|
لم تكن الليلة السابقة لذلك اليوم الصيفي القائظ ليلة مميزة، سوى أنها كانت راكدةً وخانقةً على نحو لم يتبينه، شعر بركودها يطوق روحه بسياج كثيف من ضيق غامض، لم تتحرك الأشجار على غير عادتها ذلك المساء غير أنها لم توح له بحزن محدد واضح، لم تتوارد إلى ذهنه أية أفكار سوداء حزينة، لذلك أمضى سهرته يحاول مع صحبه تمضية الليل القصير كيفما اتفق، مشوا كثيراً حول مبنى المستشفى المنعزل جلسوا حول النافورة وانتزعوا الضحكات بصخب، تندروا على كل شيء ثم تسللوا آخر المطاف واحدًا واحدًا نحو غرفهم الخانقة ليستعدوا لإعياء يوم جديد .
لكن ساعات الصباح الأولى حملت له مع توافد أمواج المرضى إلى العيادة شعورًا ما بالذنب عندما بدأ يخط تاريخ ذلك اليوم على وصفات الدواء، إحساس بالأسى والحمق للامبالاته وذاكرته المهشمة . بدأ التذكر القاسي يفرض نفسه على كيانه لحظة فلحظة. بدأ يتعاظم ويتضخم ويتحول إلى وحش ضار يجلده بسوطه العاتي، تساءل، لماذا غاب عني تاريخ هذا اليوم؟ لذلك بدأ رأساً يكتب اسم الشهر واضحاً على كل وصفات الدواء، يكتبه بالكلمات متجاهلاً ترتيبه الرقمي بين الشهور، وشيئًا فشيئًا بدأ يرفع صوته مع كتابة التاريخ ناظرًا بتفحُص إلى وجه مرضاه بعيونهم المشرعة في وجهه وعلامات الاستفهام المرتسمة بقلق متوجس على وجوههم.
كانوا ينتمون إلى فئات عمرية مختلفة، كان يرقب انفعالاتهم بينما ينطق ببطء رقم اليوم واسم الشهر، الذين جاوزت أعمارهم الثلاثين عاماً كانوا يدارون بابتسامة خجلة شيئًا ما في دواخلهم جاهدوا لإخفائه تحت طبقات جلدهم أزمانًا مديدة، كانوا يطرقون رؤوسهم أو يروحون يحوقلون ويسترجعون ثم يغرقون في موجة من الأسى الطافح على وجوههم المتغضنة التي أدمنت الحزن والحنين، إذ ربما أضناها استرجاع صورة أسراب الجنود الحفاة ممزقي الثياب وهم يهيمون على وجوههم في الوديان والجبال بعد أن صدرت إليهم أوامر بالتراجع، التراجع العشوائي دون أي حماية من عتاد أو معنويات وحيدين تحت رحمة هدير طائرات سوداء مسعورة تملأ الجو بزعيقها المتفجر، يتدافع الجنود في حالة من الذعر المستشري والمتفشي كالطاعون في كل مكان يصلون إليه، يستبدلون ملابسهم العسكرية بملابس مدنية أو ملابس نساء ويستحلفون السكان أن يأخذوا أسلحتهم وأن يدفنوها في أي مكان، أي مكان. ثم يمضون مسرعين يلفهم بظلامه ليل حالك شديد السواد.
وتنـز قطرة دمع مقهورة تسرع صاحبتها ذات الخمسين عامًا بمسحها بظاهر يدها تحاول أن تخفي كمًّا هائلاً من الحزن المتدفق بعد استفزازه لها بالتاريخ، تاريخ ذلك اليوم، لعلها تذكرت النهر الضحل والخائضين عبره في عتمة ليل الخوف والفزع في ذلك اليوم الصيفي الحار، تذكرت العبور والألم المُمِضّ الذي لا يطاق والذي بدأ يدق جدار ظهرها وأسفل بطنها يوتر كل عضلات جسدها المنهك بعد يوم كامل من المشي تحت شمس الغور القائظ وسياط الهرب المستمر نحو لاشيء إلا الهروب.
تذكرت بطنها المنتفخ والسائل الحار الذي بدأ ينساب على رجليها والألم، الألم الرهيب والهروب دونما توقف ثم انزلاق كتلة لحمية هلامية وشعور فظيع بالتمزق ورائحة نفاذة، توقفت مذعورة، لقد ولدت، نزل جنينها هناك في قعر النهر الضحل، ما بين بين، بين الضفتين، لم يبال بنظرات زوجها العاتبة، هز رأسه وأكمل كتابة الوصفة وناوله إياها.
في صمت مد العجوز يده بشفقة نحو زوجته التي خنقها التاريخ، تاريخ ذلك اليوم ومضى بها صامتًا نحو الباب، فيما أكمل هو دون رحمة طقوس التذكر المحرّمة في ذلك اليوم، لقد بدا المرور العابر بهذا اليوم قاسيًا عليه، كان يعتقد أن هذا اليوم بالذات يستحق أكثر من مجرد ذكره أمام شاب لم يجاوز العشرين عامًا فيراه ينظر إليه ببلاهة واستغراب ولعله يسأل نفسه:
- يا ترى ؟؟ ما الذي دهى هذا الطبيب في هذا الصباح الصيفي الهادئ؟ لماذا يكرر
بإلحاح هذا التاريخ لهذا اليوم ؟؟؟
النقد والتعليق
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
لكل منا ذكرياته الخاصة التي ترتبط بأحداث وأيام معينة غيرت من مسارات حياته وتركت ذكرى داخل الوجدان، فما بالنا بتلك الأيام وهذه الأحداث التي أثرت في المسيرة الجمعية للشعوب والأمم، خاصة تلك التي يمتد تأثيرها لأجيال عديدة متعاقبة، إن ذلك كله تطرحه قصة "تذكر" للقاص "د. أسامة المجالي" فنحن أمام طبيب قضى ليلة مع الأصدقاء في محاولة للترويح عن النفس لكن ذلك لم يفلح فنجده يقول في المقدمة واصفاً هذه الليلة بأنها كانت.... "راكدة وخانقة" وفي الصباح عندما يذهب لعمله يتغير الأمر ونجده يقول... "حملت له مع نوافذ المرضى إلى العيادة شعورًا ما بالذنب عندما بدأ يخط تاريخ ذلك اليوم".
وبهذا نجد أنفسنا في حالة شوق لمعرفة سر ذلك اليوم الذي جعله يشعر بالذنب والذي أثر عليه كما يتضح من تتابع العمل وجعله في حالة حزنه تلك، ويغوص الكاتب في العمل أكثر ليوضح لنا من خلال ردود أفعال المرضى تجاه ترديد الطبيب للتاريخ –تاريخ اليوم- فنجده يسترجع من خلالهم أو من خلال ما يظن هو أنهم يفكرون فيه، نجده يسترجع..... "صورة أسراب الجنود الحفاة ممزقي الثياب وهم يهيمون على وجوههم في الوديان..."
ويزداد الأمر تعقيداً عندما نجده يقص تجربة امرأة في الخمسين وكيف أجهضت جراء محاولتها الهروب من الخطر، ثم نجده يرصد تساؤل شاب في العشرين للسبب الذي يجعل الطبيب ... "يكرر بإلحاح هذا التاريخ لهذا اليوم؟ ..... 5 حزيران".
إذاً فقد تكشف الأمر لنجد أن ما انتاب الطبيب من حزن واضطراب يرجع لذكرى الخامس من حزيران/ يونيه 1967، والهزيمة النكراء التي تعرضت لها الجيوش العربية والتي أدت لاختلال أجزاء عديدة من البلدان العربية، إنها الرغبة الدائمة في جلد الذات، والتي اعترت الذات العربية منذ هذه الهزيمة/ النكسة.
إن القاص استطاع ببراعة أن يرصد تأثير هذه الذكرى على الأجيال المختلفة ومدى تفاعلهم معها، وكان ذكياً عندما رصد حالة التغييب والسطحية المسيطرة على الشباب – لنقل بعضهم - من خلال تساؤل الشاب الصغير عن سر ترديد الطبيب لتاريخ 5 حزيران، وهي إشارة ذكية من الكاتب ينبه بها لضرورة تنشيط الوعي لدى هذا الفصيل من الأمة، والذي يعول عليه أن يقوم بالتغيير.
والقصة بنائياً كانت جيدة ورغم حسها السياسي إلا أنها نجت من فخ المباشرة والسطحية، وجاء العمل متماسكاً واستطاع أن يوجد حالة من حالات التشويق التي تجعل لدى المتلقي رغبة دائمة في معرفة ما ستؤول إليه الأحداث، والنص يؤكد امتلاك كاتبه وعياً اجتماعياً وسياسياً واضحاً، كما يؤكد امتلاكه لناصية الكتابة وقدرته على الغوص داخل التراكيب النفسية المختلفة للشخصيات المتباينة، لهذه أدعوه للإخلاص أكثر للقصة وتخير موضوعات متعددة، وتجريبه لأكثر من أسلوب قصصي، لأن هذا كله سيثري عالمنا ويجعل له طابعاً خاصاً يميز كتابته.
|