English

 

الاثنين. أغسطس. 8, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حالة خاصة

Image

اختلطت المعاني وحدث التشوه

ما عاد يجدي أن أصرخ، أن أبكي، أو أصمت. السنوات السبع لم تسعفني، لم أدرك، ما فندت الوقت أو الساعة أو اللحظة..

أنفاسي تعلقت برنين الهاتف، جرس الباب، بنقرة عصفور على شباكي..

رسالة في البريد كانت وسواسي وهمي. أي أكذوبة بيضاء فيها أثره، وكلما تبددت الأكاذيب، انرتقت مساحات الرفض لذاتٍ نكرة، وسالت دماء فجة.

ناديته: أبي...! لم ينظر إلي ورحل، حتى أنا لم أعرف إن كنت في صحوة أم غفلة.. فقط تمتمت بأشياء لم يفهمها من حولي.. لم أبرأ من طيفه، تشرنقت واضطهدت نفسي، جافيت أترابي.. اعتمل الحزن وتكدس، تحول من لوم إلى غضب إلى جمرة، وحين نما جذعي وتراخت جدائلي، أخذت أخمد براكيني ألقيت ألعابي ورسائلي، طمست كلمة حبيبي لكني أبقيت بابا.. حتى تلبستني روحٌ قادحة نافرة، مزقتُ بابا.. بترت اسمه من كراستي، اجتثثت أحضانه من صوري وأغَرْت على أيامه في ذاكرتي... أفقت يومًا دون أن أذكره!

رأيت انعكاساتي، واعتقدت أني بُعثت أميرة نورانية من جديد. حلقت كفراشة نصبت جناحيها كشراعين، وحسبت أني ملكت الفضاء وحجبت الشمس بجناحي فراشة. الحزن رقيته التناسي، وأمٌ تعاويذُها تذيب وساوس طفولية..

اكتمل التشوه وانقلبت المعاني.

قابلني، كان يشبه أبي... حركاته، سكناته، كمُّ العشق في صوته، وليس بأبي

أحبني ورفضته، كان شفافًا غضًّا كزهرة ياسمين، وكنت شائكة كصبار

لم يفهم.. القروح تصيب، تشتد وتحرق لكنها لا تجتر

شغفته حبًّا، تململ شيء ما في جوفي وبدأت ألين... صرت أشتاقه وأستنكر اشتياقه، أبعده وأقربه، أشرد منه وألوذ إليه، أحلق خارج أسرابه وأسكن سماءه.

كنت في حالة حرب وحين أسرته أمعنت في تعذيبه ونكلت بحبه حتى انتكس...

ثم هدأت شواطئي.. هجرتني المراكب وماتت عصافيري.. رفض أن يراني، لكني رأيته، كان كعصف يرف ببيدر... أعلنت عليه توسلاتي وعذاباتي وحبي.. لم ينظر إلي ورحل.

ما عاد يجدي أن أصرخ، أن أبكي، أو أصمت. تمتمت بأشياء لم يفهمها من حولي.. هي فقط، الطفلة ذات الجديلتين والوجه الحزين، والسنوات السبع، هي فقط، فهمت..


النقد والتعليق

يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:

ثمة إشكالية معقدة ومتشابكة تدور حول طبيعة العلاقات بين الناس، وكيف يسكن رجل ما لامرأة بعينها دون سائر النساء، وأيضًا كيف تسكن امرأة ما إلى رجل بعينه دون سائر الرجال، إنها العلاقات الإنسانية شديدة البساطة، شديدة التعقيد في آن واحد! وهذا يتضح بجلاء من بين ثنايا نص "حالة خاصة" للقاصة "بان السيد" فنحن أمام نص قصصي جيد البناء، متماسك، ثري بالأحداث -كنص- يتأرجح بين القصة القصيرة بعالمها ولحظاتها الدقيقة للغاية، والخاطرة بانسيابها وتدفقها دونما رغبة في تصنيف أو تحديد لملامح فنية بعينها. فبطلة العمل هنا ظلت منتظرة عودة الأب الغائب دون أمل ما؛ فنجد الكاتبة تقول على لسانها: "أنفاسي تعلقت برنين الهاتف، جرس الباب، بنقرة عصفور على شباكي".

وتعيش البطلة في حالة تيه منتظرة عودة ذلك الحضن الدافئ الذي تصبو إليه -لما لا، ألا يحن كل منا لحضن أبيه أو أمه يفرغ فيه ما يحمله من آلام وآمال في حياتنا المضطربة تلك؟- وتظل على حالتها تلك حتى تلتقي برجل يذكرها بأبيها، وكأننا أمام نفس الأزمة السيكلوجية القديمة بين عقدة إليكترا وعقدة أوديب، وبعد مناورات الأنثى المعتادة تلج إلى عالمه، ثم تجري على تلك العلاقة ما يجري على الحياة من تبدل وتغير.

فيفترقان، ثم تعود ثابتة للتيه وسط موجات الألم.

وهذا النص المحمل بعذابات إنسانية شديدة يعكس نفس كاتبته المرهفة، وأيضًا تطلعها لعالم أكثر شفافية، خال من الأحزان.

وفي هذا النص تبدت مقدرة "بان السيد" على رسم لحظات قصصية جيدة -كعادتها حيث سبق أن نشر لها نادي المبدعين تجارب جيدة من قبل- لكنها كانت قليلة للغاية، وربما قصر النص وانشطاره لمرحلتين وفقًا للحالة النفسية للبطلة هو السبب في ذلك، لكن ثمة مباشرة شديدة وتقريرية في الكثير من الجمل التي تجنح نحو البلاغة والإنشائية مثل: "ثم هدأت شواطئي".. "هجرتني المراكب"...

والحق أن حالة كهذه التي تناولتها الكاتبة كانت تستحق منها بعض المثابرة والتأني؛ حيث إنها بذرة جيدة لعمل جيد، لكن في النهاية الأمر يتوقف على رؤيتها هي ككاتبة ومبدعة النص، لكني أطالبها بالتركيز أكثر على الدقيق في الأشياء، مهما كانت مهملة ومهمشة؛ لأن اجتماعها معًا في قالب فني جيد يصنع عالمًا قائمًا بذاته، خاصة أن "بان السيد" تمتلك مقدرة على بناء عمل فني جيد، ولديها روح القص التي تميل للاقتصاد والتكثيف، كما أن لديها تلك الرؤية المتعمقة لأبعاد الذات البشرية. ونص "حالة خاصة" هو بالفعل حالة خاصة، رصدتها الكاتبة في هذا النص الذي يُعَدّ توطئة لعمل أدبي ثري، ومتعدد الزوايا، وغني بكل ما هو فني وإنساني.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم