|
المستعرب هو من يطلب العربية؛ ليصبح لسانه عربيَّا، ولم تقف المسألة عند هذا الحد فحسب في أفريقيا جنوب الصحراء، بل أصبحت مسألة تعريب الألسن هاجسًا وشغلاً شاغلاً للعلماء المسلمين الأفارقة يعتبرونه نضالاً باللغة؛ لأنه جزء لا يتجزأ من إسلامهم، لهذا رأينا جهودًا ذاتية مخلصة تبذل ومساعي حثيثة تكرس لفك عجمة مئات بل آلاف الألسن للشباب والناشئة بل والكهول، تقوم بها أكثر من ألف مدرسة عربية إسلامية على طول نيجيريا وعرضها، بالإضافة لذلك هناك محاولات فردية وجماعية ودعوات متكررة بإلحاح شديد من أنصار اللغة العربية وروادها إلى إقرار العربية لغة رسمية في البلاد.
طموحات عريضة وأحلام كبيرة من المستعربين النيجيريين الذين ينتشرون في أنحاء مختلفة في ربوع البلاد، فما أكثر المستعربين لكن ما أشق معاناتهم، وما أعقد قضاياهم، معاناة متراكمة، ومخاطر جسيمة بعضها فوق بعض حتى تلك الجهود لا تكاد تبين أو تلمس.
-
أول تلك المشاكل أن المدارس العربية التي تعنى بتدريس اللغة تعد على أصابع اليد وأنشئت بجهود ذاتية، وليست حكومية أو مؤسسية، مما كان له تداعياته السلبية في دعم وتحويل تلك المدارس، وبالطبع في القدرة على التجديد والإبداع وابتكار الوسائل ومواكبة الأساليب العصرية التي من شأنها تفعيل رسالة هذه المدارس.
-
ثانيًا: مع هذا الجهد المضني الذي يبذله أصحاب المدارس العربية في نيجيريا خاصة القسم الجنوبي منها، فإن 98% منها ليس معترفا به رسميًّا من السلطات الحكومية في البلاد، وهذا بالطبع له انعكاساته الخطيرة على المؤسسات التعليمية وأصحابها وخريجها، ولم يكن هذا الوضع مرضيًا لأصحاب المدارس العربية بل الظروف القاهرة هي التي أجبرتهم للرضوخ لعدم الاعتراف، في مقدمتها عدم القدرة على الوفاء بالمتطلبات الرسمية للاعتراف الحكومي؛ لأنها تستلزم تكاليف باهظة بالنسبة لهؤلاء.
-
ثالثا: أن المستعربين في نيجيريا يعيشون حالة من الازدواجية الثقافية؛ لأن الثقافة السائدة الرسمية في الأوساط الرسمية وبين صفوف النخبة والمثقفين هي الثقافية الإنجليزية "الأنجولكية" فكثير من المثقفين بثقافة عربية وفي أي مجال من المجالات إذا لم يكونوا على قدر من الثقافة الإنجليزية تؤهلهم لتقديم أنفسهم فإنه ليس لهم حظ في حضور فاعل وطموح في الساحة مهما بلغوا من الكفاءة والتمكن في مجالات تخصصهم بسبب عدم الاعتراف الحكومي بالمدارس التي تدرس العربية وعدم قبول الساحة الثقافية للمستعربين الذين يشعرون بشيء من الدونية والتهميش داخل مجتمعهم.
-
رابعًا: مزاحمة الإنجليزية للعربية في كل مجالات الحياة، وهذا طبيعي في مجتمع يعتمد على الإنجليزية، فوسائل الاتصال الجماهيرية وقنوات الاتصال لم تكن للعربية فيها حظ من أجل التعبير عن نفسها، مما لا يمكن به أن تنمو هذه اللغة أو يتحسن به مستوى المستعربين عن طريق اكتساب مصطلحات ومهارات لغوية جديدة من خلال التعامل اليومي المتعدد.
-
خامسًا: ضغوطات اجتماعية تضاعف وطأة المعاناة على المستعربين، فأكثر من 70% من هؤلاء يعيشون في ظروف اجتماعية مالية قاسية جدًا، نظرًا لعدم الاعتراف الرسمي بمؤهلاتهم أو قصر مجال عملهم فقط على التدريس في المدارس، وعدم الترحيب بالمتخصصين منهم في مجالات أخرى بسبب النظرة السائدة عنهم بعدم كفاءتهم وأهليتهم لأنهم تعلموا بغير لغة العلم مما حول عددًا من ذوي اختصاصات مثل الإعلام والهندسة والاقتصاد وغيرها ـ على الرغم من قلتهم إلى مدرسين عاديين.
-
سادسًا: نظرًا للأوضاع العامة للعربية والمستعربين اقتضت جعل التعليم مجانًا لضمان بعض الإقبال عليه، وهذا جلب على المدارس والمدرسين تداعيات سيئة للغاية، فمجانية التعليم العربي كانت لها تأثيرها على قدرة المدارس لدفع أجور المدرسين ونتيجة لذلك أضعفت عطاءات هؤلاء المدرسين وتسبب في ظهور مشكلات عديدة بين مؤسسي المدارس العربية أهمها أنهم يعتمدون في تسديد الرواتب على الهيئات الخيرية وطرق أبواب الأثرياء على الرغم ما في ذلك من مشقة ومذلة، ومعاناة ما بعدها من معاناة.
-
وللمعانات هذه جانب آخر يتمثل في فقدان الوسائل المعينة لتنمية القدرات الاتصالية بهذه اللغة لدى المستعربين؛ نظرًا لشدة الحاجة إليها في مصلحة هذه المجتمعات، ومن بين تلك الوسائل:
-
فقدان منبر إعلامي باللغة العربية والذي بإمكانه توحيد الفكر والرأي العام لهذه الشريحة من خلاله على الرغم من وجود أعداد هائلة من طلبة العلم والأساتذة الذين يتشوقون إلى ذلك.
-
عدم وجود مطابع ودور نشر عربية يشكل عرقلة أمام المحاولات الإبداعية، فهناك محاولات إبداعية جادة نحو التأليف والبحث العلمي وأمثلة ذلك ما يذكره الدكتور طاهر محمد داود مدرس بقسم اللغة العربية بجامعة بايروا بكانو:
" ألفت قاموسا ثنائيًا (عربي/ هوسا) وآخر (هوسا/ عربي) منذ سنوات وحتى الآن لم يتم نشرهما؛ لأن إمكانيات النشر عندي لا تساعد على تحمل النفقات المطلوبة من دور النشر في البلاد العربية، بالإضافة إلى أن نشره محلياً يحتاج إلى بعض الخدمات الفنية اللازمة لإخراج مثل هذه القواميس، كما ألفت كتابًا آخر في مبادئ تعليم اللغة العربية، كلفتني هذه الأعمال الكثير من الوقت والجهد، وفي النهاية ما استطعت أن أنشرها، وهذا جعلني أتوقف عن الاستمرار".
-
وكما لا نغفل الإشارة إلى أن من بين المعاناة الدور السلبي الذي يقوم به بعض أبناء اللغة من الجاليات العربية المقيمة على أرض نيجيريا، وللأسف الشديد فإن بعضهم يزهدون عن إظهار أنفسهم عربًا فضلاً عن نصرة العربية، وتشجيع القائمين على نشرها مع العلم أن بإمكانهم القيام بدور فاعل ملموس في هذا المجال، فأمامهم فرص كثيرة وكبيرة مثل الدعم المادي وتقديم الجوائز والحوافز؛ لأن لديهم إمكانات هائلة لكونهم تجارًا ورجال أعمال.
-
هذه بعض من معانات المستعربين في نيجيريا، ونؤكد في هذا المجال أن الحاجة ملحة لإيجاد وسيلة اتصال جماهيرية يمكن من خلالها مخاطبة المتحدثين بالعربية، وتقديم ثقافة مشتركة لهم، وأرى أن الصحيفة هي الأنسب لهذه الشريحة، وكما نشدد أيضًا على أهمية تفعيل مهمة المراسلة الصحفية، وتمكين أهميتها في تحريك رواد العربية عن الطريق الاتصال بهم والتفاعل المستمر معهم، ولا يقل أهمية عن ذلك إنشاء النوادي والمراكز الثقافية، ونشيد بدور المنح الدراسية المقدمة لأبناء نيجيريا من البلاد العربية؛ حيث تعد من أكبر وأعظم العوامل في توسيع قاعدة المتحدثين بالعربية، وأيضًا نشدد على أهمية تعميق العلاقات بين الجامعات النيجيرية ممثلة في أقسام اللغة العربية بها ونظيراتها في البلاد العربية.
ونعتقد أن الوقت قد حان لترى أفريقيا ورواد العربية فيها أن إخوانهم العرب أصحاب الشأن فعلاً يعتزون بلغتهم ولغة كتاب ربهم.
|