدث تبدلات وتحولات عدة لهذه العلاقات.
|