English

 

السبت. يوليو. 23, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

شيء من الماضي

شيخوخة الزهور
شيخوخة الزهور

الصباح الباكر البارد، وذلك البريق الذي لمع في عينيه، بدت دموع بائسة ومشاعر دفينة، لحظات من الصمت تراوده.

أخذت أصابعه تدق كأنما مطرقة صلبة على كرسيه المتحرك، وكأنما لا يستطيع تحريك شيء من جسمِهِ سوى أصابعه وكأنما لا حياة إلا لتلك الأصابع النحيلة.. تختفي من نظراته ابتسامة ويبقى الصمت هو جُلوسُهُ.

شيء من الماضي يُراوده، يتمناه، يشتاق أن يعود به، حيث القوة الخارقة ألا وهي قوة الصحة والعافية والحركة الطاغية والسعي إلى الرزق وجلب العافية، ليت الماضي يعود ليكون شاكرا، فقدماه المشلولتان لا تحملاه، وضعف جسده لا يعطياه إلا اليأس والأحلام، امتلأت عيناه دموعا وبالكاد يرى طريقه، أغمض عيناه بألم ففاضت فيض من الدموع الحزينة.

تمنى أن يعود الماضي ليكون إنسانا صالحا، لا يبخل بعطية ولا يرمي هدية، لم تَعُد الأشياء كما كانت، كل شيء تغير، فرفاقه تخلوا عنه وأهله نسوه وخطيبته تركته، تساءل: إذن ما فائدة الصديق.. والأهل.. والزوجة المحبة، ما فائدتهم إن لم يقدموا يد العون لمن غاب عنهم..! تساءل وفي صدره حشرجة: فقدت قوتي.. وهأنا معاق يوضع على هامش الحياة... عاد يعاتب نفسه لماذا يهتموا بي وأنا كنت بالأمس طاغية..

أشاح بوجهه، وغابت نظراته في البعيد، وأخذت الرياح تحرك خصلات شعره المنسدلة على جبينه... والتي لطالما تباهي بها أمام الآخرين، كان شابا وسيما، محظوظا، له مركز اجتماعي، لكنه كان يفتقد الخلق الحسن وإلى شيء من التواضع... ضايقت أذنه ضربات حذاء من مصدر بعيد، بدت هذه الأقدام الصلبة تبعث وقعا في صدره، تمنى لو يعود شيء من الماضي ليسرع إلى المصدر يكشفه

فجأة.. دخلت خطيبته تلك الشابة الأنيقة منذ عرفها، بدت هذه المرة جادة، حازمة، كأنما تريد أن تقول شيء في خاطرها، اقتربت منه باسمة بحزن: كيف الحال؟ لم يرد لكنه ظل محدقا بها كأنما ينتظر منها أن تودعه.. إنها جادة فيما سمعه منها ليلة الأمس حين زارته مع ابن خالتها، لقد أخبرته، أنها لم تَعُد تتحمل أن تبقى معلقة من الزواج بسببه، حدق بها والصمت بينهما يقطعه، ليته لم يعرفها أو تعرفه، ليت الماضي يعود ليحسن الاختيار ويكون خير جار، اقتربت أكثر لكن صوته القوي أوقفها قائلا: قولي ما عندك...

إنه يعرفها، ناكرة، قالت بصوت مخنوق: خ ... خالد أنت تعلم أن هذا الأمر ليس بيدي... أهلي هم من أجبروني... هم متعاطفون معك لكن... لكن... هم يريدوني متزوجة.. يريدون أن يفرحوا بي... أنا أ..

قاطعها بصوت رعدي: يكفي...!!!

إنها تكذب، يعرف نبرتها، توترها، ارتباكها حين لا تجد مبررا، حين لا تجد تجاوبا، ليته عرفها من البداية، مدت يدها نحو كتفه ثم قالت كأنما تريد الصفح: خ .. خالد أنت تعلم أنني أحبك... لكن الظروف والحادث و... وماذا؟ إنها تضع الملح على الجرح الحار ولا تكف عن خلق القصص والأقوال، أبعد يدها وتحرك بكرسيه ناحية الشرفة وحدق بعيدا، إنه يبتعد يحاول أن ينساها وينسى ماضيه الأسود الذي لطالما تمنى أن يعود ليحسن الوعود، بكى وأجهش بالبكاء، تعالى صوت حشرجته وهو يبكي ندما، حسرتا، يبكي كما لو أنه طفل صغير، يبكي وهو يسأل نفسه: ربما هو عقاب من الله، لقد كان إنسانا تافها، أسعى للهو والمرح وأنسى رضا أهلي عني، هو بالفعل عقاب من رب الأرباب على تكبري وفجوري، على أخلاقي السيئة مع الناس، هو بالفعل عقاب قالها مخاطبا نفسه: لا أحد معي يذكرني بعد الحادث، حتى من هي أقرب الناس لي... خطيبتي التي أحببتها... لحظة! .. هو لم يحبها يوما ولم يكن جادا في حبها إنما كان ينظر إلى حب المصلحة حب التباهي والغطرسة.. الآن سيخبرها بالحقيقة المرة كما هي أخبرته بحقيقتها المفجعة سيخبرها أنه لم يحبها أبدا ولم يعجبه بها سوى منصب والدها ومركزه وماله، لم يجذبه سوى الفوز بوظيفة عند والدها، قد يكون قاسيا لو أخبرها لكنه يريد أن يقسو كما قست ويريد أن يجرح كما جرحت... يريدها أن تبكي ندما عليه... كان هذا قراره، استجمع قواه، وبلع ريقه، والتفت نحوها بحركة... لكن... لا أحد، لقد رحلت وتركته وحيدا رحلت بكل هدوء وبُرود لتلتفت إلى حياتها، لقد أساء الاختيار هذا ما كانت والدته تقوله، خنقته عَبْرَة وهو يتذكر صورتها، بل صورته مع صورتها وأصواتهما المتعالية الساخرة من الآخرين، ربما كانا يسخران من بعضهما البعض، ربما هذا قدره في أن يكون ضالا يوما فيهديه الله، شيء من الماضي يؤلمه وهو يقلب صفحاتها، يتمنى لو يحرقها لتتلاشى من تفكيره أو أن يعود الماضي فيحسن اختياره وشيء من أخلاقه...

أطلق من صدره تنهيدة كئيبة.. وعاد للشرفة... ليسرح وينسى الماضي المرير أو يتمنى عودة الماضي ليحسن الفعل والتدبير. 

النقد والتعليق:

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

عادة لا يكتشف الإنسان أهمية ما بيده من نعمة إلا إذا فقدها، فنجده يدرك أهمية الصحة إذا سقط صريع المرض، وأهمية المال إذا أصابته محن الدهر، وهذا ما أرادت القاصة "خديجة آدم" أن تقوله في قصة "شيء من الماضي"، حيث استعرضت حياة شخص تعرض لحادث أصبح على أثره قعيد كرسي متحرك، وبعد ذلك انفض من حوله الأصحاب والرفاق، حتى خطيبته تركته هي الأخرى، وظل يجتر آلامه وحيدا.

ومع صدق الرسالة التي أرادت الكاتبة أن تصل من خلال عملها هذا، فإن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع فنا جيدا.

لقد أسقطت الكاتبة في مشكلات عدة في هذا النص، فلأنها تجنح لكتابة القصص الدرامية -كما قالت في التعريف بنفسها- أرادت أن تجعل الأمر أشبه بالميلودراما، أو التراجيديات التي كثيرا ما قدمت عبر وسائط عدة بداية من الأعمال الأدبية وصولا للأفلام السينمائية في زمن بدائي من عمر السينما، ولنزعتها تلك أصاب عملها الكثير من الخلل، بل التضارب أحيانا فنجدها تقول في المقدمة التمهيدية -الفرشة- ..."فرفاقه تخلوا عنه وأهله نسوه وخطيبته تركته".

ثم يواصل اجترار ألمه... ويتتابع السرد فنجد خطيبته تقوم بزيارته ويدور بينهما حوار تتركه على أثره.

إذن فالجملة في المقدمة كانت تغني عن هذا المشهد الذي استغرق ثلث حجم العمل -أو العكس-، وأيضا فحالة الحزن التي اعترته نتيجة فراق خطيبته وتخليها عنه لم تَعُد مقبولة أو منطقية عندما تقول القاصة: "... إنه لم يحبها أبدا ولم يعجبه بها سوى منصب والدها ومركزه المالي، لم يجذبه سوى الفوز بوظيفة عند والدها".

إذن فما دام مدركا لحقيقة ما كان يربطه بها فلا داعي لهذا الحزن.

ولقد أصاب العمل أيضا جنوح الكاتبة للأكليشيهات والجمل التي تعتمد على السجع ظنا منها أنها ستثري العمل بشكل بلاغي إنشائي، فنجدها تقول: "...لا يبخل بعطية ويرمي هدية"، وأيضا قولها: "... أن يعود ليحسن الوعود" كما جرها ذلك السعي نحو السجع إلى كتابة كلمات خاطئة -إملائيا- مثل ... "حسرتا" وصحتها ... "حسرة".

والحق أن هذا العمل به فكرة جيدة، ويريد أن يحمل رسالة مهمة، لكن الكاتبة لم تكن موفقة في إخراجه بالشكل الملائم؛ لأنها تركت العنان لقلمها فأخذ يسهب في السرد متناسية أن التكثيف من أهم معالم القصة القصيرة، وليتها تراعي ذلك في تجاربها القادمة، بحيث تكثف قدر المستطاع؛ لتخرج حالة فنية مترابطة وواضحة لا تخطئ وجهتها نحو نفس وعقل القارئ، خاصة أن الكاتبة "خديجة آدم" لديها حس قصصي عال وقدرة على نسج عالم فني، ولديها حس درامي جيد، يتضح ذلك من الحبكة في هذا العمل، وهي بالفعل موهوبة في كتابة الدراما، وليتها تستفيد من ذلك وتحاول التجريب في هذا المجال، خاصة أن هناك العديد من المعاهد والأكاديميات التي تدرس هذا النوع من الفنون، كما توجد أيضا إصدارات متعددة، وهناك مدارس ومواقع إلكترونية تعنى بنشر نماذج وتعليم من يريد التزويد في هذا المجال الثري والشائق.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم