English

 

الاثنين. ديسمبر. 13, 2004

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بقايا دويلات أستاذي

Image

كنت منصتا للهاثه ودقات قلبي وأنا متشبث باللوحة فدخل أخي بخنازيره وحاول أن ينزعها من بين يدي ففشل فحاول ثانية بعد أن طعنني بقرونه في صدري طعنة أحسست أنها وصلت لقلبي الذي توقف بعدها.
قطع صورة أستاذي وخرج منتشيا بعدها. نهضت لأجد الخنازير تعبث بأطلال دويلات أستاذي أعلى الغرفة. قمت من مرقدي هرعا وأول ما رأوني اختبئوا في الحظيرة.
بدأت أسن رصاص قلمي لرسم لوحة جديدة للأستاذ

أبدا بالعين..

أحيانا أشعر أنها عيون كثيرة متعددة الألوان، لكل عين سحرها وبريقها الخاص.

عيون كثيرة ترنوه، حاولت أن أعرف لماذا كلها حمراء وجفونها مقلوبة، لم ينظر الأستاذ إليهم ولكنه اكتفى أن يبتسم لي فلمعت عيون الذئاب.

وأنا صغير كنت لا أنام ليلا ما دمت أعلم أن كلبا دخل شارعي وفي النهار كنت أحلم أن الناس أصبحت كلابا أستيقظ فأسأل أبي وقت الغروب ما الفرق بين الإنسان والكلب؟ كان دائما لا يجيب وكنت أجري لأجر أمي لتنام جواري قبل أن تحضر الكلاب شارعي. وقتها لم أشك في حب أبي للأستاذ.. دخل علي أمس مرتديا عباءته السوداء ليصدر حكمه: أنت مجنون ؛ كنت ممسكا كتاب أستاذي (الميزان والدولة).

بعد أشهر قليلة انتهيت من اللوحة. إني غير راض عنها بشكل كاف ولكني كنت في عجلة للمشاركة بها في معرض المدينة.

بين منزلي والمعرض بدت آثار الجنون البشري.. اللافا/صهارة براكين الدماء ما زالت قدمي تغوص فيها.. الدخان يخرج من كل شيء حتى أبراج الدير المهجور حاليا.

على باب المعرض يقف هذا الأحمق الذي وظفوه الأكثر حماقة مديرا. رنا إلي ساخرا عرفت ذلك دون أن أنظر إليه وازددت ثباتا.

وقفت في صالة المعرض جميع الحوائط مرصوصة ببراويز فارغة إلا من كلمة(مخصصة) . عند ركن منزو هنا كانت لوحتي العام الماضي.

نمت في منزلي يومين لا أحمل هما. ارتديت ملابسي وفتحت باب الغرفة. في الصالة جلس أخي يقص أظافره التي تطاول بها على أبي منذ قليل .. توقف عندما عرف أنى ذاهب للمعرض فجرى نحوي وحملني ثم قذف بي في غرفته التي أكرهها كثيرا لأن بها خنازير.

لا أعرف ما الذي يدفعهم لضربي هكذا. أخذوا يتناوبون علي بقوة غريبة جعلتني أشك بنفسي هل آذيتهم يوما؟.. ثم بكيت لأحدهم لما رأيت في عينيه أقل قسوة ونسيت أنه خنزير لا يبالي فصحت لبكائي بولولة ملأت السماء رعدا.

أول ما دخلت المعرض انتبه جميع الحضور إلى هذا المجنون -أنا-. شدني المدير إلى مكتبه فرأيت لوحتي مهشمة لأجزاء صغيرة عرفتها من رائحتها.

كل اللوحات في الصالة تدل على أن الإنسان قد مات كلاب وخنازير وخنافس وذئاب مرسومة. بعض اللوحات أشمئز منها خاصة هذه التي رسمها كبيرهم هكذا أسموه. لقد قال لي بوقاحة غير مرة لم أصبح فنانا إلا بعد التهكم على أستاذك هذا.

كل هؤلاء كذابون أعرف ذلك منذ سنين حين كذبوا على الأستاذ وباعوا رأسه بدراهم معدودة ولكني الآن أريد أن أعرف هذا الهاشم الجبان.

أخذت أصرخ طالبا بعض العدل حتى ولو تحت راية ظلمهم... صم بكم عمي فهم لا يرجعون.

خرجت من المعرض وجلست على الدائرة الخضراء الوحيدة في المدينة كان قطرها لا يتجاوز نصف متر. دنت لي الزهرة التي تذبل وقالت: سمعت أن الزهور تقطع لتأكلها الكلاب فطلبت أن أقطع مع رفيقتي فتركوني ومنعوا عني ماء الأرض. أرتعد لأول مرة بعد عشرين عام لسماع نباح من بعيد.. اقتربت لأشم شذا الزهرة.. النباح يعلو.. فسرت في جسدي نشوة لم أعهدها منذ سنين قطعها رؤية الكلاب أمامي ومن خلفهم يجري من كان حاضر المعرض نحوي ومن خلفي تأتي رائحة أخي والخنازير. الذئاب قادمة من يميني أو من يساري لا أدري لا تكترث بخصومها.

أنا الدليل الوحيد على حسدهم للأستاذ. تراجعت عكس اتجاههم -الذئاب- لكن هذا الكلب أكل الزهرة، ناديت عليها فلم ترد، وجدوا -الكلاب- في عيني رغبة الانتقام فأسرعوا نحوي.

لكن ما هذا؟ أين أفق الطريق؟ سرقتموه؟؟؟؟

الكل ورائي ولا أعلم لما أصل في اللاأفق.

أتاني الموت في موعده المناسب. لا أعرف فيما سقطت، علمت بعد ذلك أنه مستنقع قاذورات لأن روحي جاءتني بشيء من الرائحة.

كيف عادت روحي ثانية؟ لم أكترث. نهضت أنفض ما علق بي وأخذت أرسم لوحة جديدة للأستاذ.


النقد والتعليق:-

الناقد والسيناريست/ عماد مطاوع:

إن هذا النص -بداية من عنوانه- يفجر إشكالية مهمة تفرض نفسها دوما، وهي تتعلق بأسلوب الكتابة والغرض منها، خاصة أن النص يعتمد أسلوبا رمزيا مغرقا في التغريب. وإذا كان النص يعتمد على مستويات ثلاثة للتلقي، فإن هذا النص لكاتبه "شادي أحمد" يحصر نفسه ويحصرنا معه في مستوى واحد للتلقي يجعلنا مهمومين أكثر بحل شفرات الرموز التي يقوم عليها العمل.
ولا ضير مطلقا أن يحمل النص الأدبي بعض الرموز، بل على العكس، فإن هذا يعد في أحيان كثيرة شيئا محمودا، لكن الخطر كل الخطر أن يغوص الكاتب في الرمز متناسيا أهداف الكتابة أصلا، ويلهث خلف إطار وأسلوب ما متناسيا/ متجاهلا المتن والرسالة. وربما كان من أبرز الذين تبنوا هذا المنحى: "محمد حافظ رجب" أحد أهم كُتاب الستينيات، ولا سيما في مجموعة "كائنات براد الشاي المغلي"، وأيضا "يحيى الطاهر عبد الله"، وتلاهما ضياء الشرقاوي في أعماله مثل "الحديقة".
وبعيدا عن الرمز، فنحن أمام عمل قصصي جيد بالفعل، فجمله القصصية مكثفة لا زوائد فيها، مبنية بدقة. اعتمد الكاتب على الجو النفسي لبطله واستطاع توظيفه بشكل جيد، كما كانت رموزه "الخنازير- الكلاب- اللوحات-... إلخ" معبرة عن هذه الحالة بصدق، ويمكننا أن نتعامل مع هذه الرموز والشخصيات كستار لواقع عام -ربما لواقع أمة- وسنجد مبررات ذلك، وأيضا يمكننا تضييق بؤرة النظر والتعامل معها كحالة لأزمة إنسانية خاصة.
والمستوى الفني لهذا العمل جيد بالفعل، وكاتبه "شادي أحمد" -17 عاما- يملك قدرة هائلة على القص، وأدواته جيدة بالفعل، لكن عليه أن يحدد أهدافه من عملية الإبداع، وأن يغوص أكثر داخل نفسه ومجتمعه، وليتذكر أن هناك أشياء لم يعد يجدي معها رمزٌ أو مواربة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم