English

 

الثلاثاء. أبريل. 3, 2001

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 

تاريخ أمة.. في لقطة فلاش *

حسام تمام

Image

الصورة الفوتوغرافية ذاكرة حية متجددة، ووثيقة صادقة لا تكذب أو تنحاز، لديها القدرة على كشف التفاصيل والبوح بكثير من الأسرار التي قد تعجز عنها الوثيقة المكتوبة، ومنذ اختراعها وهي تسير جنبًا إلى جنب مع النص المكتوب في رصد حركة الحياة وتوثيق تطورها في كثير من المجالات.

ولكن على الرغم من أهميتها كوثيقة تاريخية، وذاكرة ثقافية، ومرآة اجتماعية قادرة على تثبيت اللحظات التاريخية الهامة والحاسمة والاحتفاظ بها كما هي، فإن الصورة الفوتوغرافية لم تأخذ الاهتمام نفسه والعناية التي حظيت بها النصوص المكتوبة في عملية التسجيل التاريخي لحركة المجتمعات، خاصة في العالم العربي، على الرغم من أن عمرها قد تجاوز القرن ونصف القرن من الزمان؛ حيث يؤرخ لأول صورة عربية في سنة 1843، وهي السنة التي شهدت فيها مصر تنفيذ أول صورة فوتوغرافية.

وفي حين شهد التاريخ العربي القديم اهتماما كبيرا بالنقوش الجدارية والصور اليدوية حتى كان "المدائني" في القرن الثاني الهجري يزور آثار الحيرة ويطلع على نقوشها كوثائق تاريخية لا غنى عنها للمؤرخ، فقد تجاهلت معظم دور الوثائق والمؤسسات التاريخية الحديثة في عالمنا العربي أهمية الصورة الفوتوغرافية كوثيقة تاريخية؛ فلم تظهر مؤسسات أو أقسام رسمية لجمع التراث الفوتوغرافي وحفظه ودراسته والاستفادة منه، باستثناء محاولات قليلة يغلب عليها الطابع الفردي والمرحلي غير المؤسسي، وأهمها سجل الهلال المصور الذي أصدرته دار الهلال المصرية في مجلدين، ويضم أرشيفا لمجموعة هامة من الصور التي تؤرخ الأحداث وتعرض شخصيات مصرية وعربية في قرن كامل من الزمان هو عمر المجلة نفسها.

حفظ التاريخ

أكرم زعتري وسامر معضاد وفؤاد الخوري وزينة عريضة؛ مجموعة من الشباب العربي، غالبيتهم من لبنان، تنهبوا لذلك وأسسوا ما يمكن اعتباره مؤسسة عربية متخصصة لحفظ التراث الفوتوغرافي العربي..

وبذلك تأسست ببيروت - بالتنسيق مع متحف "الإليزيه" في "لوزان" بسويسرا، وبجهود بسيطة، معظمها ذاتي- مؤسسة الحفاظ على التراث العربي المصور، والتي تهدف إلى جمع التراث الفوتوغرافي المتناثر في كل البلاد العربية، وإتاحته للجمهور والباحثين من خلال المعارض والمتاحف وقاعات العرض؛ بما يتيح ويسهل مهمة البحث في هذا التراث الذي يزيد عمره على قرن ونصف القرن، ويعزز إمكانية استكشاف قيمة الصورة الفوتوغرافية وحجم تأثيرها في الثقافة والوعي والذاكرة العربية، وقد رسمتها على أن تكون مرآة للمجتمع العربي، تجسد حركته نحو النهضة في العصر الحديث، وهو ما من شأنه أن يعزز الثقافة التصويرية، ويؤسس تيارا للوعي البصري والفوتوغرافي في العالم العربي.

العرب في قرنين

وقد حددت المؤسسة مهمتها في إنجاز ثلاثة أهداف:

الأول: فهرسة المجموعات الفوتوغرافية التابعة للأشخاص والمؤسسات الموجودة والمتاحة حاليا، والتي تنتمي إلى الفترة من 1840 إلى 1920 من أشهرها مجموعة "فؤاد دباس" (لبنان)، و"بدر الحاج" و"بوخيه" (سوريا) و"الشادرجي" (العراق) ومعهدا الدراسات الفلسطينية، والبنك الشعبي في المغرب، و"شارل هنري فافرود" في مصر، وجامعة "هارفرد" وجامعة "أكسفورد".

الثاني: تجميع الصور الأحدث عهدا لدى الأفراد والعائلات التي تنتمي إلى الفترة ما بين 1920 إلى 1970، والتي تمثله مرحلة مختلفة في تاريخ الصورة الفوتوغرافية العربية، وفي حركة المجتمع العربي أيضًا، خاصة فيما يتصل بعلاقته بالغرب.

الثالث: إنتاج وتعزيز مشاريع فوتوغرافية وسينمائية عن العالم العربي، اعتمادًا على التراث الفوتوغرافي المتوافر من عام 1970 إلى الآن.

وتسعى المؤسسة من خلال جمع هذا التراث الممتد عبر قرن ونصف القرن إلى توظيفها في مشروعات بحثية، تهدف إلى رسم صورة كاملة لحركة المجتمع العربي في القرنين الماضيين التاسع عشر والعشرين نحو النهضة، خاصة أن هذه الفترة كانت أكثر فترات التبادل الثقافي والاختلاط الحضاري مع الغرب، أظهرت فيها مشروعات عديدة ومتباينة للنهضة، كما تهدف إلى تكوين وثائق مرجعية من التراث الفوتوغرافي حول عدد من الموضوعات مثل السينما والموسيقى والأدب والصحافة والهندسة المعمارية، خاصة أن ازدهار هذه الفنون والموضوعات جاء متواكبًا مع ازدهار فن التصوير الفوتوغرافي وانتشاره في العالم العربي.

وتعتمد المؤسسة المعيار الفني كأساس لعملية انتقاء وجمع التراث الفوتوغرافي، وينطبق هذا المعيار على كافة الأنواع التصويرية، سواء كانت في المجال التوثيقي أو التاريخي أو الاجتماعي أو الإعلاني، كما تقوم بإعادة تجميع التراث الفوتوغرافي الخاص بكبار المصورين، حتى ولو كانت متناثرة، بحيث يمكن من خلال دراستها تسليط الضوء على التيارات الفنية الكبرى التي عرفتها المنطقة العربية في مجال التصوير إلى وقت ظهور التصوير الملون.

ولإنجاز هذا المشروع الضخم تقوم المؤسسة بالتفاوض مع المؤسسات والجامعات والصحف التي تمتلك مجموعات فوتوغرافية عن العالم العربي لتحديد وسيلة للمشاركة المتبادلة في هذا المشروع مع حفظ الحقوق، كما تقوم بالاتصال بالمصورين الفوتوغرافيين القدامى وأصحاب المجموعات الفوتوغرافية والعائلات التي ما زالت تحتفظ لديها بصورة قديمة للحصول على نسخ منها أو شرائها.

جهود مضنية

وتسعى المؤسسة لإنشاء مركز للصور الفوتوغرافية في بيروت أو في أي عاصمة من العواصم العربية للمحافظة على الصور التي جمعتها؛ حيث يحتاج بعضها لعمليات ترميم وصيانة تقوم بها الآن- وكخطوة مرحلية- إحدى القاعات المكيفة بمتحف "الإليزيه" في سويسرا، وتخطط المؤسسة لبناء هذا المركز على مساحة ألف متر مربع ليصبح أكبر مركز من نوعه في العالم العربي، وسيتألف من قاعة للعرض، وأخرى للاستشارة، ومشغل لترميم الصور وتأطيرها، وغرفة مكيفة، ومصفحة ضد الحريق للحفاظ على الصور، وكذلك مختبر..

ومن المقرر أن يضم المركز أحدث الآلات الإلكترونية؛ ليتمكن من نسخ أكثر من 50 ألف صورة وتخزينها على أقراص إليكترونية؛ بما يتيح تلبية الاحتياجات العالمية حول أي موضوع يتعلق بالعالم العربي.

وتسعى المؤسسة التي يقوم على إدارتها عدد من الشباب العربي إلى إنعاش حركة التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي، وذلك بتقديم خدمات تعليمية تتيح فرصة مزاولة التصوير ودعوة كبار المصورين العالميين والمحاضرين لتقديم خبراتهم للمصورين العرب، والمساهمة في اكتشاف المواهب الجديدة وعرض أعمالهم الفوتوغرافية.

وقد نجحت المؤسسة في تحقيق كثير من المشروعات التي قامت من أجلها، فجمعت عددا ضخما من المجموعات الفوتوغرافية من أنحاء العالم العربي، ونظمت عددا من المعارض الفوتوغرافية؛ كان أهمها معرض ضحايا "قانا" الذي ضم مجموعة من الصور التي تمثل شهداء القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، ومعرض "فلسطين 50 سنة"، الذي نظمه معهد العالم العربي في باريس عام 1999.

لكن من أهم ما أصدرته المؤسسة كتاب "المركبة تصوير لحظات الانتقال والتحول في مجتمع الحداثة" الذي أعده "أكرم زعتري"، وهو يُعد أول كتاب من نوعه يقوم بتحليل حركة المجتمع العربي نحو الحداثة من خلال المجموعات الفوتوغرافية التي تناولت صورة المركبات السيارة: السفينة، والطائرة، وكافة وسائل النقل.

** "نماذج لبعض الصور"


 

*

 

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم