|
| عالم رقميّ
|
المطر يتساقط بشدة... وهاأنا أسير مبللا كقط مشرَّد... أي فكرة مجنونة هذه جعلتني أخرج في مثل هذا الوقت؟! بدأ المطر يتمكن مني... كل شيء في الشتاء يعد مسرحا رائعا لتدفق خواطري ولا سيما الليل، وكأن الليل انحنى عليَّ فترك من سواده قبلة في عيني، فتجدني دائمًا في شيء منه... أما النهار فشتاؤه وصيفه مزعج، والسير فيه أسوأ ما يكون؛ لأن كل ما فيه يذكرني بالغد، ويخيل إليَّ أن الغد صدر مملوء بالأسرار يحوم حوله الناس ولا يبوح بسر من أسراره، فكأني به وهو كامن في مكمنه ينظر إلى آمالي وطموحاتي نظرة استخفاف وسخرية، وأنا أكره أن ينظر إلي أحدهم هذه النظرة. هاهي صورتي ترتسم على زجاج المحلات، أبدو مضحكًا.. أبعثر نظري داخل المحلات (صالون الأحلام)، ما زال مهذارا في الكلام، أعجب له من أين له أن يأتي بمادة الكلام!!.
(مخبز الوحدة) عماله ما زالوا في مواقعهم منذ خمس سنوات... رجل يلتقط الخبز من الدولاب ويلقيه في السلة والآخر يملؤه في الأكياس، أتمتم في نفسي لا شيء ممتع في هذا العمل. (أزياء الأناقة) أنظر في داخل دكانه وأبتسم، كيف له أن يحافظ على ابتسامته البلاستيكية هذه، في كل مرة يقابل فيها زبونا جديدا. كم أتمنى أن ألمس الروح في تصرفات هؤلاء.
ها قد وصلت، أسمع صوت "البابور" وكأنه يحدث موسيقى محببة إلى نفسي، ورائحة النعناع تعبق في أنفي. المقهى مزدحم والدفء يبعث على الارتياح، أشمل المقهى بنظرة خاطفة، هاهي طاولتي ما زالت فارغة، آخذ مكاني في الجلوس... صوت قطع النرد وأوراق اللعب والأراجيل يضفي على المقهى جوه المعتاد. أنتبه إلى صوت نعمان..
- مساء الخير يا أستاذ، تشرب حاجة؟
- شاي، شاي بالنعناع.
أتناول الجريدة، أقرأ العناوين بسرعة، لا شيء يسر، أفتح على صفحة الوظائف الشاغرة (مطلوب موظف... لا يقل عن ثلاث سنوات خبرة في هذا المجال)، أي قرار لعين دفعني لتقديم أوراقي إلى كلية الآداب لأنجز أربع سنوات ثم أنتظر مع مئات المنتظرين؟!. أقلب الصفحات (اختراع رجل آلي تبلغ قيمته 100000$)، ألقي الجريدة من يدي، تبا لهم ولكبريائهم، ألن يكفوا عن محاولاتهم الفاشلة؟ لن يستطيعوا خلق إنسان حتى لو صنعوا آلافًا من الآليين، فلن يحلوا محل إنسان واحد، صحيح أنهم يتحركون مثله إلا أنهم لا يملكون أحاسيسه وروحه.
صفعة خفيفة منه على رقبتي جعلتني أخرج من هذه الخواطر، إنه كما هو مذ عرفته بروحه الفكاهية، جلس أمامي وابتسم وقال: كنت أتوقع أنك هنا.
- أتعلم يا صديقي، لو استطعت أن تنزع منك الروح وتقتلع مشاعرك وتنفذ ما يطلبه الآخرون منك بحركات مبرمجة لكانت قيمتك (100000$)؟!!.
ما إن أنهيت كلامي حتى رأيت كرسيه يتأرجح من شدة الضحك. صدر صوت مرتفع، توقف عن الضحك، والتفتنا إلى مصدر الصوت.. إنه صاحب المقهى يصرخ:
- ألقِ بهذه الملعونة إلى الخارج.
كانت طفلة في السابعة أو الثامنة من عمرها، مبللة تمامًا، وترتدي حذاءً كبيرًا وممزقًا، تحمل في يدها أصابع العلكة، انتفضت بسرعة من مكاني ووقفت.. لو سمحت أريد أن أشتري منها علكة.
يا أستاذ، لا أريد أن أجعلها تعتاد على المجيء إلى هنا، أنت لا تعرف هؤلاء الصبيان، إنهم مزعجون بكثرة إلحاحهم، وكأن الشراء منهم أصبح إجباريا.
تتقدم الطفلة نحوي، أنظر إلى عينيها فأرى الحزن متشبثًا بدمعة رقراقة، وكأن العالم كله أودعها مصائبه، أعطتني العلكة وناولتها النقود، انحصرت الدنيا في نظرها بهذه النقود، وخرجت من المقهى تقفز من الفرح... أحسست بأن لعنة من السماء ستخسف بنا انتقامًا لهؤلاء الأطفال. البرق يلمع فجأة، تبعه صوت الرعد مزلزلا.
جلست على مقعدي، أحسست بأني فعلت شيئًا عظيمًا، وشعرت بالخيبة لا لشيء سوى أنني لا أستطيع أن أفعل شيئا لهؤلاء الصبية. وبعد لحظات ارتفع صوت سيارة وهي تتوقف بسرعة مفاجئة، كان صوت الكوابح عاليًا لدرجة أن معظم الجالسين أسرعوا لإشباع فضولهم ومعرفة ماذا جرى. أتذكر الطفلة، أنظر إلى عيني صديقي ونقوم بسرعة، كانت سيارة فخمة تقف بمحاذاة الرصيف وقد اصطدمت بسيارة أخرى، وعلى الأرض كانت الطفلة ممدة بلا حراك، وخيط رفيع من الدم يسيل من فمها.
أحدهم يقول: تبا لهذه الطفلة، لقد تسببت بحادث للسيارتين.
وآخر يقول: ينجبون الأطفال ويرمونهم في الشوارع.
وسائق السيارة الفخمة ينفخ بفمه وينظر إلى ساعته، يبدو أنه تأخر عن موعدٍ مهم. أحاول أن أتقدم لحمل الطفلة، أكثر من صوت يصرخ بي: لا تلمسها حتى تأتي الشرطة. نظرت إلى وجوههم، مجرد آليين فارغين وحمقى، لا شيء غير ذلك. نظرت إلى الفتاة، سقطت دمعة في حلقي وأخرى سالت على خدي، تناولت العلكة من جيبي ومضغتها، وعلى الرغم من أنها تحتوي على السكر إلا أن طعمها كان مرًّا.. مرا جدا.. بطعم الحياة.
النقد والتعليق
يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:
برغبة محمومة من الحكي ورصد تفاصيل حياتية صغيرة يلج بنا القاص طارق خميس لعمله القصصي "نهاية الحياة". لقد اختصر الكاتب المقدمة المتعارف عليها من القص الذي انتهجه بأسلوب تقليدي إلى جملة من ثلاث كلمات..
"المطر يتساقط بشدة"، ثم يبدأ في سرد قصته بضمير المتكلم (البطل)؛ ليعكس لنا حالة وجودية لبطل العمل الذي يربط بين كل ما هو محيط به وبين نفسه؛ فنجده يتواصل مع سواد ليل الشتاء وما يطبعه على نفسه، كما يعبر عن نفوره من النهار؛ لأن الليل يعطيه فرصة أكبر للتأمل والتفكير، ثم نجده يراقب انعكاس صورته على زجاج المحلات، لكنه هنا يسقط في خطأ كبير عندما يتعامل مع "صالون الأحلام" بصفة (بضمير) العاقل عندما يقول: "ما زال مهذارًا في الكلام، أعجب له من أين له أن يأتي بمادة الكلام؟!"، وبالطبع فهو يقصد صاحب الصالون كما جاء تكرار كلمة "له" هنا معوقا أمام انسيابية وتدفق القص، ويواصل الراوي رحلته، فيجلس على مقهى ويقلِّب في الجريدة، ويستاء من السعار الآلي (التكنولوجي) الذي يستشري في العالم على حساب الإنسان الذي هو لبنة كل شيء وأساسه، ثم يأتي أحد أصدقائه يشاركه الجلسة وتدخل طفلة صغيرة إلى مكان تبيع "العلكة"، وبعد أن ينهرها صاحب المقهى وبعد مجموعة من تفاصيل صغيرة يفزع الجميع لصوت "فرملة" سيارة، وعند استطلاع الأمر يجد أن الطفلة الصغيرة قد ماتت تحت عجلات السيارة.
والعمل في مجمله ينتهج نهجًا تقليديا مستعرضًا مجموعة من الأشخاص وخطوط سيرهم الحياتية، منطلقا من القهوة التي جلس عليها البطل (الراوي)، وكان الهدف الأساسي نقد الاتجاه الجامد نحو الحياة الآلية التي تنحي الجوانب الإنسانية جانبا، كما يعكس هذا العمل حسا نقديا لدى الكاتب، ينبع من موقفه تجاه مجتمعه، وتجاه العديد من التصرفات التي تسبغ حركته. والكاتب بهذا يمتلك من الوعي ما يؤهله لهذا النقد على مستويات متعددة؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وتعد هذه القصة أشبه بالبانوراما التي استعرض فيها القاص موقفه ورأيه فيما يحيط به، ورصد لقطات فنية وحياتية ذكية.
إلا أن هذا الشكل الشمولي في تناول العمل جعل الكاتب لا يراعي التكثيف، وجعله أيضا يسقط في وهدة الاستسهال في العديد من مناطق العمل؛ حيث تعامل مع الأشياء من السطح ولم يقم بالغوص داخل التراكيب النفسية بشكل كبير يعكس المزيد والمزيد من ملامح هذه الشخصيات.
والقاص طارق خميس له تجارب قصصية سابقة ظهرت من قبل عبر "نادي المبدعين"، والحق أن مستواه الفني يتجه نحو النضج بقوة، وعليه أن يواصل التجريب والبحث الدائم عن أشكال وأساليب جديدة في الكتابة؛ حتى يتسنى له الاهتداء لما يتميز به عن أقرانه وما يطبع إبداعاته بالتفرد والتميز.
|