English

 

الخميس. يونيو. 30, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

وقعُ أقدام..

Image

أخبروه يوما أن خنفساء عمياء كانت تقطن ما يشبه بيضة نعام، كل ما تذكره الخنفساء أنها منذ أفاقت -لا تدري من ماذا- وجدت نفسها في قاع البيضة، ولا تدري أيضا لماذا أخذت تتسلق جدار البيضة الأملس بأقدامها اللزجة، لكنها أصبحت الآن تعرف عدد الخطوات التي يجب أن تقطعها لتصل إلى القمة، كما أصبحت خطواتها أكثر ثقة ورتابة عن ذي قبل، أضحى الأمر لا يزيد عن أن تضع أقدامها في الثقوب الصغيرة التي تكونت لأقدامها في القشرة الغليظة على مر السنين، أما ما الذي يحدث عندما تصل إلى قمة البيضة؛ فقد أخبروه أنها تسمع حينها قعقعة عظيمة، ثم تشعر بنشوة حسية هائلة، وعندما تفيق منها تجد نفسها ممدة أفقيا، وتعلم أنها عادت بطريقة ما إلى قاع البيضة من جديد..

قالوا: إنها ظلت على ذلك ماشاء الله لها أن تظل، ثم أنها شعرت يوما بلا جدوى ما تفعله، وسئمت من نشوة القمة، فخطر لها أن تتوقف، ثم قررت أن تتوقف، ولكنها لم تستطع التوقف! فقد وجدت نفسها معلقة بما يشبه خيوط العنكبوت تحركها خطوة خطوة رغما عنها. لم يذكروا له كم ظلت تسير دون مسير، وكم مرة أفاقت لتجد نفسها ممددة في قاع البيضة، لكنهم ذكروا أنها لاحظت يوما أن أقدامها الصغيرة تغوص مع الوقت بدرجة أكبر في جدار البيضة، فخطر لها أنها قد تصل يوما إلى أن تثقب البيضة في موضع أو أكثر، فجدت السير يشجعها ما تشعر به باستمرار من زيادة غوص أقدامها في القشرة الكلسية، إلى أن جاءت اللحظة التي شعرت فيها بأحد أقدامها تسبح في الفضاء، تراجعت خطوتين إلى الوراء -لأول مرة منذ أن وعت وجودها في البيضة-، ألصقت أذنها بالثقب الصغير وأنصتت بكل ما أورثه العمى فيها من حدة السمع..

هنا اختلفوا.. بعضهم قال إنها لم تسمع أي شيء على الإطلاق، وآخرون قالوا إنها لم تكد تلصق أذنها بالثقب الصغير إلا وأجبرتها الخيوط العنكبوتية على أن تتحرك من جديد، لكن البعض يقسم على أنها سمعت صوتا كأنه وقع أقدام مدببة على سطح أملس، ثم سمعت قعقعة مهولة، تفوق كل ما سمعته من قبل.. لكنهم أجمعوا كلهم على أنها وجدت نفسها مرة أخرى في قاع البيضة، وأنها بعد ذلك لم تعد تترك آثارا على جدار البيضة الأملس وهي تسير في رحلتها الدائمة.


النقد والتعليق

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

في جو كابوسي شديد التماسك والحبكة، قدم لنا القاص حامد محمد حامد نص "وقع أقدام" ليذكرنا بعالم "فرانز كافكا" ومَن سار على دربه في الكتابة التي تدور حول الأزمات الداخلية ومُجابهة الإنسان أو معارضته لمحاولات مجرد "شيء" في حياة جامدة لا روح فيها.

إن الكاتب هنا قد اختار يرقة خنفساء عمياء داخل بيضة لم تخرج للحياة بعد، مستعرضا رحلتها الدائمة للخروج من هذا الحصار، موازيا بين هذه الخنفساء وبيننا جميعا، وموازيا أيضا بين محيط البيضة وقشرتها السميكة، وذلك الحصار المضروب من حولنا والمتمثل في أشكال وطرائق عديدة ومتباينة.

لقد نجح الكاتب في رصد نبض اللحظات القصصية/الإنسانية بدقة، لكنه استخدم أسلوب روِي متواترا قديما عندما قال في بداية عمله: "أخبروه"، وهو بهذا يعود بأساليبه وطرق الرواية إلى خطواتها الأولى مثل: "روى فلان عن فلان..." وغيرها من الأساليب التي تزخر بها الكتب التراثية، وربما جاء ذلك ليضاعف الإحساس بالتهميش والتشيؤ وعدم القدرة على الفعل، لكنه أسرف كثيرا في استخدام هذه الكلمة "أخبروه"؛ مما أضاع كثيرا من بهاء العمل، وأضعف من تواصله وانسيابية أحداثه.

وتأتي الخاتمة لتؤكد العذاب المتواصل والمستمر؛ بحيث أصيبت كل هذه المحاولات من جانب الخنفساء بالفشل، وظلت قابعة في قاع البيضة؛ مما يذكرنا بأسطورة "سيزيف"، وذلك العذاب المضروب من حول الإنسان، ومعاناته الدائمة، وذهاب محاولاته للخلاص في وجه الريح دونما بصيص أمل يلوح من أيه وجهة. واستخدم الكاتب أسلوبا مناسبا تماما للحالة المسيطرة على العمل، وجاء الغموض في هذا النص معبرا عما يكتنف الحياة نفسها من غموض، وأيضا كانت السوداوية الواضحة معبرة عن خوف وهلع لما سيحدث في قادم الأيام.

والقاص له العديد من التجارب في نادي المبدعين، وأراه قد جنح مؤخرا إلى التجريب وطَرْق أبواب جديدة للقَص، وأصبح يسلك دروبا مغايرة لما كانت عليه تجاربه الأولى ولا ضير من ذلك، شريطة أن يكون واعيا لما يفعل، وألا يستهلكه التجريب، ويأتي على حساب مشروعه؛ إذ البغية الأساسية هي الوصول لأفضل وأنسب الطرق التي تمكننا من التعبير الصادق عما يعتمل بداخلنا، وأيضا لرصد وفضح الواقع من حولنا، بكل ما يحمله وكل ما يضرب من شقاء وتِيهٍ للكثيرين، وأيضا بكل ما يحمل من ألم وأمل في الوقت ذاته.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم