English

 

السبت. أبريل. 16, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

رفات حبك

Image

إهداء عابر

أخيرا يا صاحب الوجهين..

تلاقت عيناك بعيني، أشحْتَ بهما عني وتظاهرتَ بالانشغال. صعقتكَ المفاجأة، وبدت سَكرة الماضي وصمة في طيات وجهك. تناثرت كلماتك وتبعثرت، متصلة تارة منفصلة أخرى، أربكتك.. تسترقُ نظرة أخرى وتمعنُ أكثر.. حسبُك! أنا هي، وهي أنا.

السنواتُ العشرُ لم تغيرني، كنتُ جميلة ثائرة وسأظل الأجمل، شعري الفحمي ما زال منسابا، نظراتي المتوثبة النزقة في حالة تأهُب، والكحلُ الأسود أضحى راسخا عميقا.. يعلنُ الحدادَ على...

رفات حبـك

حول جثة شاب في المشرحة، ولدت باكورة قصتنا. كنت أحاول استيعاب منظر الموت ورائحة الفورمالين، تنتابُني قشعريرة لمجرد فكرة لمسِه.. يومها اقتحمتَ علي تأملاتي وأفكاري الصغيرة، أخذَتَ تستعرض وتستطرد في تفاصيل تشريح اليد والساعد...

ثم اخترقتَ كل دوائري المغلقة، وبتحد واجهتـَني:

ـ خائفة؟

- "لا"

ـ إذن، صافحيه

رمقتـُكَ بنظرةٍ حادة لا يمكنك أن تنساها وصافحتُ الجثة... تمالكتُ نفسي، وخرجتُ براية المنتصرة، لكن اليد المتخشبة المبسوطة ظلت تعكر علي صفو أحلامي لمدة أسبوع كامل. ثم انقضت شهورٌ قبل أن أصادفك ثانية، برقت عيناك وابتسمتَ لي ابتسامتك الذكورية المغرورة، تجاهلتـُك... زادت بسمتك اتساعا، فتجاهلتـُك أكثر... استشطتَ غضبا كطفل مدلل وانقلبت ملامحُك رأسا على عقب، أصبحتَ في حالة فوضى.. انكسارٌ حزين دثـر قسماتك.. لقد أصبتَ بحمى الحب!...

لا تزال الحضرة الواثقة تلفـُك.. اكتسى سالفاك بشعر أبيض منثور وامتلأ وجهك، ازددتَ جاذبية واتزانا. تقترب مني أكثر.. ظلٌ يشدك، يد الزوجة الارستقراطية تطبق عليك كاللجام، ذلك الزيف مرسوم على نصف ابتسامتها، شعرها المصبوغ، تبرجها الصارخ.. لكنه يناسب ذوي السلك السياسي الرفيع... يدٌ تشدك للوراء، تسحبك إلى زاوية مظلمة، تفلتـُها بلطفٍ وتقترب نحوي أكثر...

أتذكر؟ كتاب المناعة واللقاحات.. نسخة مترجمة، تحمل اسمك وشيئا برسم يدك، وأحلاما عِـفـْتها وحبا خلدتَهُ بإهداءٍ دون توقيع: "لا أحتاج لوضع اسمي، بصماتي يثبتها الطبُ الشرعي".. قلتـَها مازحا مفعما بالتحدي.. ومضة من نور الله تلألأت في ناظريكَ ثم خبَتْ...

ـ كيف أحوالك؟

جملة متهدجة مرتجة، انطلقت لتدك حاجزَ النظرات.. لحظة ثورية.. هكذا تخيلتـُها، بل انتظرتـُها.. تمرستُ عليها ويلا.. طالما أنهكتني وأقضت مضجعي، عطشُ الكبرياء الأنثوي آن له أن يرتوي!

أجبتكَ ببرودٍ لم تعهدْهُ:

- "كما ترى، بأحسن الأحوال"

بنظرات زائغة خجلةٍ تردفُ:

ـ تكريمٌ تستحقينه... طالما كانت لك...أ.. .. ..

- "هل وجودُكَ هنا بغرض الدعاية السياسية؟"

تنتفضُ:

لا.. .. .. لا.. .. ..

- "إذن، دعوة من إحدى الجمعيات النسوية من طرف.. .. . .. .. ... "

احمرتْ وجنتاكَ واتسعت عيناك.. صوبتـَهُما إلي مباشرة:

ـ ما زلتُ أحملُ إجازة المهنة والزمالة البريطانية، أرجوك...

- "ربما مضى زمن... لم أعد أذكر أي شيء"

تبتسمُ بحزن:

ـ أي شيء؟

- "شيء واحد.. كتابٌ كان مصدر إلهامي، في أول أبحاثي.. ترجمتُ النسخة المعدلة منه وأضفت إليه بضعا من دراساتي.. ربما يصبح مصدر إلهامك، ما عدت أحتاجه...".

رعشةٌ صغيرة تسري في أطراف أصابعك.. تحملُ كتابك دون مقاومة، تـُحكمُ قبضتكَ على مصدر إلهامي.. تتأملُني طويلا، ثم أغادرُ فضاءَك إلى منصةِ التكريم...


النقد والتعليق:

تقول منسقة النادي/ لمياء يس

القصة تنم عن قلم متميز، وحس مرهف يسانده عقل واع راصد لما يحيط به من أحداث ونفسيات رصدا دقيقا ونافذا.

وجاء تميز القصة في فنياتها من حيث الأسلوب الذي اعتمدت فيه القاصة جانبين: الخطاب والمضارعة كزمن أساس للفعل في القصة، واستخدام هذين الأسلوبين معا مهارة لا يلتفت إليها الكثير من كتاب القصة؛ إذ استعمالهما معا لا يحدث الأثر الذي يفعله أحدهما دون الآخر.

كما جاء تميز الصور بشكل شاعري نأى عن الصور والتعبيرات المستهلكة، كمثل الصور: "انكسارٌ حزين دثـر قسماتك...، لا تزال الحضرة الواثقة تلفـُك، ذلك الزيف مرسوم على نصف ابتسامتها، تـُحكمُ قبضتكَ على مصدر إلهامي...".

وقد خالف تلك الجدة والتميز في تعبيراتك عبارة واحدة فقط، شعرتها نغمة شاذة وسط هذا النص المتميز، تلك عبارة: "ولدت باكورة قصتنا" فقد خرجت بالقارئ من السياق العصري ممتع التوظيف إلى سياق يشبه "ألف ليلة وليلة" أو حكايات الجدات! ولعل ما أنقذ الموقف ورود هذه العبارة في بداية القصة مما لم يفسد على القارئ متعته بعد انخراطه في جو القصة، ولكن بإمكانك تعديل هذه العبارة بما يتسق مع لغة وروح القصة العصرية الراقية، ولست إخالك تعجزين عن ذلك إن شاء الله.

من النقاط التي تحسب لقصتك كذلك توظيفك العنوانين "إهداء عابر"، و"إلى رفات حبك" بشكل مبتكر حتى ليصعب الاستغناء بأحدهما عن الآخر...

نتمنى لك التوفيق، وننتظر المزيد من أعمالك المتميزة.

وأتركك مع تعليق الناقد والسينارست عماد مطاوع:

مما لا شك فيه أن المرء يحن دائما للماضي، ربما للهروب من جمود وإحباطات الحاضر، وربما لذكريات حميمة تحتل جوانب من القلب.

وقصة "إهداء عابر" أو "رفات حبك" للقاصة "بان السيد" تدور حول لقاء طبيبة شابة بطبيب آخر كان معلما لها في الجامعة وباعدت بينهما السنون، فنجده وقد ترك تخصصه والتحق بالعمل السياسي، والتقيا في حفلة تكريم لها...

النص يحمل حسا رومانتيكيا عاليا، كما يحمل بين طياته حزنا شديدا على أيام سعيدة مضت، والقاصة نجحت في وصفها لكم المشاعر والأحاسيس التي يزخر بها العمل، كما كانت موفقة في وصف اللحظات القصصية، فنجدها تقول:

"لا تزال الحضرة الواثقة تلفُك، اكتسى سالفاك بشعر أبيض منثور وامتلأ وجهك، ازددتَ جاذبية واتزانا".

كما أدارت الكاتبة حوار القصة بشكل ذكي، راعت فيه طبيعة كل شخصية، وعليها أن تنتبه جيدا لخصيصة مهمة من خصائص القص أراها تغفلها، وهي التكثيف، فرغم قصر هذا النص، فإن التكثيف كان يعوزه بشدة، وهذا النص يؤكد على موهبة كاتبته وقدرتها على النفاذ إلى أدق الأحاسيس والمشاعر الإنسانية بذكاء وحنكة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم