|
أغسطس الحار.. هذا الطقس الحار يجعل الأمور تمضي أكثر صعوبة، منذ كانت طفلة صغيره تدلى ضفائرها مزينه بشرائط ملونه جميلة وهي تكره فصل الصيف ها هي سخونة جسدها تتزايد، ويبدأ العرق اللعين ويتصاعد داخلها ذلك الإحساس بالغضب والضعف والقهر، لماذا هي هنا ألان لماذا عليها أن تحشر نفسها في حافلة وسط كل هذه الأجساد وكل هذه الحرارة وكل هذه الرائحة...! وحين تقذف بنفسها خارج الحافلة ينبعث من داخلها إحساس جميل بالراحة والسعادة يتبدد بعد أول ضربة موجعة تسددها الشمس، كم تكره الصيف! الآن الخطوة التالية كل يوم نفس الخطوات بنفس التسلسل، تستيقظ مبكراً قبل ميعاد العمل بنحو ساعتين تعد طعام الإفطار توقظ زوجها وولديها، يجلسون إلى المائدة ثم يبدأ الإزعاج بعض التحفظات من زوجها مثل أن البيض لم يتم سلقه بشكل جيد أو أن بائع الحليب يقوم بخلطه بالماء أو- وهذا قمة الاستفزاز - أن السفرة غير معدة بشكل مشجع ! وطفلها الأصغر لا يتخلى عن دوره في إزعاجها ويصر بشدة أن تطعمه بنفسها بينما يبدي الكبير تذمره ورغبته في تجربة عيش التوست ! تجر طفليها وتحشر نفسها في المترو تتركهم عند والدتها تتركهم على الباب وترحل مسرعة هربا من سخرية أمها اللاذعة،معركة الحافلة وأخيرا تصل إلى مقر عملها متأخرة ساعة كاملة يتم التغطية عليها بواسطة زملائها وبواسطتهم أيضا ترحل مبكرا ساعة كاملة،معركة الحافلة من جديد ثم الخطوة التالية.
تقوم بالتسوق من سوق قريب من بيت أمها،معارك حامية مع تاجر متأكدة أنه يود سرقتها وسيسرقها وتاجر يحسبها تحاول سرقته ولن تسرقه. ثم إلى دار أمها التي تبدي تأثرها مما آل إليه حال أبنتها المسكينة.
كف يدها اليمنى يعانق ابنها الأكبر،في يدها اليسرى تحمل حقيبة المشتريات وكف ابنها الأصغر.تحاول عبور الطريق والسيارات تبتسم ابتسامة خفيفة حينما سألت دون أن تتحرك الشفتان أين أماكن عبور المشاة ؟ تذكرت ذات ليلة حينما انتزعت نصف ساعة من وقت زوجها الذي يقضيه في عملين صباحي وأخر مسائي وفي النوم مطحون القوي وقتها حدثها عن فشل (مصر) في سعيها لتنظيم كأس العالم كان حزينا كان كما لو كان قد خسر معركته الأخيرة ! قالت في نفسها ربما حاول أحد أعضاء لجنة التفتيش عبور الطريق !أفلتت منها ضحكة أدهشت ولديها لكن أحد لم يعلق. أخيرا يتصرف قائد سيارة كرجل متحضر ويسمح لها بالعبور. كم تكره الصيف!
في المترو جالسة تفكر، إن أروع الدقائق تلك التي تقضيها في المترو،حينما تذهب بأفكارها بعيدا في الزمان والمكان،صحيح أن قدرنها على الخيال صارت معدومة، لكن مازالت تملك القدرة على الأمل،على الحلم بأنها يوما لن تكره الصيف!. أحيانا تلعن حظها، كيف أن كل صديقات الصبا قد نلن ما تمنوا إلا هي،لكن تعود وتسأل نفسها ماذا تمنيت؟ الآن هي تتمنى ألا تكره الصيف!
لماذا أضاع هذا الغبي فرصة العمل في إحدى دول الخليج؟ زوج (سلمى) فعلها وهي الآن تسكن شقة من أربعة حجرات مفروشة على الوجه الأكمل.لماذا لم يسافر هذا الغبي، لماذا قال كلامًا غير مفهوم عن النيل والبحر والسمكة، والوطن. وطن وفي أغسطس؟!. هي تريد فقط ألا تكره الصيف.
وإذ يقف ولدها الأكبر على الكرسي فتنهره، فلا يستجيب ويعاود الوقوف من جديد تجذبه بعنف وعصبية، فيعود ليقف في عناد فتزمجر وتهدده قائلة:
- سيأتي المحصل ويضربك.
جلس الولد في استكانة وانكسار وسألها بنبرة يكسوها الحزن:
- هل ستسمحين له
مسحت بيدها على سعره في حنان وهي تقول:
- لا لن أسمح له.
النقد والتعليق:
يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:
إذا كانت أفضل القصص هي تلك التي تكون مبتورة المقدمة؛ فبالتالي تكون المقدمة/ الفَرشة المبالغ فيها عائقًا أمام تدفق العمل وأمام بلوغه مآربه، وهذا ما نجده في هذه القصة التي بين أيدينا لمحمد الشرقاوي. فهو ينسج عالمًا قصصيًا جيدًا، متخذًا أسرةً صغيرة نموذجًا يعبر به عن آلية وجمود حياتنا في هذه المرحلة من مراحل البشرية، وهو يرصد الزحام الذي يحيط بالبطلة وكراهيتها للصيف وزحامه ورائحته... إلخ.
كما يرصد تفاصيل يومية تمر بحياتها، ويرصد التطلعات المادية التي أصبحت تتحكم في منظومة علاقاتنا الإنسانية. ونجد ذلك في حنقها على زوجها الذي رفض السفر لإحدى دول الخليج كيما يتمكن من تحصيل قدر من المال يمكنه من الحياة بشكل جيد.
ويمكن القول إن القصة ترصد يومًا واحدًا في حياة هذه السيدة.
وكان اختيار الراوي الخارجي موفقًا للغاية في رصد هذا العالم الحافل بالحياة والزحام. كما برع الكاتب في رسم أبعاد شخصياته، ورسم علاقاتهم وتأثير كلٍ منهم في الآخر، كما أن حسه الساخر اتضح في تطرقه إلى موضوع تنظيم كأس العالم.
والحق أن هذا النص يؤكد امتلاك الكاتب لأدواته وامتلاكه لناصية القص، إلا أن اختياره لهذه المقدمة السردية لم يكن موفقًا رغم أهمية ما بها من حالة كان يمكن أن تذوب داخل بنيان القصة. واعتمد الكاتب على التداعي في سرد القصة، وإن لم يركز على اللحظات القصصية بشكل أساسيّ، حيث اهتم بمنظومة العلاقات على حساب اللحظات الخاصة.
وللكاتب "محمد الشرقاوي" عينٌ راصدة ناقدة للتحولات المجتمعية المحيطة، خاصة تلك التحولات التي تؤثر بشكل فعال في حياة الفرد والجماعة في ظل ما يمور به العالم من تخبُط وعبثية.
|