English

 

الخميس. أبريل. 28, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الرائحة

Image

اندس وسط الزحام الذي يملأ الميدان الكبير الذي يحتل مساحة ليست بقليلة في قلب المحبوبة الأولى "القاهرة"... سأل عن المبنى الضخم الذي يسمى باسم الميدان «مجمع التحرير» أشار له أحد الذين مر عليهم بسؤاله الغبي.. وجده أمامه.. دخل.. هاجمته رائحة ليست غريبة عليه أو على أنفه جعلته يتقزز ويريد أن يتقيأ ما تناوله هذا الصباح. نفس الرائحة تسكن أنفه منذ نعومة أظافره.. استنشقها في مكتب ناظر مدرسته الابتدائية وكذلك وكيله.. وصاحبت أنفه في المدرسة الإعدادية والثانوية والجامعة أيضا... وحتى تلك المساحة الزمنية الممتدة ما بين إنهاء دراسته وبين استلامه للعمل لم تتخل عنه تلك الرائحة.. فوجدها تهاجم أنفه في ديوان مديرية التربية والتعليم عندما أخبروه بالحصول على فرصة عمل، وقبلها في ديوان مديرية القوى العاملة، وكذلك وجدها في مكتب السجل المدني عندما ذهب لاستبدال بطاقته ومهنته من عاطل إلى موظف حكومي.. وفي كل مرة يشم فيها هذه الرائحة يشعر بأنه يريد أن يتقيأ.. ولا يحدث.. نزل من المبنى الضخم بعد إنهاء أوراقه.. عند الباب الخارجي له هاجمته الرائحة مرة أخرى ولكن بوحشية أعظم مما سبق.. خرج سريعا.. انزوى جانبا وعلى إحدى حوائط المبنى.. تقيأ أخيرا.


النقد والتعليق:

يقول الناقد والسينارست عماد مطاوع:

إن أفضل بدايات العمل الأدبي هي المحذوفة المقدمة، وهذا ما نجده في أقصوصة "الرائحة" للقاص موسى نجيب؛ فهي تضعنا أمام الحدث مباشرة ودون مقدمات سردية من تلك التي يلجأ إليها كُتاب القصة عادةً. فنحن أمام حالة كافكاوية كابوسية، بطلها يتوجه لإحدى المصالح الحكومية لإنهاء أمرٍ ما، فيشتمُّ رائحة تطارده منذ صغره، وتُشعره برغبة في التقيؤ؛ فهو يشعر بتلك الرائحة منذ المدرسة الابتدائية والإعدادية ومختلف مراحل الدراسة. ثم تعاوده بعد التخرج والذهاب لاستلام العمل، وكذلك عندما يتوجه لاستخراج بطاقة شخصية.

وربما تعددت التأويلات حول تلك الرائحة، خاصة أنها تهاجمه في المصالح والجهات الرسمية، وربما يجنح التأويل نحو البيروقراطية أو الرشوة. لكن المهم هنا أن القاص قد برع في تصوير الحالة النفسية لبطل عمله، كما نجح في رسم صورة شاملة دقيقة للملابسات المحيطة به، والتي تُسهم بشكل فاعل في دفع دفة الحدث، إلا أن الكاتب أغفل جانبًا مهمًا وهو كتابة اللحظات القصصية الصغيرة التي تفيد بشكل كبير في تعميق الحالة الفنية للعمل، ويرجع ذلك لكون الأقصوصة دفقةً صغيرة أراد الكاتب منها تسجيل موقف فكري وإنساني ينسحب بالطبع إلى موقفه من العالم المحيط أجمع، وذلك في نهاية القصة عندما أصبحت الرائحة تواجهه في مكان، حتى إنه يقول: "… عند الباب الخارجي له هاجمته الرائحة مرة أخرى، ولكن بوحشية أعظم مما سبق. خرج سريعًا، انزوى جانبًا، وعلى أحد حوائط المبنى تقيأ أخيرًا". إذن فقد ذاب الجزء في الكل، وأصبح البطل هنا محاصرًا بتلك الرائحة التي تؤرق حياته.

والقاص هنا يؤكد قدرة عالية على الكتابة وامتلاك ناصية القَصّ.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم