English

 

الخميس. أغسطس. 18, 2005

ثقافة وفن » نادي المبدعين » القصة القصيرة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

القرار

Image

أغلقت الصحيفة في هدوء غريب كان يعلن عن جولة من جولات الصراع التي تدور في رأسي، لكن الصراع لم يدم طويلا، وقررت في سرعة ألا أخطو هذه الخطوة أبدا .
لم أفق إلا على ابتسامة أمي الصافية وقد وضعت أمامي طعام الإفطار وهي تصيح في مرح سعيد وبصوت مطمئن :
- الإفطار يا "باشمهندس".

رفعت عيني إليها، وحاولت أن أبتسم، لكن فمي أعلن عجزه عن الابتسام مما زرع القلق في نفسها فشعرت بأن هناك ما لا يسر، لكنها تجاوزت إحساسها بسرعة واستعادت ابتسامتها التلقائية لتجلس على سريري المقابل صائحة بنفس السرور :
- هل تسمح لي بالجلوس معك قليلا .. أحب أن أشاهدك حين تأكل .
يستغرب الكثيرون من هذه العلاقة التي تربطني بأمي حتى لكأننا (صديقين)، ولا عجب فهي تكبرني بتسعة عشر عاما، مما جعل العلاقة بيننا تشتمل على كل العلاقات المتوقعة بين أم وابنها وأخ وأخته وصديق وصديقته .
وللمرة الثانية عجزت عن إجابة ابتسامتها الصافية لأقول في هدوء: "تفضلي".

شعرت في هذه اللحظة أن هناك ما يقلقني وهمت أن تسأل، لكنها تراجعت وقد تركز بصرها على الجريدة التي ما تزال في يدي، وحاولت لمرة أخرى أن تتجاوز هذا القلق لتسأل :
- ما هي أخبار العالم اليوم يا سيادة المحلل السياسي العظيم؟
تظاهرت بأني منهمك في الطعام ولم أسمع سؤالها، وأغمضت عيني حين ارتشفت من كوب الشاي في مشهد يوحي بأنني في استمتاع أخرجني من العالم كله .

لم تخدعها محاولاتي وسألت بنفس الابتسامة الصافية، ونفس الصوت السعيد :
- ترى هل فكرت ماذا سترتدي اليوم ؟
فاجأتها بسؤال لم تكن تحب أن تسمعه :
- أخبريني يا أمي .. ماذا ستفعلين إذا حدث مكروه وفقد والدي عمله ؟ ماذا سيكون موقفك ؟
نفد صبرها واختفت ابتسامتها التي ظلت محافظة عليها طوال الوقت وقالت في عناء :
- هل عدنا ثانية لهذا الحوار ؟
- أخبريني ماذا ستفعلين ؟ .. إنما أسأل فقط .
- هذا الشيطان لا يزال يسكن رأسك ؟! أقسم أن هذه الجريدة هي التي أعادتك لهذا الجنون .
- بعيدا عن الشيطان، وبعيدا عن الجريدة .. أليس هذا هو الواقع ؟
- ماذا تعني بهذا الكلام ؟
- أعني أنني لن أتزوج، ولن أذهب الليلة إلى أي مكان .
لم تتمالك دموعها، ونظرت إليّ نظرة المتوسل، لكنني أبعدت عيني عنها وحولتها إلى هذا العنوان التي يتوسط صفحة الجريدة .
لم تحاول مسح دموعها، بل قامت مسرعة إلى الباب، فتحته ثم خرجت وتركتني أسبح في أفكاري .

أدرك تماما أنني أُسبب لأهلي قلقا بالغا، ولكن أليس هذا القلق أفضل من فضائح ما بعد الزواج؟ ماذا سيكون موقفهم حين تنشب بيني وبين زوجة المستقبل الخلافات اللامتناهية لأنني فقدت عملي وصرت عاطلا، أو حتى لأنني لا أستطيع الوفاء بحاجتها وحاجات الأولاد؟ .. ما هو شعورهم ووضعهم أمام الناس حين أُلقى بنفسي في قاع النيل؟ .. أو حين تغلي الدماء في عروقي فأقتل زوجتي وأمضي إلى السجن فيصبح الأولاد بلا أب ولا أم؟ .. أو ماذا سيفعلون حين تنتشر أخبار عجزي لتصل إلى مسامع الجيران في إحدى خناقات زوجتي الصاخبة؟ .. هل يسعدهم أن تقف زوجتي أمام المحاكم لتطالب بالطلاق لكوني لا أصلح زوجا .
إنني أُجنب نفسي وأجنبهم هذه الفضائح القادمة لا شك إذا فقدت عملي (الغير) مستقر، وها هي نسبة البطالة ترتفع بمباركة حكوماتنا الرشيدة وعهدنا الزاهي .

" إنها جهاد.. بنت خالك، وليست فتاة غريبة لتتوقع منها كل هذه الشرور"
هكذا كانت تقول أمي لتؤكد أن كل مخاوفي هراء وأوهام، وأن "جهاد" لا يمكن أن تفعل ما يضر سمعة عائلتها .

"جهاد" .. النموذج الأنثوي الوحيد الذي يُشبع كل رغباتي .. روحها الممتلئة حياء .. بسمتها التي تشع وداعة .. عينيها العسليتين الغارقتين في الهدوء الساحر .. لا أنسى أبدا يوم أن ضحكت لموقف ظريف فلما انتبهت إلى نظراتي لها سارعت بوضع كفها على فمها، واحمر وجهها خجلا .. لم أر فتاة أخرى حققت صورة الفتاة التي حلمت بها .
لكن ...
هل ستبقى بنفس هذا الجمال والهدوء إذا عجزت عن توفير طلباتها؟ .. هل سيدوم حياؤها وخجلها حين أصير بلا عمل وأجلس أمامها في البيت؟، هل يا ترى ستقدر ظروفي وتحترم مشاعري أم سيظهر الوجه الآخر الذي ظهر في كل الحوادث التي تمتلئ بها صفحات الجرائد؟
هل ستصبح اسمها "جهاد" واقعا أم أن الظروف ستصبح أقوى ؟

أحسست بشيء يضربني في ظهري .. التفت فإذا هي "ميار" بنت أختي، لا بد أن أمي أرسلتها إلي كي تخرجني من خرافاتي، وبالفعل .. نسيت الدنيا معها وصرت ألاعبها وألقيها في هواء الغرفة، ثم ألتقطها، وأطير بها وأدور، وهي تضحك وتصرخ في سعادة، وما لبثت أن دخلت أختي :
- كيف حالك يا "باشمهندس ."
- أهلا يا "حنان" .. الحمد لله .
- تبدو غارقا في اللعب مع "ميار".

- "ميار" هذه كل حياتي .
- هل تحب الأطفال إلى هذا الحد؟!
نظرت إليها باستغراب :
- كيف تسألين هذا السؤال ؟
انطلقت في هجوم مباغت :
- إذن لماذا لا تريد أن تتزوج ؟
- آه .. تسألين عن الزواج .
- نعم .. لماذا تتخيل كل فتاة شيطانا ينتظر أن تقع في مشكلة لكي تفضحك أمام العالم .. وتدوخك في المحاكم، أو تقف في منتصف الميدان لتعلن للجميع أنك ضعيف وعاجز وعاطل .. ثم إنها بنت خالك، وأنت تعرف أخلاقها، وهي تحبك كما تحبها أنت .. فلماذا تفعل كل هذا ؟
- لأنه لا يوجد دليل واحد يثبت أن "جهاد" لن تتحول إلى الصورة الأخرى .
- يعني ؟؟
- يعني لن أتزوج .
- وعواطفك ومشاعرك .. وحبك للأطفال .. والفطرة التي خلق الله بها كل الناس؟!
- لتذهب كل عواطفي ومشاعري إلى الجحيم .
سادت فترة من السكون وكل منا ينظر للآخر في تحد، ثم خفضت وجهها وقالت في هدوء :
- يا حبيبي .. لماذا تتوقع الشر قبل الخير؟
- أنا لا أتوقع .. أنا متأكد .. وانتظري سأثبت لك .
مضيت خارج الغرفة لأُحضر "ميار" التي خافت من الجو المشحون بيني وبين أمها، وجدتها في حضن أمي التي كانت تحاول الاستماع إلى حديثنا .
وبعد أن داعبتها قليلا لأُخرجها من حالة الخوف قلت لها :
-"ميار" .. ماذا تفعلين لو لم يُحضر لك "بابا" العروسة التي تحبينها ؟
وبكل براءة قالت "ميار":
- سأُحضر "بابا" غيره .
نظرت إلى أمي وإلى أختي في مرارة وقلت :
- ماذا تقولون الآن ؟
لم ينبسا بحرف، ومضيت إلى غرفتي تاركا ورائي بحرا من دموع .
أدرت مؤشر التلفاز لا أسمع الصوت الكريه يقول :
- في ظل العهد السعيد المجيد أحب أن أعلن نسبة البطالة تقترب من الصفر..


النقد والتعليق

يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:

في قصة حوارية نقدية الطابع، يعري لنا القاص محمد إلهامي حمد واحدة من أخطر الظواهر المجتمعية الآنية التي تؤثر ولا شك في مسيرة أي أمة، وهي البطالة بكل ما تفعله من تفريخ لنماذج معطلة توجه جل طاقتها لأول متنفس تجده بغض النظر عن الآثار الجانبية التي تعود على المجتمع المحيط.

إن قصة "القرار" تنطلق من شعور الكاتب بالمعاناة الحقيقية التي تلف فصيلا كبيرا من شباب هذا الوطن، والحق أن القاص برصده لهذه الظاهرة اختصر طريقا طويلا في مضمار متابعة نبض مجتمعة ومعاناته، مما يعمق بداخله أهمية ودور الفنان في وطنه، فهو -الفنان- ليس مطالبا بإيجاد حلول بل مطالب بتعرية المشكلات وفضح التخاذل.

ولقد بدأ الكاتب قصته ببداية تقليدية قصيرة جعلها مدخلا لعمله، واستخدم لغة حوارية جيدة، تضافرت مع الوصف السردي الذي وظفه جيدا، إلا أن الحوار الأخير الذي دار بين البطل –الباشمهندس- وأخته كان ممطوطا بعض الشيء، وأيضا هناك ملاحظة مهمة على الكاتب وهي أنه تعامل مع القضية بمباشرة شديدة ولم يهتم بتقديم لحظة قصصية بعينها، حتى في مشاهد الوصف جعلها سطحية، وتقريره مثل... "تظاهرات بأنني منهمك في الطعام ولم أسمع سؤالها وأغمضت عيني..."إلخ.

ولقد عمد الكاتب أيضا إلى استخدام جمل إخبارية زاعقة مثل: "بمباركة حكوماتنا الرشيدة وعهدنا الزاهي"، وجمل مثل هذه تخرج النص من مضمار القص إلى مضمار آخر يقترب من مباشرة من المقال الصحفي.

ومما لا شك فيه أن الكاتب برع في التعبير عن التقلبات النفسية لشخوص عمله، ولكن شخصياته كلها جاءت نمطية ولم تكن فاعلة ولم يكن بناؤها عميقا، فالبطل مثلا كان تشاؤمه غير مبرر كلية، فالكاتب لم يقدم لنا المبرر الحقيقي لخوفه من المستقبل فهل تكون معلومات الجرائد فقط هي التي تغير مسار الفرد هكذا؟! وتجعله يعطل حواسه وغرائزه؟.

إن قصة القرار تنبئ عن كاتب يمتلك أدواته كما يمتلك أيضا حسا مسئولا تجاه وطنه ومجتمعه.

وعلى الكاتب أن يعطي موهبته هذه حقها من الصقل والتدريب وأيضا التجريب في الأشكال المختلفة، والمتعددة للقصص، حتى نكتسب قاصا جديدا يشعر بمسئولية حقيقية تجاه مجتمعه، شريطه أن يتم التعبير عن ذلك في إطار فني خالص.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم